فهرس الكتاب

الصفحة 9729 من 11127

6532 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى الأُويسي المديني، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بالمثلثة، الدُّئلي (عَنْ أَبِي الْغَيْثِ) سالم مولى عبد الله بن مطيع، والسَّند كلُّهم مدنيُّون (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 27 ص 378

قَالَ يَعْرَقُ النَّاسُ)بفتح الراء، وهي مكسورةٌ في الماضي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بسبب تراكم الأهوال ودنوِّ الشَّمس من رؤوسهم والازدحام (حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ) يجري سابحًا (فِي) وجه (الأَرْضِ) ثمَّ يغوص فيها (سَبْعِينَ ذِرَاعًا) أي الذِّراع المتعارف، أو الذِّراع الملكي، وفي رواية الإسماعيلي من طريق ابن وهبٍ عن سليمان بن بلال (( سبعين باعًا ) ).

(وَيُلْجِمُهُمْ) بضم التحتية وسكون اللام وكسر الجيم، من ألجمه الماء إذا بلغ فاه (حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ) وفي رواية مسلمٍ من طريق الدَّاودي عن ثور (( فإنَّه ليبلغ إلى أفواه النَّاس، أو إلى آذانهم ) )شكَّ ثورٌ، وجاء عن عبد الله بن عَمرو بن العاص أنَّ الذي يلجمه العرقُ الكافر. أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب» بسندٍ حسنٍ عنه، قال (( يشتدُّ الكربُ ذلك اليوم حتَّى يلجمَ الكافرَ العرقُ، قيل له فأين المؤمنون؟ قال على كراسي من ذهبٍ، وتظلَّل عليهم الغمام ) ). وبسندٍ قويٍّ عن أبي موسى، قال (( الشَّمس فوق رؤوس النَّاس يوم القيامة وأعمالهم تظلِّلهم ) ). وأخرج ابنُ المبارك في «الزُّهد» وابن أبي شيبة في «المصنف» واللَّفظ له بسندٍ جيدٍ عن سلمان، قال (( تعطى الشَّمس يوم القيامة حرَّ عشر سنين، ثمَّ تدنو من جماجم النَّاس حتَّى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتَّى يرشحَ العرق في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يغرغرَ الرَّجل ) ). زاد ابن المبارك في روايته (( ولا يضرُّ حرُّها يومئذٍ مؤمنًا ولا مؤمنةً ) ).

قال القرطبيُّ المراد من يكون كامل الإيمان؛ لِمَا يدل عليه حديث المقداد وغيره أنَّهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم.

وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند الطَّبري والبيهقيِّ (( إنَّ الرَّجل ليغيض عرقًا حتَّى يسيح في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع حتَّى يبلغ أنفه ) ). وفي روايةٍ عنه عند أبي يعلى، وصحَّحها ابن حبَّان (( إنَّ الرَّجل ليُلجم العرق يوم القيامة حتَّى يقول يا ربِّ أرحني ولو إلى النَّار ) ).

وللحاكم والبزَّار من حديث جابرٍ رضي الله عنه نحوه، وهو كالصَّريح في أنَّ ذلك كلَّه في الموقف، وقد ورد أنَّ التَّفصيل الَّذي في حديث عقبة والمقداد يقعُ مثله لمن يدخل النَّار.

فأخرج مسلمٌ أيضًا من حديث سَمُرة رضي الله عنه رفعه (( إنَّ منهم من تأخذُه

ج 27 ص 379

النَّار إلى ركبته، ومنهم من تأخذُه إلى حنجرته )) ، وفي رواية (( إلى حقويه، ومنهم من تأخذُه إلى عنقه ) ). وهذا يحتملُ أن تكون النَّار فيه مجازًا عن شدَّة الكرب النَّاشئ من العرق، فيتَّحد الموردان، ويمكن أن يكون ورد في حقِّ من يدخل النَّار من الموحِّدين، فإنَّ أحوالهم في التَّعذيب تختلف بحسب أعمالهم، وأمَّا الكفَّار فإنَّهم في الغمرات.

قال الشَّيخ عبد الله بن أبي جمرة ظاهرُ الحديث تعميمُ النَّاس بذلك، ولكن دلَّت الأحاديث الأُخر على أنَّه مخصوصٌ بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشُّهداء ومن شاء الله، فأشدُّهم في العرق الكفَّارُ، ثمَّ أصحاب الكبائر، ثمَّ من بعدهم، والمسلمون قليلٌ بالنِّسبة إلى الكفَّار. قال والظَّاهر أنَّ المراد بالذِّراع في الحديث المتعارف، وقيل هو بالذِّراع الملكي، ومن تأمَّل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أنَّ النَّار تحفُّ بأرض الموقف، وتدنى الشَّمس من الرُّؤوس قدر ميلٍ، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرويها من العرق حتَّى يبلغ منها سبعين ذراعًا مع أنَّ كلَّ أحدٍ لا يجد إلَّا قدر موضع قدميه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم مع تنوُّعهم.

فيه أنَّ هذا لَمِمَّا يُبهر العقول، ويدلُّ على عِظَم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيها مجالٌ، ولا يعترضُ عليها بعقلٍ ولا قياسٍ ولا عادةٍ، وإنَّما يؤخذُ بالقبول، وتدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقَّف في ذلك دلَّ على خسرانه وحرمانه.

وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبَّه السَّامع، فيأخذ في الأسباب الَّتي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التَّوبة من التَّبعات، ويلجأُ إلى الكريم الوهَّاب في عونه على أسباب السَّلامة، ويتضرَّع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنِّه وكرمه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة كسابقه، وأخرجه مسلمٌ في «صفة النَّار» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت