فهرس الكتاب

الصفحة 9740 من 11127

6541 - (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، هو محمَّد، واسم جدِّه غزوان الضَّبي الكوفيُّ، قال (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، هو ابن عبد الرَّحمن الواسطي (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر.

(وَحَدَّثَنِي) بالواو والإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ ؛ أي البخاري (أَسِيدُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، هو ابن زيدٍ الجمَّال _ بالجيم _ مولى علي بن صالحٍ القرشي كوفيٌّ حدَّث ببغداد.

قال أبو حاتم كانوا يتكلَّمون فيه وضعَّفه، وأفحش ابنُ معين القول فيه، وليس له عند البخاريِّ سوى هذا الموضع، وقد قرنَه فيه بغيره، ولعلَّه كان عنده ثقةٌ، قاله أبو مسعود، ويحتمل أن لا يكون خبر أمره كما ينبغي، وإنَّما سمع هذا الحديث الواحد، وقد وافقَه عليه جماعةٌ منهم شريح بن النُّعمان عند أحمد، وسعيد بن منصور عند مسلمٍ وغيرهما، وإنَّما احتاج إليه فرارًا من تكرير الإسناد بعينه، فإنَّه أخرج السَّند الأوَّل في «الطِّبِّ» في «باب من اكتوى» [خ¦5705] ، ثمَّ أعاده هنا فأضاف إليه من طريق هُشيم.

قال (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، هو ابن بشيرٍ الواسطي (عَنْ حُصَيْنٍ) المذكور أنَّه (قَالَ كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، زاد ابن فُضيل في روايته عن حصين عن عامرٍ

ج 27 ص 400

وهو الشَّعبي عن عمران بن حُصين رضي الله عنه (( لا رقية إلَّا من عينٍ ) ) [خ¦5705] (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَتْ) بضم العين على البناء للمفعول (عَلَيَّ) بالتَّشديد (الأمم) بالرَّفع. وقد بيَّن عبثر بن القاسم _ بموحدة ثمَّ مثلثة _ على وزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرَّحمن عند التِّرمذي والنَّسائي، أنَّ ذلك كان ليلة الإسراء، ولفظه (( لمَّا أُسري بالنَّبي صلى الله عليه وسلم جعل يمرُّ بالنَّبي ومعه الواحد ... ) )الحديث.

فإن كان ذلك محفوظًا كانت فيه قوَّة لمن ذهب إلى تعدُّد الإسراء، وأنَّه وقع بالمدينة أيضًا غير الَّذي وقع بمكَّة، وفي حديث جابرٍ رضي الله عنه عند البزَّار «أبطأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن صلاةٍ حتَّى نامَ بعض من كان في المسجد ... » الحديث.

والَّذي يتحرَّر من هذه المسألة أنَّ الإسراء الَّذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكَّة من استفتاح أبواب السَّموات بابًا بابًا، ولا من التقاء الأنبياء كلُّ واحدٍ في سماءٍ، ولا المراجعة مع موسى عليه السَّلام فيما يتعلَّق بفرض الصَّلاة ولا في طلبِ تخفيفها وسائر ما يتعلَّق بذلك، وإنَّما تكرَّرت قضايا كثيرة سوى ذلك يراها صلى الله عليه وسلم، فمنها بمكَّة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام، قاله الحافظ العَسقلاني.

(فَأَجِدُ النَّبِيُّ) بكسر الجيم بلفظ المتكلِّم من الفعل المضارع، وفيه مبالغةٌ لتحقُّق صورة الحال، وفي رواية الكُشميهني بالخاء المعجمة والذال المعجمة؛ أي شرع على أنَّه من أفعال المقاربة الَّتي وُضِعت لدنوِّ الخبر على وجه الشُّروع فيه، و «النَّبيُّ» بالرَّفع (يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ) أي العدد الكثير (وَالنَّبِيُّ مَعَهُ النَّفَرُ) وفي رواية الكُشميهني والنَّفر اسم جمعٍ يقع على جماعة الرِّجال خاصةً ما بين الثَّلاثة إلى العشرة ولا واحد له من لفظه.

(وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ) بفتح الشين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي بكسر الشين وزيادة الياء، وهي القبيلة (وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ «يمرُّ» ، وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه

ج 27 ص 401

(( فجعل النَّبي يمرُّ ومعه الثَّلاثة، والنَّبي يمرُّ ومعه العصابة، والنَّبي يمرُّ وليس معه أحدٌ ) ).

والحاصل من هذه الرِّوايات أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام يتفاوتون في عدد أتباعهم.

(فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ) وفي رواية حصين بن نُمير (( فرأيتُ سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق ) )والسَّواد ضدُّ البياض وهو الشَّخص الَّذي يُرى من بعيدٍ، ووصفه بالكثرة إشارةً إلى أنَّ المراد بلفظه الجنس لا الواحد، ووقع في رواية ابن فضيل (( ملأ الأفق ) )، والأفق النَّاحية، والمراد به هنا ناحية السَّماء.

(قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلاَءِ أُمَّتِي؟ قَالَ لاَ) وفي رواية حصين بن نُمير (( فرجوت أن تكون أمَّتي، فقيل هذا موسى في قومه ) ). وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند أحمد (( حتَّى مرَّ عليَّ موسى في كبكبةٍ من بني إسرائيل فأعجبني، فقلت من هؤلاء؟ فقيل هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل ) ).

والكَبْكَبَة _ بفتح الكاف ويجوز ضمها بعدها موحدة _ هي الجماعة من النَّاس إذا انضمَّ بعضهم إلى بعضٍ.

(وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ) وفي رواية سعيد بن منصور (( عظيمٌ ) )، وزاد (( فقيل لي انظرْ إلى الأفق الآخر، فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي انظرْ إلى الأفق الآخر مثله ) )وفي رواية ابن فضيل (( فإذا سوادٌ قد ملأَ الأفق، فقيل لي انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السَّماء ) ). وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( فإذا الأفقُ قد سُدَّ بوجوه الرِّجال ) )، وفي لفظٍ لأحمد (( فرأيت أمَّتي قد ملؤوا السَّهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، فقيل أرضيتَ يا محمَّد؟ قلت نعم أي ربِّ ) ).

وقد استشكل الإسماعيليُّ كونه صلى الله عليه وسلم لم يعرف أمَّته حتَّى ظنَّ أنَّهم أمَّة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام. وقد ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كما تقدَّم في «الطَّهارة» [خ¦136] كيف تعرف من لم ترَ من أمَّتك؟ فقال (( إنَّهم غرٌّ محجَّلون من أثرِ الوضوء ) )، وفي لفظ (( سيما ليس لأحدٍ غيرهم ) ).

وأجاب بأنَّ الأشخاص الَّتي رآها في الأفق لا يُدرك منها

ج 27 ص 402

إلَّا الكثرة من غير تمييزٍ لأعيانهم، وأمَّا ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فمحمولٌ على ما إذا قَرُبوا منه، وهذا كما يرى الشَّخص شخصًا على بعدٍ فيكلِّمه، ولا يعرف أنَّه أخوه، فإذا صار بحيث يتميَّز عن غيره عرفه. ويؤيِّده أنَّ ذلك يقعُ عند ورودهم عليه الحوض.

(قَالَ) أي جبريل عليه السَّلام (هَؤُلاَءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاَ عَذَابَ) وفي رواية سعيد بن منصور رضي الله عنه (( ومعهم ) )بدل (( قدامهم ) )وفي رواية حصين بن نُمير (( ومع هؤلاء ) )وكذا في حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، والمراد بالمعيَّة المعيَّة المعنويَّة، فإنَّ السَّبعين ألفًا المذكورين من جملة أمَّته، لكن لم يكونوا في الَّذين عُرضوا إذ ذاك، فأريد الزِّيادة في تكثير أمَّته بإضافة السَّبعين ألفًا إليهم. وقد وقع في رواية ابن فُضيل (( ويدخل الجنَّة من هؤلاء سبعون ألفًا ) )والإشارة بهؤلاء إلى الأمَّة، لا إلى خصوص من عُرض، ويحتمل أن تكون «مع» بمعنى «من» فتأتلف الرِّوايتان.

(قُلْتُ لِمَ؟) وفي رواية بكسر اللام وفتح الميم وتسكن يستفهم بها عن السَّبب، ووقع في رواية سعيد بن منصور وشريح بن هشيم (( ثمَّ نهض ) )أي النَّبي صلى الله عليه وسلم، فدخل منزلهً فخاض النَّاس في أولئك. فقال بعضُهم هم الَّذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم فلعلَّهم الَّذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال هم الَّذين ... إلى آخره.

وفي رواية عبثر (( فدخل ولم يسألوه ولم يفسِّر لهم ) )، والباقي نحوه، وفي رواية ابنِ فُضيل (( فأفاضَ القوم فقالوا نحن الَّذين آمنَّا بالله واتَّبعنا الرَّسول فنحن هم، أو أولادنا الَّذين ولدوا في الإسلام، فإنَّا ولدنا في الجاهليَّة فبلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال ) ). وفي رواية حصين بن نُمير (( فقالوا أمَّا نحن فوُلِدنا في الشِّرك، ولكنَّا آمنَّا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء أبناؤنا ) )، وفي حديث جابرٍ رضي الله عنه (( وقال بعضُنا هم الشُّهداء ) )، وفي روايةٍ له (( من رقَّ قلبه للإسلام ) ).

(قَالَ) أي جبريل عليه السَّلام (كَانُوا لاَ يَكْتَوُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ) أي بالأمور الَّتي هي غير القرآن كعزائم أهل الجاهليَّة (وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ) أي لا يتشأمون بالطُّيور، كما كانوا في الجاهليَّة(وَعَلَى رَبِّهِمْ

ج 27 ص 403

يَتَوَكَّلُونَ)اتَّفق على ذكر هذه الأربع معظم الرِّوايات في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وإن كان عند البعض تقديمٌ وتأخير.

وفي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عند مسلمٍ، وفي لفظٍ له سقط (( ولا يتطيَّرون ) )ووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلمٍ (( ولا يرقون ) )بدل (( ولا يكتوون ) ).

وقد أنكر الشَّيخ ابن تيميَّة هذه الرِّواية، وزعم أنَّها غلطٌ من رواتها، واعتلَّ بأنَّ الرَّاقي يحسن إلى الَّذي يرقيه، فكيف يكون مطلوب التَّرك، وأيضًا فقد رقى جبريل عليه السَّلام النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، ورقى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه، وأذن لهم في الرُّقى، وقال (( من استطاع أن ينفعَ أخاه فليفعل ) ). والنَّفع مطلوبٌ. قال وأمَّا المسترقي فإنَّه يسأل غيره ويرجو نفعه، وتمام التَّوكل ينافي ذلك، قال وإنَّما المراد وصف السَّبعين بتمام التَّوكل فلا يسألون غيره أن يرقيهُم ولا يكويهم ولا يتطيَّرون من شيءٍ.

وأجاب غيره بأنَّ الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وسعيد بن منصور حافظٌ ثقةٌ، وقد اعتمده البخاريُّ ومسلم. واعتمد مسلمٌ على روايته هذه، وبأنَّ تغليط الرَّاوي مع إمكان تصحيح الزِّيادة لا يُصار إليه، والمعنى الَّذي حمله على التَّغليط موجودٌ في المسترقي؛ لأنَّه اعتلَّ بأنَّ الَّذي لا يطلب من غيره أن يَرقيه تام التَّوكل، وكذا يقال له، والَّذي يفعل غيره له ذلك ينبغي أن لا يمكِّنه منه لأجل تمام التَّوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل عليه السَّلام دلالةٌ على المدَّعى، ولا في فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم له أيضًا دَلالة؛ لأنَّه في مقام التَّشريع وتبيين الأحكام.

ويمكن أن يقال إنَّما ترك المذكورون الرُّقى والاسترقاء حسمًا للمادة؛ لأنَّ فاعل ذلك لا يأمن أن يَكِلَ نفسه إليه، وإلَّا فالرُّقية في ذاتها ليست ممنوعةً، وإنَّما مُنِع منها ما كان شركًا أو احتمله.

ومن ثمَّة قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اعرضوا عليَّ رقاكم ) )ولا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شركٌ ففيه إشارةٌ إلى علَّة النَّهي.

وقد نقل القرطبيُّ عن غيره أنَّ استعمال الرُّقى والكي قادحٌ في التَّوكل إذا البُرء فيهما متوهمٌ،

ج 27 ص 404

بخلاف سائر أنواع الطِّب، وفُرِّق بين القسمين بأنَّ البُرء فيهما موهومٌ، وفيما عداها محقَّق عادةٌ كالأكل والشُّرب فلا يقدح.

قال القرطبيُّ وهذا فاسدٌ من وجهين

أحدهما أنَّ أكثر أنواع الطِّب موهومٌ.

والثَّاني أنَّ الرُّقى بأسماء الله تعالى يقتضي التَّوكل عليه، والالتجاء إليه فيما عنده، والرَّغبة فيما لديه، والتَّبرُّك بأسمائه، فلو كان ذلك قادحًا في التَّوكل؛ لقدح فيه الدُّعاءُ، إذ لا فرق بين الذِّكر والدُّعاء، وقد رقى النَّبي صلى الله عليه وسلم ورُقِي، وفعله السَّلف والخلف، فلو كان مانعًا من اللَّحاق بالسَّبعين أو قادحًا في التَّوكل لم يقع من هؤلاء، وفيهم من هو أعلم وأفضل ممَّن عداهم.

وتعقِّب بأنَّه بنى كلامه على أنَّ السَّبعين المذكورين أرفع درجةً من غيرهم مطلقًا، وليس كذلك لما سيجيء، وجوَّز أبو طالب بن عطية في موازنة الأعمال أنَّ السَّبعين المذكورين هم المراد بقوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ*أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ*فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة 10 - 12] ، فإن أراد أنَّهم من جملة السَّابقين فمسلَّمٌ وإلَّا فلا.

وقد أخرج أحمد في «مسنده» وابن خزيمة وابن حبَّان في «صحيحيهما» من حديث رفاعة الجُهَني قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثًا، وفيه (( وعدني ربِّي أن يدخل الجنَّة من أمَّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، وإنِّي لأرجو أن لا تدخلوها حتَّى تبوءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرِّيَّاتكم مساكن في الجنَّة ) ).

فهذا يدلُّ على أنَّ مزيَّة السَّبعين بالدُّخول بغير حسابٍ لا يستلزم أنَّهم أفضل من غيرهم، بل فيمن يحاسب في الجملة من يكون أفضل منهم، وفيمن تأخَّر عن الدُّخول ممن تحقَّقت نجاته وعرَف مقامه من الجنَّة ليشفع في غيره من هو أفضل منهم.

وسيجيء من حديث أمِّ قيس بنت محصن (( أنَّ السَّبعين ألفًا ممَّن يحشر من مقبرة البقيع بالمدينة ) )وهي خصوصيَّةٌ أخرى. ثمَّ قوله «وعلى ربهم يتوكلون» يحتمل أن تكون هذه الجملة مفسِّرة لما تقدَّم من ترك الاسترقاء والاكتياء والطِّيرة، ويحتمل أن تكون من العام بعد الخاصِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها صفة خاصَّةٌ من التَّوكل وهو أعمُّ من ذلك.

قال القرطبيُّ

ج 27 ص 405

وغيره قالت طائفةٌ من الصُّوفية لا يستحقُّ اسم التَّوكل إلَّا من لم يخالط فيه خوفٌ غير الله حتَّى لو هجم عليه الأسد لا ينزعج، وحتَّى لا يسعى في طلب الرِّزق لكون الله ضمنه ... إلى آخره.

وأبى هذا الجمهور، وقالوا يحصل التَّوكل بأن يثقَ بوعد الله تعالى ويوقن بأنَّ قضاء الله واقعٌ، ولا يترك اتِّباع السُّنة ابتغاء الرِّزق ممَّا لابدَّ له منه من مطعمٍ ومشرب، وتحرُّزٍ من عدو بإعداد السِّلاح وإغلاق الباب ونحو ذلك، ومع ذلك فلا يطمئنُّ إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقدُ أنَّها لا تجلب بذاتها نفعًا ولا ضرًّا، بل السَّبب والمسبَّب بفعل الله تعالى والكلُّ بمشيئته، وإذا وقعَ من المرء ركونٌ إلى السَّبب قَدَحَ في توكُّله.

وهم مع ذلك فيه على قسمين واصلٌ وسالك، الأوَّل صفة الواصل وهو الَّذي لا يلتفت إلى الأسباب ولو تعاطاها، وأمَّا السَّالك فيقع له الالتفات إلى السَّبب أحيانًا إلَّا أنَّه يدفع ذلك عن نفسه بالطُّرق العلميَّة والأرزاق الحاليَّة إلى أن يرتقيَ إلى مقام الواصل.

وقال أبو القاسم القشيري التَّوكل محلُّه القلب، وأمَّا الحركة الظَّاهرة فلا تنافيه إذا تحقَّق أنَّ الكلَّ من قِبَل الله، فإن تيسَّر شيءٌ فبتيسيرهِ، وإن تعسَّر فبتقديره.

ومن الأدلَّة على مشروعيَّة الكسب [1] ما تقدَّم في «البيوع» [خ¦2072] [2] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( أفضلُ ما أكل الرَّجل من كسبه ) )، وكان داود عليه السَّلام يأكلُ من كسبه. وقد قال الله تعالى {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء 80] ، وقال تعالى {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء 102] . وأمَّا قول القائل كيف تطلب ما لا تَعْرِفَ مكانه؟

فجوابه أنَّه يفعل السَّبب المأمور به ويتوكَّل على الله فيما يَخْرج من قدرته، فيسقي الأرض مثلًا، ويُلقي الحبَّ، ويتوكَّل على الله عزَّ وجلَّ في إنباته وإنزال الغيث له، ويُحصِّل السِّلعة وينقلها، ويتوكَّل على الله في إلقاء الرَّغبة في قلوبِ من يطلبها منه، بل ربَّما كان التَّكسب واجبًا كقادرٍ على الكسب يحتاج عياله للنَّفقة، فمتى ترك ذلك كان عاصيًا.

ج 27 ص 406

وسلك الكرمانيُّ في الصِّفات المذكورة مسلك التَّأويل، فقال قوله (( ولا يكتوون ) )معناه إلَّا عند الضَّرورة مع اعتقاد أنَّ الشِّفاء من الله تعالى لا من مجرَّد الكي.

وقوله (( ولا يسترقون ) )معناه بالرُّقى الَّتي ليست في القرآن، والحديث الصَّحيح كرُقى الجاهلية وما لا يُؤمن أن يكون فيه شركٌ، وقوله و «لا يتطيَّرون» ؛ أي لا يتشأمون بشيءٍ، وكأنَّ المراد أنَّهم الَّذين يتركون أعمال الجاهليَّة في عقائدهم.

قال فإن قيل إنَّ المتَّصف بهذا أكثر من العدد المذكور فما وجه الحصر فيه؟

وأجاب باحتمال أن يكون المراد به التَّكثيرُ لا خصوصَ الأعداد.

وقال الحافظ العسقلانيُّ الظَّاهر أنَّ العدد المذكور على ظاهره، فقد وقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ثاني أحاديث الباب [خ¦6542] وَصْفُهُم بأنَّهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر.

ومضى في «بدء الخلق» من طريق عبد الرَّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه [خ¦3246] (( أوَّل زمرةٍ تدخل الجنَّة على صورة القمر، والَّذين على آثارهم كأحسن كوكبٍ درِّيٍّ في السَّماء إضاءةً ) ).

وأخرجه مسلمٌ من طرقٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه، منها رواية أبي يونس وهمَّام عن أبي هريرة (( على صورة القمر ) )، وله من حديث جابرٍ رضي الله عنه.

ووقع في أحاديث أخرى أنَّ مع السَّبعين [ألفًا] زيادةً عليهم ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد والبيهقيُّ في «البعث» من رواية سُهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( سألت ربِّي عزَّ وجلَّ فوعدني أن يُدخِلَ الجنَّة من أمَّتي زمرةٌ هم سبعون ألفًا ) )، وزاد (( فاستزدت ربِّي فزادني مع كلِّ ألفٍ سبعين ألفًا ) )وسنده جيِّدٌ.

وفي الباب عن أبي الوليد عند الطَّبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنسٍ عند البزَّار، وعن ثوبان عند ابن أبي عاصم؛ فهذه طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا.

وجاء في أحاديث أخرى أكثر من ذلك، فأخرج التِّرمذي وحسَّنه والطَّبراني وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي أُمامة رضي الله عنه

ج 27 ص 407

رفعه (( وعدني ربِّي أن يدخلَ الجنَّة من أمَّتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذابٌ، وثلاث حثيات من حثيات ربِّي ) ). والحثيات كناية عن المبالغة في الكثرة، قاله ابن الأثير.

وفي «صحيح ابن حبَّان» أيضًا والطَّبراني بسندٍ جيِّدٍ من حديث عُتبة بن عبدٍ نحوه بلفظ (( ثمَّ يشفعُ كلُّ ألفٍ في سبعين ألفًا، ثمَّ يحثي ربِّي ثلاث حثياتٍ بكفَّيه ) ). وفيه فكبَّر عمر رضي الله عنه فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ السَّبعين ألفًا يشفِّعهم الله في آبائهم وأمَّهاتهم وعشائرهم، وأرجو أن يكون أدنى أمَّتي الحثيات [3] ) ). وأخرجه الحافظ الضِّياء، وقال لا أعلم له علَّه.

قال الحافظ العسقلاني عليه الاختلاف في سنده؛ فإنَّ الطَّبري أخرجه من رواية أبي سلام حدَّثني عامر بن زيدٍ أنَّه سمع عتبة، ثمَّ أخرجه من طريق أبي سلامٍ أيضًا فقال حدَّثني عبد الله بن عامر أنَّ قيس بن الحارث حدَّثه أنَّ أبا سعيدٍ الأنماريَّ حدَّثه فذكره، وزاد قال قيسٌ فقلت لأبي سعيدٍ سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وذلك يستوعبُ مهاجري أمَّتي، ويوفي الله بقيَّتهم من أعرابنا ) ). وفي روايةٍ لابن أبي عاصم قال أبو سعيد فحسبنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغَ أربعة آلاف ألف وتسعمائة ألف؛ يعني من عدِّ الحثيات.

وقد وقع عند أحمد والطَّبراني من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه نحو حديث عتبة بن عبدٍ وزاد والخبيئة _ بمعجمة ثمَّ موحدة وهمزة _ وزنه عظيمةٍ عند ربِّي، وورد من وجهٍ آخر ما يزيد على العدد الَّذي حَسَبه أبو سعيدٍ الأنماريُّ.

فعند أحمد وأبي يَعلى من حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه نحوه بلفظ (( أعطاني مع كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا سبعين ألفًا ) )وفي سنده راويان أحدهما ضعيفٌ، والآخر لم يسمَّ. وأخرج البيهقيُّ في «البعث» من حديث عَمرو بن حزم مثله، وفيه راوٍ ضعيف أيضًا، واختلف في سنده، وفي سياق متنه.

وعند البزَّار [من حديث] أنسٍ رضي الله عنه بسندٍ ضعيفٍ نحوه، وعند الكلاباذيِّ في «معاني الأخبار» بسندٍ واهٍ من حديث عائشة رضي الله عنها

ج 27 ص 408

فقدتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فاتَّبعته، فإذا هو في مشربةٍ يصلِّي، فرأيت على رأسه ثلاثة أنوارٍ فلمَّا قضى صلاته قال (( رأيتَ الأنوار؟ ) )قلت نعم، قال «إنَّ آتيًا أتاني من ربِّي فبشَّرني أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُدخل من أمَّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ ولا عذاب، ثمَّ أتاني فبشَّرني أنَّ الله تعالى يُدخل من أمَّتي مكان كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا سبعين ألفًا بغير حسابٍ ولا عذابٍ، ثمَّ أتاني فبشَّرني أنَّ الله تعالى يُدخل من أمَّتي مكان كلِّ واحدٍ من السَّبعين ألفًا المضاعفة سبعين ألفًا بغير حسابٍ ولا عذاب، فقلت يا ربِّ لا يبلغ هذا أمَّتي؟ قال أُكملهم لك من الأعراب ممَّن لا يصلِّي ولا يصوم )) .

قال الكلاباذيُّ المراد بالأمَّة أولًا أمَّة الإجابة، وبقوله آخرًا أمَّتي الأتباع فإنَّ أمَّته صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقسامٍ أحدها أخصُّ من الآخر أمَّة الأتباع، ثمَّ أمَّة الإجابة، ثمَّ أمَّة الدَّعوة، فالأُولى أهل العمل الصَّالح، والثَّانية مطلق المسلمين، والثَّالثة من عداهم ممَّن بُعث إليهم، ويمكن الجمع بأنَّ القدر الزَّائد على الَّذي قبله هو مقدارُ الحثيات، فقد وقع عند أحمد من رواية قتادة عن النَّضر بن أنسٍ أو غيره عن أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( إنَّ الله عزَّ وجلَّ وعدني أن يُدخلَ الجنَّة من أمَّتي أربعمائة ألفٍ ) )فقال أبو بكر رضي الله عنه زدنا يا رسول الله فقال هكذا وجمع كفَّيه، فقال زدنا، فقال وهكذا، فقال عمر رضي الله عنه حسبُك أنَّ الله عزَّ وجلَّ إن شاء أدخل خلقه الجنَّة بكفٍّ واحدٍ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( صدق عمر ) )وسنده جيدٌ، لكن اختلف على قتادة في سنده اختلافًا كثيرًا.

(فَقَامَ إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وتشديد الكاف ويخفف، يقال عكش الشَّعر وتعكَّش إذا التوى حكاه القرطبيُّ، وحكى السُّهيلي أنَّه من عُكش القوم إذا حُمل عليهم، وقيل العكاشة _ بالتَّخفيف _ العنكبوت، ويقال أيضًا لبيت النَّمل.

ومِحْصَن _ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثمَّ نون _

ج 27 ص 409

وهو ابن حُرْثان _ بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة آخره نون _ من بني أسد بن خزيمة كان عُكَاشة من السَّابقين إلى الإسلام، وكان من أجمل الرِّجال وكنيته أبو مِحصن، وهاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها.

قال ابن إسحاق بلغني أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال «خير فارسٍ من العرب عُكَاشة» ، وقال أيضًا قاتل يوم بدرٍ حتَّى انقطعَ سيفه في يدهِ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جزلًا من الحطب فقال «قاتل بهذا» فقاتل به فصار في يده سيفًا طويلًا شديد المتن أبيض، فقاتل به حتَّى فتحَ الله، فكان ذلك السَّيف عنده حتَّى استشهدَ في قتال الرِّدَّة مع خالد بن الوليد رضي الله عنهما سنة اثنتى عشرة.

(ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) وفي رواية حصين بن نُمَير ومحمَّد بن فضيل قال أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال (( نعم ) )، ويُجمع بأنَّه سأل الدُّعاء أولًا فدعا له ثمَّ استفهم فأُجيب (ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ) يا رسول الله (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) وقع فيه من الاختلاف هل قال ادع لي، أو قال أمنهم أنا، كما وقع في الَّذي قبله، ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الَّذي بعده [خ¦6542] رجلٌ من الأنصار.

وجاء من طريق واهية أنَّه سعد بن عُبادة أخرجه الخطيب في «المبهمات» من طريق أبي حذيفة إسحاق بن بشرٍ البخاري أحد الضُّعفاء من طريقين له عن مجاهدٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انصرف من غزاة بني المصطلق، فساق قصَّة طويلةً، وفيها أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( أهل الجنَّة عشرون ومئة صفٍّ، ثمانون صفًّا منها أمَّتي وأربعون صفًا سائر الأمم، ولي مع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ) )قيل من هم؟ فذكر الحديث، وفيه (( فقال اللَّهمَّ اجعلْ عكاشة منهم ) )فاستشهدَ بعد ذلك، ثمَّ قام سعد بن عُبادة الأنصاريُّ، فقال يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم ... الحديث.

وهذا من جهة ضعفه وإرساله استبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة وإن كان محفوظًا، فلعلَّه آخر باسم سيِّد الخزرج واسم أبيه ونسبته، فإنَّ في الصَّحابة كذلك أخرجه في «مسند بقي بن مخلد» وفي الصَّحابة

ج 27 ص 410

سعد بن عمارة الأنصاري، فلعلَّ اسم أبيه تحرَّف.

(قَالَ) وفي رواية صلى الله عليه وسلم (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) اتَّفق جمهور الرُّواة على ذلك، إلَّا ما وقع عند ابن أبي شيبة والبزَّار وأبي يَعلى من حديث أبي سعيدٍ، فقام رجلٌ آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم، وقال في آخره (( سبقك بها عكاشة وصاحبُه، أما لو قلتم لقلتُ ولو قلتُ لأُجِبتُ»، وفي سنده عطيَّة وهو ضعيفٌ.

وقد اختلف أجوبة العلماء في الحكمة في قوله (( سبقك عكاشة ) )، فأخرج ابنُ الجوزي في «كشف المشكل» من طريق أبي عَمرو الزَّاهد أنَّه سأل أبا العبَّاس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب عن ذلك فقال كان منافقًا، وكذا نقله الدَّارقطني عن القاضي أبي العبَّاس البِرْثي _ بكسر الموحدة وسكون الراء بعدها مثلثة [4] _ فقال كان الثَّاني منافقًا، وكان صلى الله عليه وسلم لا يُسألُ في شيءٍ إلَّا أعطاه فأجابه بذلك، ونقل ابنُ عبد البرِّ عن بعض أهل العلم نحو قول ثعلب.

وقال ابن ناصرٍ قول ثعلب أولى من رواية مجاهدٍ؛ لأنَّ سندها واهٍ، واستبعد المستملي قول ثعلب؛ لما وقع في «مسند البزَّار» من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال رجلٌ من خيار المهاجرين، وسنده ضعيفٌ جدًّا مع كونه مخالفًا لرواية الصَّحيح أنَّه من الأنصار.

وقال ابن بطَّال معنى قوله (( سبقك بها عكاشة ) )؛ أي إلى إحراز هذه الصِّفات وهي التَّوكل وعدم التَّطير وما ذُكِر معه، وعدل عن قوله لست منهم، أو لست على أخلاقهم تلطُّفًا بأصحابه وحسن أدبهم معه [5] .

وقال ابن الجوزيِّ يظهر لي أنَّ الأوَّل سأل عن صدق قلبٍ فأُجيب، وأمَّا الثَّاني فيحتمل أن يكون أُريد حسم المادَّة، فلو قال للثَّاني نعم، لأ وشكَّ أن يقوم ثالثٌ ورابعٌ إلى ما لا نهاية له، وليس كلُّ النَّاس يصلح لذلك.

وقال القرطبيُّ لم يكن عند الثَّاني من تلك الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يُجِبْ، إذ لو أجابه لجاز أن يطلبَ ذلك كلُّ من كان حاضرًا فيتسلسل، فسدَّ الباب بقوله ذلك. وهذا أولى من قول من قال كان منافقًا لوجهين

أحدهما أنَّ الأصل في الصَّحابة عدم النِّفاق فلا يثبت ما يخالفُ ذلك إلَّا بنقلٍ صحيحٍ.

والثَّاني أن قلَّ أن يصدرَ ذلك من منافقٍ، وإلى هذا جنحَ ابن تيميَّة. وصحَّح النَّووي أنَّ النَّبي

ج 27 ص 411

صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أنَّه يجابُ في عكاشة ولم يقع ذلك في حقِّ الآخر.

وقال البيهقيُّ الَّذي عندي في هذا أنَّها كانت ساعة إجابةٍ علمها صلى الله عليه وسلم واتَّفق أنَّ الرَّجل قال بعد ما انقضتْ، وبيَّنه ما وقع في حديث أبي سعيدٍ ثمَّ جلسوا ساعةً يتحدَّثون. وفي رواية ابن إسحاقٍ بعد قوله (( سبقك بها عكاشة ) )وبردت الدَّعوة؛ أي انقضى وقتها، فحصل من كلام هؤلاء الأئمَّة خمسة أجوبةٍ، والعلم عند الله تعالى.

وقد وُجِد لقول ثعلبٍ ومن وافقه مستَندٌ وهو ما أخرجه الطَّبراني ومحمَّد بن سنجر في «مسنده» ، وعمر بن شبَّه في «أخبار المدينة» من طريق نافع مولى حَمْنَة، عن أمِّ قيس بنت محصن وهي أخت عكاشة أنَّها خرجت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع فقال (( يحشرُ من هذه المقبرة سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ كأنَّ وجوههم القمر ليلة البدر ) )فقام رجلٌ فقال يا رسول الله! وأنا؟ فقال (( وأنت ) )فقام آخر، فقال وأنا، قال (( سبقك بها عكاشة ) ). قال قلت لِمَ لم يقل للآخر؟ فقالت أراه كان منافقًا، فإن كان هذا أصل ما جزم به من قال كان منافقًا، فلا يَدفع تأويل غيره إذ ليس منها إلَّا الظَّن.

وأخرج البيهقيُّ في «البعث» والحاكم من حديث جابرٍ رضي الله عنه رفعه (( من زادت حسناته على سيِّئاته فذلك الَّذي يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، ومن استوت حسناته وسيِّئاته فذلك الَّذي يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن أوبقَ نفسه، فذلك الَّذي يشفعُ فيه بعد أن يُعذَّب ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3410] .

[1] في هامش الأصل في نسخة الاكتساب.

[2] هو من حديث المقدام، وحديث أبي هةريرة بعده [خ¦2073] مختصرٌ.

[3] في هامش الأصل في نسخة الحسرات.

[4] في الفتح بعدها مثناة، وسماه البِرْتي.

[5] في الفتح وحسن أدبه معهم، وهي مناسبة للسياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت