6548 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) أبو عبد الله المروزي، كاتب ابن المبارك نزل البصرة، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما (أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ) الَّذي هو عَرَضٌ من الأعراض مجسَّمًا، وقد تقدَّم في «تفسير سورة مريم» [خ¦4730] من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( يؤتى بالموت في هيئة كبشٍ أملح ) ).
وذكر مقاتل والكلبيُّ في «تفسيرهما» في قوله تعالى {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك 2] قالا خلق الموت في صورة كبشٍ لا يمرُّ على أحدٍ إلَّا مات، وخلق الحياة على صورة فرسٍ لا يمرُّ على شيءٍ إلَّا حَيِي.
قال القرطبيُّ الحكمة في الإتيان بالموت هكذا الإشارةُ إلى أنَّهم حصل لهم الفدية، كما فُدِي ولدُ إبراهيمَ عليهما السَّلام بالكبش، وفي «الأملح» إشارةٌ إلى صفتي أهل الجنَّة والنَّار؛ لأنَّ الأملح ما فيه بياضٌ وسوادٌ.
وقال التُّوربشتي إنَّما جيء به هكذا ليشاهدوه بأعينهم فضلًا أن يدركوه ببصائرهم والمعاني إذا ارتفعت عن مدارك الأفهام، واستعلت عن معارج النُّفوس لِكَبر شأنها صِيْغتْ لها قوالب من عالم الحسِّ حتَّى تتصوَّر في القلوب وتستقرَّ في النُّفوس، ثمَّ إنَّ المعاني في الدَّار الآخرة تنكشف للنَّاظرين انكشاف الصُّور في هذه الدَّار الفانية، فلذا جيء بالموت في هيئة كبش.
(حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) وفي رواية التِّرمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيُوقف
ج 27 ص 419
على السُّور الَّذي بين الجنَّة والنَّار (ثُمَّ يُذْبَحُ) لم يسمَّ من يذبحه.
ونقل القرطبيُّ عن بعض الصُّوفية أنَّ الَّذي يذبحه يحيى بن زكريا عليهما السَّلام بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم إشارةً إلى دوام الحياة، وعن بعض «التَّصانيف» أنَّه جبريل عليه السَّلام.
قال الحافظ العَسقلاني هو في «تفسير إسماعيل بن زياد الشَّامي» أحد الضُّعفاء في آخر حديث الصُّور
ج 27 ص 420
الطَّويل، قال فيه فيحيي الله تعالى مَلَك الموت وجبريل وميكائيل وإسرافيل، ويجعل الموت في صورة كبشٍ أملح، فيذبحُ جبريلُ الكبشَ.
وفي «المصابيح» على تقدير كونه يحيى، ففي اختصاصه من بين الأنبياء عليهم السَّلام بذلك لطيفةً، وهي مناسبة اسمه لإعدام الموت، وليس فيهم من اسمه يحيى غيره، فالمناسبة ظاهرةٌ.
وعلى تقدير كونه جبريل عليه السَّلام فالمناسبة لاختصاصه بذلك لائحةٌ أيضًا من حيث هو معروفٌ بالرُّوح الأمين، وليس في الملائكة من يُطلق عليه ذلك غيره، فجُعِل أمينًا على هذه القضيَّة المهمَّة وتولَّى الذَّبح، فكان في ذبح الرُّوح للموت المضادِّ لها مناسبةٌ حسنةً يمكن رعايتها والإشارة بها إلى بقاء كلِّ روحٍ من غير طروِّ الموت عليها بشارةً للمؤمنين وحسرة على الكافرين.
(ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ) قال الحافظ العَسقلاني لم أقف على تسميته، وتقدَّم في الباب الَّذي قبله [خ¦6544] من وجهٍ آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( ثمَّ يقوم مؤذِّنٌ بينهم ) ). وفي حديث أبي سعيدٍ بعد قوله (( أملح فينادي منادٍ ) ) [خ¦4730] ظاهره أنَّ الذَّبح يقع بعد النِّداء والَّذي هنا يقتضي أنَّ النِّداء بعد الذَّبح ولا منافاة بينهما، فإنَّ النِّداء الَّذي قبل الذَّبح للتَّنبيه على رؤية الكبش، والَّذي بعد الذَّبح للتَّنبيه على إعدامه.
(يَا أَهْلَ النَّارِ لاَ مَوْتَ) زاد في الباب الماضي «خلودٌ» [خ¦6544] ، ووقع في حديث أبي سعيدٍ (( فيُنادي منادٍ يا أهل الجنَّة فيشرئبون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم، وكلُّهم قد رآه وعرفه وذكر في أهل النَّار مثله، قال فيذبح، ثمَّ يقول _ أي المنادي _ يا أهل الجنَّة خلودٌ فلا موت ) )الحديث، وفي آخر ثمَّ قرأ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [مريم 39] إلى آخر الآية [خ¦4730] . وعند التِّرمذي في آخر حديث أبي سعيدٍ (( فلو أنَّ أحدًا مات فَرحًَا لمات أهل الجنَّة، ولو أنَّ أحدًا مات حزنًا لمات أهل النَّار ) ).
وقوله (( فيَشْرَئِبُّون ) )بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الراء بعدها همزة مكسورة ثمَّ موحدة ثقيلة؛ أي يمدُّون أعناقهم ويرفعون رؤوسهم للنَّظر. ووقع عند ابن ماجه وفي «صحيح ابن حبَّان» من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه «فيوقف
ج 27 ص 421
على الصِّراط، فيقال يا أهل الجنَّة فيتطلَّعون خائفين أن يخرجوا من مكانهم الَّذي هم فيه»، وفي آخره «ثمَّ يُقال للفريقين كلاهما خلودٌ فيما يجدون لا موت فيه أبدًا» . وفي رواية التِّرمذي (( فيقال لأهل الجنَّة وأهل النَّار هل تعرفون هذا؟ فيقولون قد عرفناه وهو الموت الَّذي وُكِّلَ بنا، فيُضجع ويُذبح ذبحًا على السُّور ) ).
قال القاضي أبو بكر ابن العربي استشكل هذا الحديث لكونه خالف صريح العقل؛ لأنَّ الموت عَرَضٌ، والعرض لا ينقلبُ جسمًا، فكيف يُذبح؟ فأنكرت طائفةٌ صحَّة هذا الحديث ودفعته، وتأوَّلت طائفةٌ وقالت هذا تمثيلٌ ولا ذبح هناك حقيقة. وقالت طائفةٌ بل الذَّبح على حقيقتهِ والمذبوح متولِّي الموت وكلُّهم يعرفه؛ لأنَّه الَّذي تولَّى قبض أرواحهم، قال الحافظ العَسقلاني وارتضى هذا بعض المتأخِّرين، وحمل قوله «الَّذي وكَّل بنا» على أنَّ المراد به مَلَك الموت؛ لأنَّه هو الَّذي وُكِّل بهم في الدُّنيا كما قال تعالى في سورة الم السَّجدة، واستشهد له من حيث المعنى بأنَّ ملك الموت لو استمرَّ حيًّا؛ لنغَّص عيش أهل الجنَّة وأيَّده بقوله في حديث الباب
(فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ) بضم المهملة وسكون الزاي فيهما، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الحاء والزاي، وبهما قُرئ في القرآن، وتعقِّب بأنَّ الجنَّة لا حَزَن فيها البتَّة. وما وقع في رواية ابن حبَّان أنَّهم يتطلَّعون خائفين إنَّما هو توهُّمٌ لا يستقرُّ، ولا يلزم من زيادة الفرح ثبوت الحزن، بل التَّعبير بالزِّيادة إشارة إلى أنَّ الفرح لم يزل، كما أنَّ أهل النَّار يزداد حزنهم ولم يكن عندهم فرحٌ إلَّا مجرد التَّوهم الَّذي لم يستقرَّ.
وقد تقدَّم في «باب نفخ الصُّور» [خ¦4813 قبل] عند نقل الخلاف في المراد بالمستثنى في قوله تعالى {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر 68] قول من زعم أنَّ ملك الموت منهم. ووقع عند علي بن معبد من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( ثمَّ يأتي ملك الموت، فيقول ربِّ بقيتَ أنتَ الحي القيوم الَّذي لا تموت وبقيت أنا، فيقول أنتَ من خلقي فمُتْ، ثمَّ لا تُحيى، فيموت ) ).
وأخرج ابن أبي الدُّنيا من طريق محمَّد بن كعبٍ القرظي،
ج 27 ص 422
قال بلغني أنَّ آخر من مات [1] من الخلائق ملك الموت، فيقال له يا ملك الموت مُت موتًا لا تُحيى بعده أبدًا، فهذا لو كان ثابتًا لكان حجَّة على الرَّدِّ على من زعم أنَّه الذِّبْح؛ لكونه مات قبل ذلك موتًا لا حياة بعده، لكنَّه لم يثبت.
وقال المازريُّ الموت عندنا عَرَضٌ من الأعراض، وعند المعتزلة ليس بشيءٍ معيَّن، وعلى المذهبين لا يصحُّ أن يكون كبشًا ولا جسمًا، وأنَّ المراد بهذا التَّمثيلُ والتَّشبيه.
ثمَّ قال وقد خلق الله تعالى هذا الجسم، ثمَّ يُذبح مثالًا؛ لأنَّ الموت لا يطرأُ على أهل الجنَّة. وقال القرطبيُّ في «التَّذكرة» الموت معنًى، والمعاني لا تنقلبُ جوهرًا، وإنَّما يخلق الله أشخاصًا من ثواب الأعمال، وكذا الموت يخلق الله كبشًا يسمِّيه الموت ويُلقي في قلوب الفريقين أنَّ هذا الموت، يكون ذبحه دليلًا على الخلود في الدَّارين. وقال غيره لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادًا يجعلها مادَّة لها، كما ثبت في «صحيح مسلمٍ» في حديث (( أنَّ البقرة وآل عمران يجيئان كأنَّهما غمامتان ) )ونحو ذلك من الأحاديث.
قال القرطبيُّ وفي هذه الأحاديث التَّصريح بأنَّ خلود أهل النَّار فيها لا إلى غاية أمد، وإقامتهم فيها بلا موتٍ ولا حياةٍ نافعة ولا راحةٍ، كما قال الله تعالى {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر 36] ، وقال تعالى {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة 20] . قال فمن زعم أنَّهم يُخرجون منها وأنها تبقى خاليةً، أو أنَّها تفنى وتزول فهو خارجٌ عن مقتضى ما جاء به الرَّسول وأجمع عليه أهل السُّنة.
قال الحافظ العَسقلاني في هذه المسألة سبعة أقوالٍ
أحدها هذا الَّذي نُقل فيه الإجماع.
والثَّاني يعذَّبون فيها إلى أن تنقلبُ طبيعتهم فتصير ناريةً حتَّى يتلذَّذوا بها لموافقة طبيعتهم [2] ، وهذا قول بعض من يتنسَّب إلى التَّصوف من الزَّنادقة.
والثَّالث ويخرج قومٌ يخلفهم آخرون، كما ثبت في الصَّحيح عن اليهود، وقد أكذبهم الله تعالى بقوله {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة 167] .
والرَّابع يخرجون منها وتستمرُّ هي على حالها.
والخامس أنَّها تفنى؛ لأنَّها حادثةٌ، وكلُّ حادثٍ يفنى،
ج 27 ص 423
وهو قول الجهميَّة.
والسَّادس تفنى حركاتهم البتَّة وهو قول أبي الهُذيل العلَّاف من المعتزلة.
والسَّابع يزولُ عذابها ويخرج أهلها منها.
جاء ذلك عن بعض الصَّحابة أخرجه عبدُ بن حميد في «تفسيره» من رواية الحسن عن عَمرو قال وهو منقطعٌ ولفظه (( لو لبث أهل النَّار في النَّار عدد رمل عالج لكان لهم يومٌ يخرجون منه ) ). وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( ليأتينَّ عليها زمانٌ ليس فيها أحدٌ ) ). قال عبدُ الله بن معاذٍ راويه أصحابنا يقولون يعني به الموحِّدين.
قال الحافظ العَسقلاني وكذا الأثر عن عمر رضي الله عنه لو ثبتَ حمل على الموحدين، وقد مال بعض المتأخِّرين إلى هذا القول السَّابع ونصره بعدَّة أوجهٍ من جهة النَّظر، وهو مذهب رديءٌ مردودٌ على قائله، وقد أطنب السُّبكي الكبير في بيان وهائه فأجاد.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث أنَّ ازدياد أهل الجنَّة فرحًا وازدياد أهل النَّار حزنًا، وصفٌ من أوصافهما من حيث أنَّهما حاصلان فيهما، وهو وصفُ المحل وإرادة وصف الحال.
وقد أخرجه مسلمٌ في صفة أهل الجنَّة والنَّار.
[1] 4 في هامش الأصل في نسخة يموت.
[2] في الفتح طبعهم.