6571 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، أخو أبي بكرٍ والقاسم، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، هو ابنُ عبد الحميد الرَّازي (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحدة، ابن عَمرو السَّلْماني (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وهذا السَّند كلُّه كوفيُّون (قَالَ) أي إنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لأَعْلَمُ) بلام التَّأكيد (آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا) أي من النَّار نفسها، أو من مروره على الصِّراط المنصوب عليها (وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا) قال القاضي عياض جاء نحو هذا في آخر مَنْ يجوز على الصِّراط؛ يعني كما يأتي في آخر الباب الَّذي يليه [خ¦6574] .
قال فيحتمل أنَّهما اثنان إمَّا شخصان وإمَّا نوعان أو جنسان، وعبَّر فيه بالواحد عن الجماعة؛ لاشتراكهم في الحكم الَّذي كان سبب ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الورود، وهو الجواز على الصِّراط، فيتَّحد المعنى إمَّا في شخص واحد أو أكثر، قال الحافظ العَسقلاني وقع عند مسلم من رواية أنسٍ
ج 27 ص 465
عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ما يقوِّي الاحتمال الثَّاني، ولفظه (( آخر من يدخل الجنَّة رجلٌ يمشي مرَّةً ويكبو مرةً، وتسفعه النَّار مرةً، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال تبارك الَّذي نجَّاني منك ) )، وعند الحاكم من طريق مسروق عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه ما يقتضي الجمع.
(رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا) بمهملة وموحدة، وهو المشي على اليدين، أو المشي على الإست، يقال حبا الرَّجل إذا مشى على يديه، وحبا الصَّبي إذا مشى على استه، وفي بعض النُّسخ بفتح الكاف وسكون الموحدة؛ أي زحفًا، ووقع لفظ (( زحفًا ) )في رواية الأعمش عن إبراهيم عند مسلمٍ.
(فَيَقُولُ اللَّهُ) له (اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى) بفتح الميم والهمزة بينهما لام ساكنة (فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ) الله له (اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ) وفي نسخة (عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا) قيل عرض الجنَّة كعرض السَّموات والأرض فكيف تكون عشرة أمثال الدُّنيا؟ وأجيب بأنَّ هذا تمثيل وإثبات السِّعة على قَدْرِ فهمنا.
(فَيَقُولُ) أي الرَّجل (تَسْخَرُ مِنِّي؟) بفتح الفوقية والمعجمة استفهامٌ حذف منه الأداة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالموحدة والتحتية بدل (( منِّي ) )، يقال سخر منه إذا استجهله، واستهزأ به (أَوْ) قال (تَضْحَكُ مِنِّي) بالشَّك، وفي رواية الأعمش (( أتسخر بي ) )ولم يشكَّ (وَأَنْتَ الْمَلِكُ) بكسر اللام، وكذا لمسلم من رواية منصورٍ، وله من رواية أنس عن ابن مسعودٍ رضي الله عنهما (( أتستهزئ بي وأنت ربُّ العالمين؟ ) )، وهذا واردٌ منه على سبيل الفرح غير ضابطٍ لما ناله من السُّرور ببلوغ ما لم يخطر بباله، فلم يضبط لسانه دهشةً وفرحًا، وجريًا على عادته في الدُّنيا من مخاطبة المخلوق، وهذا كما قال الرَّجل عند وجدان زاده مع راحلتهِ من شدَّة الفرح (( أنت عبدي وأنا ربُّك ) ).
وقال المازريُّ هذا مشكلٌ، وتفسير الضَّحك بالرِّضى لا يتأتَّى هنا، ولكن لمَّا كان عادة المستهزئ أن يضحَكَ من الَّذي استهزأ به ذُكِر معه، وأمَّا نسبة السُّخرية إلى الله تعالى فهي على سبيل المقابلة، وإن لم يذكر
ج 27 ص 466
في الجانب الآخر لفظًا، لكنَّه لمَّا ذكر أنَّه عاهد مرارًا وغدرَ حلَّ فعله محلَّ المستهزئ، فظنَّ أنَّ في قول الله تعالى (( ادخل الجنَّة ) )وتردُّده إليها وظنه أنَّها ملأى نوعًا من أنواع السُّخرية به جزاءً على فعله، فسُمِّي الجزاء على السُّخرية سخريةً.
ونقل القاضي عِياض عن بعضهم أنَّ ألف (( أتسخر بي ) )ألف النَّفي كهي في قوله تعالى {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف 155] على أحد الأقوال، قال وهو كلامٌ متدلِّلٍ عَلِمَ مكانه من ربِّه وبسطه له بالإعطاء. وجوَّز القاضي عياض أنَّ الرَّجل قال ذلك وهو غير ضابطٍ لما قال، إذ وَلِهَ عقلُه من السُّرور لِمَا لم يخطر بباله، كما مرَّ، ويؤيِّده أنَّه قال في بعض طُرقه عند مسلمٍ لما خلص من النَّار (( وقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأوَّلين والآخرين ) ).
وقال القرطبيُّ في «المفهم» أكثروا في تأويله، وأشبَهُ ما قيل فيه أنَّه استخفَّه الفرح وأدهشه فقال ذلك، وقيل قال ذلك؛ لكونه خاف أن يجازى على ما كان منه في الدُّنيا من التَّساهل في الطَّاعات وارتكاب المعاصي كفعل السَّاخرين، فكأنَّه قال أتجازيني على ما كان منِّي، فهو كقوله تعالى {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة 79] ، وقوله {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة 15] جزاء سخريَّتهم واستهزائهم. وسيأتي بيان الاختلاف في اسم هذا الرَّجل في آخر شرح حديث الباب الَّذي يليه [خ¦6574] .
قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه (فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بنون وجيم وذال معجمة، جمع ناجذ. قال ابنُ الأثير النَّواجذ من الأسنان الضَّواحك وهي الَّتي تبدو عند الضَّحك، وفي رواية (( ضحك ابن مسعودٍ رضي الله عنه فقالوا ممَّ تضحك؟ فقال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك ربِّ العالمين حين قال الرَّجل أتستهزئ بي، قال إنِّي لا أستهزئ منك ولكنِّي على ما أشاء قدير ) ). وكان ضحكة صلى الله عليه وسلم تعجُّبًا وسرورًا ممَّا رأى من كمال رحمة الله تعالى ولطفه بعبدهِ المذنب وكمالِ رضاه عنه.
قال البيضاويُّ نسبة الضَّحك إلى الله تعالى مجازيَّة بمعنى الرِّضا، وضحك النَّبي صلى الله عليه وسلم على حقيقتهِ، وضحك ابن مسعودٍ رضي الله عنه على سبيل التَّأسي.
ج 27 ص 467
(وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَدْنَى) أي أقل (أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً) قال الكرمانيُّ ليس هذا من تتمَّة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو من كلام الرَّاوي نقلًا عن الصَّحابة، أو عن غيرهم من أهل العلم.
وقال الحافظ العَسقلاني قائل (( وكان ) )هو الرَّاوي، كما أشار إليه الكرمانيُّ، وأمَّا قائل المقالة فهو النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثبت ذلك في أوَّل حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه عند مسلمٍ، ولفظه (( أدنى أهل الجنَّة منزلةً رجلٌ صرفَ الله وجهه عن النَّار ) )وساق القصَّة في روايةٍ له.
واعترضه العينيُّ بأنَّ كون هذه المقالة في حديث أبي سعيدٍ من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يستلزم كونها في آخر حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وأُجيب بأنَّه إن أراد الاستلزام العقليَّ فليس مرادًا هنا، بل يكفي الظَّن القوي النَّاشئ عن الاستدلال؛ لأنَّ هذا الأمر مرجعه العقل، والصَّحابي إذا لم يكن ينظر في كتب أهل الكتاب ولا ينقل عنهم كابن مسعودٍ انحصر أنَّه نقل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم سواءٌ كان ذلك بواسطةٍ أم لا، فبطل الاعتراض.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه الخروج من النَّار والدُّخول في الجنَّة، وقد أخرجه البخاريُّ في «التَّوحيد» [خ¦7511] ، وأخرجه مسلمٌ في «الزُّهد» ، والتِّرمذي في «صفة جهنَّم» ، وابن ماجه في «الزُّهد» .