فهرس الكتاب

الصفحة 9767 من 11127

6570 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) سقط في رواية أبي ذرٍّ «ابن سعيد» ، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الزُّرقي الأنصاري، أبو إسحاقٍ القاري (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، هو ابن أبي عمرو مولى المطَّلب بن عبد الله بن حنطب (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما، واسم أبي سعيدٍ كيسان (الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال الحافظ العَسقلاني لعلَّ أبا هريرة رضي الله عنه سأل عن ذلك عند قوله صلى الله عليه وسلم (( وأريد أن أختبئَ دعوتي شفاعةً لأمَّتي في الآخرة ) )، وقد تقدَّم سياقه وبيان ألفاظه

ج 27 ص 462

في أوَّل «كتاب الدَّعوات» [خ¦6304] ، ومن طرقه (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي ) ).

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم والله (لَقَدْ ظَنَنْتُ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي) «أن» هي المخففة من الثَّقيلة (عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ) برفع «أوَّل» صفة لـ «أحد» ، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو أوَّل، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتحها على الظَّرفية، وقال العينيُّ على الحال.

(لِمَا رَأَيْتُ) أي للذي رأيته، واللام للتَّعليل (مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ) «من» بيانيَّة أو لرؤيتي بعض حرصك، فـ «من» تبعيضيَّة (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي من قال ذلك من جهة نفسه طائعًا مختارًا. ووقع في رواية أحمد، وصحَّحه ابن حبَّان من طريقٍ أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه (( لقد ظنت أنَّك أوَّل من يسألني عن ذلك من أمَّتي، وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلَّا الله مخلصًا بصدقِ قلبه ولسانه ) ). و «أسعد» هنا هل هي على بابها من التَّفضيل، أو هي بمعنى فعيل؛ يعني سعيدُ النَّاسِ؛ لكون الكلِّ يشتركون في شرطيَّة الإسلام، كذا قيل، وعلى الأوَّل فالمعنى أسعدُ ممَّن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكَّد البالغ غايته لقوله «من قِبَل نفسه» ، إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد؛ لأنَّ إسناد الفعل إلى الجارحة أبلغ في التَّأكيد تقول إذا أردت التَّأكيد أبصرتُه بعيني وسمعتُه بأذني، أو أبصرَتْه عيني وسمعَتْه أُذني.

الحاصل إنَّ في قوله «أسعد» إشارة إلى اختلاف مراتبهم في الإخلاص، ولذا أكَّده بقوله «من قِبَل نفسه» ، وقال البيضاويُّ يحتمل أن يكون المراد من ليس له عملٌ يستحقُّ به الرَّحمة والإخلاص؛ لأنَّ احتياجه إلى الشَّفاعة أكثر وانتفاعه بها أوفر، والله تعالى أعلم.

والمراد بهذه الشَّفاعة المسؤول عنها هنا بعض أنواع الشَّفاعة وهي الَّتي يقول فيها صلى الله عليه وسلم (( أمَّتي أمَّتي، فيقال له أخرج من النَّار من في قلبه وزنُ كذا من إيمانٍ ) )فأسعد النَّاس بهذه الشَّفاعة من يكون إيمانه أكمل ممَّن دونه.

وأمَّا الشَّفاعة العظمى فالإراحة من كرب الموقف، فأسعدُ النَّاس بها من يسبق إلى الجنَّة

ج 27 ص 463

وهم الَّذين يدخلونها بغير حسابٍ، ثمَّ الَّذين يلونهم وهم من يدخلها بغير عذابٍ بعد أن يحاسبَ ويستحقَّ العذاب، ثمَّ من يصيبه لفحٌ من النَّار ولا يسقط.

وقال القاضي عياض الشَّفاعات خمسٌ

الأولى العظمى، وهي لإراحة النَّاس من الموقف، وهي مختصَّة بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم وقد تقدَّم ذكرها.

والثَّانية في إدخال قومٍ الجنَّة بغير حسابٍ وهي أيضًا وردت في نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، واستُدِلَّ لها بقوله تعالى في جواب قوله صلى الله عليه وسلم (( أمَّتي أمَّتي أَدْخِلِ الجنَّةَ من أمَّتك من لا حساب عليه ) )أو الدَّليل عليه سؤاله صلى الله عليه وسلم الزِّيادة على السَّبعين ألفًا الَّذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ فأُجيب.

والثَّالثة في إدخال قومٍ حوسبوا فاستحقُّوا العذاب أن لا يُعذَّبوا.

والرَّابعة فيمن دخل النَّار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النَّار بشفاعته صلى الله عليه وسلم وغيره.

والخامسة في زيادة الدَّرجات في الجنَّة لأهلها. وأشار النَّووي في «روضته» إلى أنَّ هذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وزاد القاضي عياض سادسة وهي التَّخفيف عن أبي طالبٍ كما سبق. وزاد غيره سابعةٍ وهي الشَّفاعة لأهل المدينة؛ لحديث التِّرمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه (( من استطاع أن يموتَ بالمدينة فليفعلْ فإنِّي أشفعُ لمن مات بها ) ).

قال الحافظ العَسقلاني وهذه غير واردةٍ؛ لأنَّ مثلها لا يخرج عن واحدةٍ من الخمس الأولى، ولو عدَّ مثل ذلك لعدَّ حديث عبد الملك بن عبَّاد سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( أوَّل من أشفع لهم أهل المدينة، ثمَّ أهل مكَّة، ثمَّ أهل الطَّائف ) ). أخرجه البزَّار والطَّبراني، وأخرج الطَّبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (( أوَّل من أشفعُ له أهل بيتي، ثمَّ الأقرب فالأقرب، ثمَّ سائر الأعاجم ) ). وذكر القزوينيُّ في «العروة الوثقى» شفاعته لجماعةٍ من الصُّلحاء في التَّجاوز عن تقصيرهم ولم يذكر مستندها، ويظهر أنَّها تندرجُ في الخامسة.

وزاد القرطبيُّ إنَّه أوَّل شافعٍ في دخول أمَّته الجنَّة

ج 27 ص 464

قبل النَّاس، وقال الحافظ العَسقلاني وظهر لي بالبقيع شفاعةٌ أخرى، وهي الشَّفاعة فيمن استوت حسناته وسيِّئاته أن يدخل الجنَّة، ومستندها ما أخرجه الطَّبراني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال (( السَّابق يدخلُ الجنَّة بغير حسابٍ، والمقتصد برحمة الله، والظَّالم لنفسه، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنَّة بشفاعة النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ).

وأصحاب الأعراف على الأرجح قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، وشفاعةٌ أخرى وهي شفاعته فيمن قال لا إله إلَّا الله ولم يعمل خيرًا قط، ومستندها رواية الحسن عن أنسٍ رضي الله عنه. قال فالوارد على الخمسة أربعةٌ وما عداها لا يَرِدْ، كما لا يَرِدُ الشَّفاعة في التَّخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدُّنيا. انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة لا تخفى، وقد مضى الحديث في «باب الحرص على الحديث» في «كتاب العلم» [خ¦99] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت