فهرس الكتاب

الصفحة 9794 من 11127

6599 - 6600 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ) وفي رواية أبي ذرٍّ . وقال الحافظُ العسقلاني هو ابنُ راهويه. وتعقَّبه العيني بأنَّه جوز الكلاباذي أن يكون هو ابنُ إبراهيم بن نصر السَّعدي، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وإسحاق بن إبراهيم الكوسج، فالجزم بأنَّه ابن راهويه من أين؟

وأُجيب بأنَّه من القرينة الظَّاهرة في قوله «أخبرنا» ، فإنَّه لا يقول «حدَّثنا» ، كما أنَّ إسحاق بن منصور يقول «حدَّثنا» ، ولا يقول «أخبرنا» ، وهذا يُعرف بالاستقراء، وقد بيَّنه في «المقدمة» .

قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ هَمَّام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الهاء والميم المشددة، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة ففيه القابليَّة للدِّين الحقِّ، فلو تَرِك وطبعه لَمَا اختار دينًا غيره، و «ما من مولود» مبتدأ و «إلَّا يولد» خبره؛ لأنَّ «من» الاستغراقية في سياق النَّفي تفيد العموم كقولك ما أحدٌ خيرٌ منك، والتَّقدير هنا ما من مولودٍ يوجد على أمرٍ من الأمور إلَّا على هذا الأمر وهو الفطرة؛ أي الإسلام، وقيل الفطرة الخِلْقة، والمراد هنا القابليَّة.

(فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ) أي يجعلانه يهوديًّا إذا كانا من اليهود (وَيُنَصِّرَانِهِ) أي يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا من النَّصارى، والفاء في (( فأبواه ) )للتَّعقيب أو للتَّسبيب؛ أي إذ تقرر ذلك فمن تغيَّر كان بسبب أبويه (كَمَا) حالٌ من الضَّمير في «يهودانه» مثلًا؛ أي يهوِّدان

ج 27 ص 551

المولود بعد أن خُلق على الفطرة، كما (تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ) سليمة، بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة، من الإنتاج، يقال أُنتجت الناقة إذا أَعنتها على النِّتاج. وفي «المغرب» نتج النَّاقة يُنتجها نتجًا إذا وَلِيَ نتاجها حتَّى وضعت فهو ناتجٌ، وهو للبهائمِ كالقابلة للنِّساء، ويحتمل أن تكون (( كما ) )صفة مصدر محذوفٌ؛ أي يغيِّرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السَّليمة، «فيهوِّدانه» و «ينصِّرانه» تنازعا في «كما» على التَّقديرين.

(هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ [1] ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والمد، مقطوعة الأطراف أو أحدها، وهو في موضع الحال؛ أي تنتجون البهيمة مقولًا في حقِّها هل تجدون فيها من جَدْعاء، وفيه نوعٌ من التَّأكيد؛ يعني أنَّ كلَّ من نظر إليها قال هذا القول لسلامتها (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا) بفتح الفوقية والدال المهملة بينهما جيم ساكنة؛ أي تقطعونَ أطرافها، أو شيئًا منها. وشبَّه بالمحسوسِ المشاهدِ ليُفيد أنَّ ظهوره بلغ في الكشفِ والبيان مبلغَ هذا المحسوس المشاهد.

ومحصله أنَّ العلم إمَّا عالم الغيب أو عالم الشَّهادة، فإن أُنزل الحديث على عالم الغيب أشكلَ معناه، وإذا صُرف إلى عالم الشَّهادة سهُل تعاطيه، فإذا نظر النَّاظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وأنَّه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفةِ وقبول الحقِّ، والتَّأنِّي عن الباطل، والتَّمييز بين الخطأ والصَّواب، حُكِم بأنَّه لو ترك على ما هو عليه ولم يقترن من الخارج ما يصدُّه استمرَّ على ما هو عليه من الفطرة السَّليمة.

وانظر قتل الخضرِ الغلامَ إذا كان باعتبار النَّظر إلى عالم الغيب، وإنكار موسى عليه السلام كان باعتبار عالم الشَّهادة والشَّرع، فلمَّا اعتذر الخضر بالعلم الخفيِّ الغائب أمسك موسى عليه السلام عن الإنكار؛ فلا عبرةَ بالإيمان الفطريِّ في أحكام الدُّنيا، وإنَّما يعتبر الإيمان الشَّرعي المكتسب بالإرادة والفعل، كذا في «شرح المشكاة» للطِّيبي.

ج 27 ص 552

- (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ) أي أخبرنا من إطلاق السَّبب على المسبَّب؛ لأنَّ مشاهدة الأشياء طريقٌ إلى الإخبار عنها، والهمزة فيه مقرِّرة؛ أي قد رأيتَ ذلك فأخبرنا (مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ) لم يبلغِ الحلم أيدخل الجنَّة؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) قال النَّووي أجمع من يعتدُّ به من علماء المسلمين أنَّ من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنَّة؛ لأنَّه ليس مكلَّفًا، وتوقَّف فيه بعض من لا يعتدُّ به؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في مسلم أنَّه صلى الله عليه وسلم دُعِي لجنازة صبيٍّ من الأنصار فقلتُ طوبى لهذا عصفورٌ من عصافير الجنة لم يعمل السُّوء ولم يدركه، فقال (( أوغيرَ ذلك يا عائشة، إنَّ الله خلق للجنَّة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ) ).

وأجابوا عن هذا بأنَّه لعلَّه صلى الله عليه وسلم نهانا عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندنا دليلٌ قاطعٌ، أو أنَّه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلمَ أنَّ أطفالَ المسلمين في الجنَّة، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

وقد أخرجه البخاريُّ من وجهٍ آخر في «الجنائز» ، في «باب ما قيل في أولاد المسلمين» [خ¦1384] [2] ، وبعده في «باب ما قيل في أولاد المشركين» [خ¦1385] .

[1] في هامش الأصل من الجدع وهو قطع الأنف وقطع الأذن أيضًا وقطع اليد والشفة.

[2] كلا الحديثين في باب ما قيل في أولاد المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت