فهرس الكتاب

الصفحة 9800 من 11127

6605 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جَبَلة العتكيُّ المروزي (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، محمَّد بن ميمون السُّكري (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون العين في الأول، وضمها في الثاني، السُّلمي الكوفي، وهو صهرُ أبي عبد الرَّحمن

ج 27 ص 558

شيخه في هذا الحديث (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب (السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللام، من كبار التَّابعين (عَنْ عَلِيٍّ) رضي الله عنه، وفي رواية مسلم البطين، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي أخذ بيدي عليٍّ رضي الله عنه فانطلقنا نمشي حتَّى جلسنا على شاطئ الفرات، فقال عليٌّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث مختصرًا.

(قَالَ) أي إنَّه قال (كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي جالسين، ويُروى عن الأعمش (( قعودًا ) )أي قاعدين، وفي رواية عبد الواحد عن الأعمش كنَّا عند النَّبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغَرْقَد _ بفتح المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة _، وهي مقبرةُ أهل المدينة في جنازة.

وظاهره أنَّهم كانوا جميعًا شهدوا الجنازة، وفي «الجنائز» في «موعظة المحدِّث عند القبر» [خ¦1362] من طريق منصور عن سعد بن عُبيدة كنَّا في جنازة في بقيعِ الغرقد، فأتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله.

(وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ) بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها مثناة فوقية؛ أي يضربُ به (فِي الأَرْضِ) كما هي عادةُ من يتفكَّر في شيءٍ يُهمُّه، وفي رواية شعبة (( وبيدِهِ عودٌ فجعلَ ينكتُ به في الأرض ) ) [خ¦4949] ، وفي رواية منصور (( ومعه مِخْصَرَة ) ) [خ¦1362] بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الصاد المهملة، هي عصا أو قضيب يمسكه الرَّئيس ليتوكَّأ عليه، ويدفعُ به عنه، ويشيرُ به لِمَا يريد، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تُحمَلُ تحت الخصر غالبًا؛ للاتِّكاء عليها. وفي اللُّغة اختصر الرَّجل إذا أمسكَ المخصرة.

(وَقَالَ) بالواو، وسقطت في رواية أبي ذرٍّ، وكذا في «الجنائز» (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) وزاد في رواية منصور (( ما من نفسٍ منفوسة ) ) [خ¦1362] أي مصنوعة مخلوقة (إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ) أي موضع قعوده (مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ) فـ «أو» للتَّنويع، أو بمعنى الواو، ويؤيِّده رواية منصور «إلَّا كتب مكانها من الجنَّة والنَّار» وزاد فيها (( وإلَّا قد كتبت شقيَّةٌ أو سعيدة ) ) [خ¦4948] وإعادة (( إلا ) )يحتمل أن يكون «ما من نفسٍ» بدل «ما منكم» ، و «إلَّا» الثانية بدل الأولى، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر، فيكون فيه تعميمٌ بعد تخصيصٍ، أو الثاني في كلٍّ منهما أعمُّ من الأول. وفي رواية سفيان إلَّا وقد كُتِب مقعده من الجنَّة ومقعدُه من النَّار. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاريِّ الدَّلالة على أنَّ لكلِّ أحدٍ مقعدين.

(فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) وفي حديث جابر عند

ج 27 ص 559

مسلم إنَّه سراقة بن مالك بن جعشم (أَلاَ) بالتخفيف (نَتَّكِلُ) أي نعتمد، زاد منصور (( على كتابنا وندعُ العمل ) ). وفي رواية سفيان (( أفلا نتَّكل ) )والفاء معقبِّة لشيءٍ محذوف تقديره فإذا كان أفلا نتكل؟ وفي رواية منصور «فمن كان منَّا من أهل السَّعادة، فسيصير إلى عمل السَّعادة، ومن كان من أهل الشَّقاوة مثله» . وفي رواية سفيان وشعبة فقال يا رسول الله أنعملُ اليوم فيما جفَّت به الأقلامُ وجرتْ به المقادير، فقال أو فيما يستقبلُ قال بل فيما جفَّت به الأقلامُ وجرت به المقادير فقال ففيم العمل، قال (( اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له ) )أخرجه الطَّبراني وابن مَرْدويه نحوه وزاد (( وقرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} إلى قوله {لِلْعُسْرَى} [الليل 5 - 10] ) ).

وأخرجه ابن ماجه من حديث سُرَاقة نفسه، ولكن دون تلاوة الآية، وأخرج الترمذيُّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال عمر رضي الله عنه، يا رسولَ الله أرأيتَ ما نعملُ فيه أمرٌ مبتدعٌ أو أمرٌ قد فُرِغ منه، فذكر نحوه.

وأخرجه أحمدُ والبزَّار والطَّبراني من حديث أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، قلتُ يا رسولَ الله نعملُ على ما فرغ منه؟ الحديث. والجمعُ بينها تعدُّد السَّائلين عن ذلك؛ فقد وقعَ في حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما أنَّ السَّائل عن ذلك جماعة، ولفظه فقال أصحابه ففيمَ العملُ إن كان قد فُرِغ منه؟ فقال (( سددوا وقاربوا فإنَّ صاحب الجنَّة يُختم له بعمل أهل الجنَّة، وإن عمل أيَّ عملٍ ) )الحديث أخرجه الفريابي.

(يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا تتركوا العمل بل (اعْمَلُوا) امتثالًا لأمر المولى وعبودية له في قوله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات 56] (فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) بفتح السين المشددة. وزاد في رواية شعيب عن الأعمش السَّابقة في سورة اللَّيل (( لما خُلِق له ) ) [خ¦4949] . وزاد في رواية منصور (( أمَّا من كان من أهلِ السَّعادة فييسَّرون لعملِ السَّعادة ) )الحديث [خ¦1362] .

وحاصل السُّؤال ألَّا نتركَ مشقَّة العملِ، فإنَّا سنصيرُ إلى ما قدِّر علينا، وحاصلُ الجواب لا مشقَّة لأنَّ كلًّا ميسَّرٌ لما خُلق له

ج 27 ص 560

وهو يسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه.

قال الطِّيبي الجواب من الأسلوبِ الحكيم منعهم عن ترك العملِ، وأمرهُم بالتزام ما يجبُ على العبد من العبوديَّة، وزجرهم عن التَّصرُّف في الأمورِ الغيبية، فلا يجعلوا العبادة وتركها سببًا لدخول الجنَّة والنَّار، بل هي علاماتٌ فقط.

(ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم ( {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآيَةَ) وساق في رواية سفيان ووكيع الآيات إلى قوله {العسرى} ، وفي آخر حديث عمر رضي الله عنه عند الفريابيِّ، فقال عمر ففيمَ العمل إذًا؟ قال «كلٌّ لا ينال إلَّا بالعمل» ، قال عمرُ إذنْ نجتهد.

قال الخطَّابي إنَّ قول الصَّحابي هذا مطالبةٌ بأمرٍ يوجبُ تعطيلَ العبوديَّة، فلم يُرخِّص صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ إخبار الرَّسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبقِ الكتاب إخبارٌ عن غيب علمِ الله تعالى فيهم، وهو حجَّةٌ عليهم، فرامَ من تمسَّك بالقدر أن يتَّخذه حجَّة لنفسه في ترك العمل، فأعلمَه صلى الله عليه وسلم أنَّ هاهنا أمرين محكمَين لا يَبطل أحدهما بالآخر، باطنٌ وهو الحكمة الموجبة في حكم الرُّبوبية. وظاهر وهو السِّمة اللَّازمة في حقِّ العبوديَّة، وإنَّما هي أمارةٌ مُخيَّلة في مطالعة علمِ العواقب غيرُ مفيدةٍ حقيقة العلم، ويُشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم والله أعلم بيَّن لهم أنَّما عوملوا بهذه المعاملة وتٌعبِّدوا بهذا التَّعبُّد ليتعلَّق خوفهم ورجاؤهم بالباطن، وذلك من صفة الإيمان، وبيَّن صلى الله عليه وسلم أنَّ كلًّا ميسَّرٌ لما خُلق له، وأنَّ عمله في العاجل دليلٌ على مصيره في الآجل، ولذلك مثَّل بالآيات.

ومن وراء ذلك حكم الله تعالى وهو الحكيمُ الخبير لا يُسألُ عمَّا يفعلُ، ونظير ذلك الرِّزق المقسوم مع الأمر بالكسبِ والأجل المضروب مع الإذن في المعالجة الطِّبيَّة.

والحاصل أنَّ العمل علامةٌ وأمارةٌ فيُحكم بظاهرِ الأمر، وأمرُ الباطنِ إلى الله تعالى. وقال الخطَّابي في موضعٍ آخر هذا الحديث إذا تأمَّلته وجدت فيه الشِّفاء فيما يتخالجُ في الضَّمير من أمرِ القدر، وذلك أنَّ القائل أفلا نتَّكل وندعُ العمل؟ لم يدَّعِ شيئًا يدخلُ في أبواب المطالبات

ج 27 ص 561

والأسئلة إلَّا وقد طالبَ به وسألَ عنه، فأعلمَه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ القياسَ في هذا متروكٌ.

والمطالبة ساقطةٌ وأنَّه لا يُشبِه الأمور التي عُقِلتْ معانيها، وجرتْ معاملة البشر فيما بينهم عليها، بل طوى الله عزَّ وجلَّ علم غيبه عن خلقهِ، وحجبهم عن دركه، كما أخفى عنهم أمر السَّاعة، فلا يعلم أحد متَّى حين قيامها. انتهى.

فالواجب علينا متابعةُ الشَّريعة لا تحقيق الحقيقة، والظَّاهر لا يُتركُ للباطن.

وفي الحديث ردٌّ على الجبريَّة؛ لأنَّ التَّيسير ضدُّ الجبر؛ لأنَّ الجبرَ لا يكون إلَّا عن كرهٍ، ولا يأتي الإنسانُ الشَّيءَ بطريق التَّيسير إلَّا وهو غيرُ كارهٍ، وهو أيضًا أصلٌ لأهل السُّنَّة في أنَّ السَّعادة والشَّقاوة بتقديرِ الله تعالى القديم.

وفي الحديث أيضًا جوازُ القعود عند القبور والتَّحدُّث عندها بالعلمِ والموعظة.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( ألا نتَّكل ) )؛ لأنَّ معناه نعتمدُ على ما قدَّره الله تعالى. وقد مضى الحديث في «الجنائز» ، في «باب موعظة الرجل عند القبر» [خ¦1362] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت