611 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوْسُفَ) التِّنّيسيُ (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (مَالِكٌ) هو ابن أنس الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزيادة (اللَّيْثِيِّ) ، وفي رواية ابن وهب عن مالك، ويونس عن الزهري أنَّ عطاء بن يزيد أخبره. أخرجه أبو عَوَانة، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه.
ثم إنَّه اختُلِف على الزُّهري في إسناد هذا الحديث، وعلى مالك أيضًا، لكنَّه اختلافٌ لا يقدح في صحَّته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه النسائي وابن ماجه.
وقال أحمدُ بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي حديث مالك ومن تابعه أصحُّ.
ورواه يحيى القطَّان، عن مالك، عن الزُّهري، عن السائب بن يزيد. أخرجه مسدد في «مسنده» عنه. وقال الدَّارقطني إنه خطأ، والصَّواب الرواية الأولى.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ) أي الأذان. قال الحافظ العسقلاني ظاهره اختصاص الإجابة بمن سمع، حتى لو رأى المؤذِّنَ على المنارة مثلًا في الوقت، وعلم
ج 4 ص 30
أنَّه يؤذِّن، لكن لم يسمع أذانه لبُعدٍ أو صمم، لا يُشرع له المتابعة، قاله النووي في «شرح المهذب» .
(فَقُولُوا) قولًا (مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ) وإنما قال «مثلَ ما يقول المؤذِّن» ، ولم يقل مثل ما قال المؤذِّن بلفظ الماضي؛ ليكون قولُ السَّامع بعد كل كلمة مثل كلمتها.
والصريح في ذلك ما رواه النَّسائي من حديث أمِّ حبيبة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسمع المؤذِّنَ، وقال كما يقول حين يسكت. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» . وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين.
وتُعقِّب بأنَّ قوله على شرط الشَّيخين غير جيِّد؛ لأنَّ في سنده من ليس عندهما، ولا عند أحدهما، وهو عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان.
ورواه أبو عمر بن عبد البر من حديث أبي عَوَانة عن أبي بشر عنها. وكذا أبو الشَّيخ الأصبهاني. احتُجَّ بقوله «فقولوا» أنَّ إجابة المؤذِّن واجبة على السَّامعين؛ لدَلالة الأمر على الوجوب، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك.
والظَّاهرية قالوا ألا ترى أنه يجب عليهم قطعُ القراءة وترك الكلام والسَّلام وردِّه، وكلِّ عمل غير الإجابة، فهذا كلُّه أمارة الوجوب.
وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطَّحاوي أيضًا.
وقال النَّووي تستحب إجابة المؤذِّن بالقول مثلَ قولِهِ لكلِّ مَن سمعه مِن متطهِّر ومُحْدِث وجُنُب وحائضٍ وغيرهم ممَّن لا مانع له من الإجابة، فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاءِ، أو جماع أهله، أو نحوهما.
ومنها أن يكون في صلاةٍ فمَن كان في صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة، فإذا سلَّم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة هل يكره؟ فيه قولان للشَّافعي أظهرهما يكره، لكن لا تبطل صلاته، فلو قال حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم، بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي.
ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن، ويتابعه في الإقامة كالأذان، إلَّا أنه يقول في لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها. وإذا ثوَّب المؤذِّن في صلاة الصبح فقال الصلاة خير من النوم، قال سامعه صدقت وبررت. انتهى.
وقال أصحابنا يجب على السَّامع أن يقول مثل ما قال المؤذِّن إلَّا قوله «حي على الصلاة، حيَّ على الفلاح» ، فإنَّه يقول مكان قوله «حي على الصلاة» لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم، ومكان قوله «حي على الفلاح» ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك
ج 4 ص 31
يشبه المحاكاة والاستهزاء، ولذلك إذا قال المؤذِّن «الصلاة خير من النوم» لا يقول السَّامع مثله، لكن يقول صدقتَ وبررتَ.
وينبغي أن لا يتكلَّم السَّامع في خلال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن ولا يسلَّم، ولا يردَّ السلام ولا يشتغلَ بشيءٍ من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن يقطع ويسمع الأذان ويجيب.
وفي «فوائد الرستغفني» لو سمع وهو في المسجد يَمضي في قراءته. وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا، ولو كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آثمًا، ولا تجب الإجابة على من لم تجب عليه الصلاة، ولا يجيب أيضًا وهو في الصلاة سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
وقال القاضي عياض اختلف أصحابنا هل يحكي المصلِّي لفظ المؤذِّن في حالة الفريضة، أو النَّافلة، أو لا يحكيه فيهما، أو يحكي في النَّافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال. انتهى.
ثمَّ اختلف أصحابنا هل يقوله عند سماع كلِّ مؤذِّن أو لأوَّل مؤذِّن فقط؟ وسُئل ظهير الدين عن هذه المسألة فقال يجب عليه إجابة مؤذِّن مسجده بالفعل. وقال النَّووي وهل يجيب في التَّرجيع أو لا؟ وفيما إذا أذَّن مؤذِّن آخر بعد إجابته للأول أو لا؟ لم أرَ فيه شيئًا لأصحابنا.
واستدلَّ الذَّاهبون إلى الاستحباب بما روى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُغِير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، قال فسمع رجلًا يقول الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( على الفطرة ) )ثمَّ قال أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خرجتَ من النَّار ) )فنظروا فإذا هو راعٍ يرعى.
وبما أخرج الطَّحاوي من حديث عبد الله قال كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسمع مناديًا وهو يقول الله أكبر الله أكبر، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( على الفطرة ) )فقال أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خرج من النار ) )قال فابتدرناهُ، فإذا هو صاحب ماشيةٍ أدركته الصَّلاة فأذَّن لها.
قال الطَّحاوي فهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد سمع المنادي يُنادي فقال غيرَ ما قال، فدلَّ ذلك أنَّ قوله (( إذا سمعتُم المُنادي فقولوا مثل الذي يقول ) )ليس على الإيجاب، بل على الاستحباب، والنُّدبةِ إلى الخير، وإجابةِ الفضل كما قد علَّم الناس من الدُّعاء الذي أمرهم أن يقولوا في دبر الصلوات، وما أشبه ذلك.
والجواب عنه
ج 4 ص 32
أنَّ الأمر المطلق المجرَّد عن القرائن يدلُّ على الوجوب، ولا سيَّما قد تأيَّد ذلك بما روي من الأخبار والآثار في الحثِّ على الإجابة.
وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن المسيِّب بن رافع، عن عبد الله قال من الجفاء أن تسمع المؤذِّن ثُمَّ لا تقول مثل ما يقول، ولا يكون من الجفاء إلَّا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء، ولا تاركه جافٍ.
والجواب عن الحديثين أنَّهما لا ينافي إجابة الرَّسول صلى الله عليه وسلم لذلك المنادي بمثل ما قال، ويكون الرَّاوي تركَ ذكره، أو يكون الأمر بالإجابةِ بعد هذه القصَّة.