فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 11127

612 -613 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بضم الميم وفتح الفاء (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستَوائي (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ) المدني، وقد تقدَّم ذكرهم في باب «النَّهي عن الاستنجاءِ باليمين» [خ¦153] سوى محمد بن إبراهيم، فإنه مرَّ في باب «الصلوات الخمس كفارة» [خ¦528] .

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التَّيمي القرشي من أفاضل أهل المدينة، مات في زمن عمر بن عبد العزيز (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان رضي الله عنه (يَوْمًا فَقَالَ) وزِيْدَ في نسخة (مِثْلَهُ) أي مثلَ ما يقول المؤذِّن، ويروى (إِلَى قَوْلِهِ) أي مع قوله (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) فإن قيل إنَّ السَّماع لا يقع على الذَّات إلا إذا وُصِفَ بالقول ونحوه كقوله تعالى {سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي} [آل عمران 193] وهنا وقع على الذات من غير وصف.

فالجواب أنَّ الوصف مقدَّر؛ أي سمعَ معاويةُ قالَ يومًا، وقوله (( فقال ) )مفسِّر للمقدَّر بالفاء التَّفسيرية.

ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله أورد المتن هنا هكذا مختصرًا؛ لِمَا قال أبو عمر حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ؛ لأنه رُوِي بألفاظ مختلفة.

وقد رواه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن هشام ولفظه كنَّا عند معاوية، فنادى المنادِي بالصَّلاة فقال مثل ما قال، ثمَّ قال هكذا سمعتُ نبيَّكم.

ثم قال البخاري

(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وفي روايةٍ ، قال الغسَّاني كلَّما روى البخاري عن إسحاق غير منسوب فهو ابن راهويه، وكذلك صرَّح به أبو نُعيم في «مستخرجه» .

(قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، وقد مرَّ غير مرَّة [خ¦613] [خ¦467] (قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَوائي (عَنْ يَحْيَى) هو ابن أبي كثير (نَحْوَهُ) أي نحو الحديث المذكور بالإسناد المتقدِّم، فأحال بقوله «نحوه» على الذي قبله، وقد عرفتَ أنَّه لم يَسق اللفظ كلَّه.

قال الحافظ العسقلاني

ج 4 ص 33

وقد وقع لنا هذا الحديث من طرقٍ عن هشام المذكور تامًا، منها للإسماعيلي من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن يحيى حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا عيسى بن طلحة قال دخلنا على معاوية فنادى منادٍ بالصَّلاة فقال الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية الله أكبر الله أكبر فقال أشهد أن لا إله الله، فقال معاوية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله. قال يحيى فحدَّثني صاحب لنا أنَّه لما قال حيَّ على الصلاة، قال لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، ثم قال هكذا سمعنا نبيكم. انتهى.

فاشتمل هذا السياق على فوائد

أحدها تصريح يحيى بن أبي كثير بالسَّماع له من محمد بن إبراهيم، فأُمِنَ ما يخشى من تدليسه.

ثانيها بيان ما اختُصِر من روايتي البخاري.

ثالثها أنَّ قوله في الرواية الأولى أنه سمع معاوية يومًا فقال مثله، فيه حذف تقديره أنه سمع معاويةَ سمعَ المؤذِّن يومًا فقال مثله.

رابعها أن الزِّيادة في رواية وهب بن جرير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام له.

خامسها أن قوله

(قَالَ يَحْيَى) ليس تعليقًا من البخاري كما زعمه بعضهم، بل هو داخلٌ في إسناد إسحاق. ولهذا قال الشيخ الحافظ قطب الدين في «شرحه» إنَّ يحيى رواه بالإسنادين، والبخاري أحال الإسناد الأول بقوله «نحوه» على الَّذي قبله، والذي قبله ليس بتمام كما عرفت، ويحيى هذا هو ابن أبي كثير.

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بَعْضُ إِخْوَانِنَا) هذا من باب الرواية عن المجهول. قال الحافظ العسقلاني لم أقف في شيءٍ من الطُّرق على تعيينه. وحكى الكرماني عن غيره أنَّ المراد به الأوزاعي، وفيه نظر؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ قائل ذلك ليحيى حدَّثه به عن معاوية، وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية، وقد غلب على ظنِّي أنَّه علقمة بن وقاص إن كان يحيى بن أبي كثير أدركه، وإلَّا فأحد ابنيه عبد الله بن علقمة، أو عَمرو بن علقمة، وإنما قلت ذلك؛ لأني جمعت طرقه عن معاوية، فلم أجد هذه الزِّيادة في ذكر الحوقلة إلَّا من طريقين

أحدهما عن نهشل التَّميمي عن معاوية. وهو في الطَّبراني بإسناد واهٍ. والآخر عن علقمة بن وقاص عنه. وقد أخرجه النسائي واللَّفظ له، وابن خزيمة وغيرهما من طريق ابن جريج أخبرني عَمرو بن يحيى أنَّ عيسى بن عمر أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه قال إنِّي لعند معاوية إذ أذَّن مؤذِّن، فقال معاوية كما قال، حتَّى إذا قال حيَّ على الصلاة، قال لا حول ولا قوة إلَّا بالله، فلما قال حيَّ على الفلاح، قال لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وقال بعد ذلك كما قال المؤذِّن، ثمَّ قال سمعت رسول الله

ج 4 ص 34

صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

ورواه ابنُ خزيمة أيضًا من طريق يحيى القطَّان عن محمد بن عَمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جدِّه قال كنت عند معاوية، فذكر مثله، وأوضح سياقًا منه.

(أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَالَ) أي المؤذِّن (حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ) أي هلمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى والنُّور عاجلًا، والفوز بالنَّعيم آجلًا (قَالَ) أي معاوية رضي الله عنه (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) ، ولم يذكر حكم «حي على الفلاح» اكتفاءً بذكر إحدى الحيعلتين عن الأخرى؛ لظهوره، والحول الحركة؛ أي لا حركة ولا استطاعة إلَّا بمشيئة الله تعالى، قاله ثعلب وغيره.

وقال بعضهم «لا حول» في دفع شرٍّ، و «لا قوَّة» في تحصيل خيرٍ «إلَّا بالله» . وقيل «لا حول» عن معصيةِ الله إلَّا بعصمتهِ، و «لا قوَّة» على طاعته إلَّا بمعونته، وحُكِي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه.

وحكى الجوهري لغةً عربيةً غريبة ضعيفة أنه يقال لا حيل ولا قوة إلا بالله، بالياء التحتانية قال والحَوْل والحَيْل والحِوَل والحِيلَة والحَويل والمَحَالة والاحتِيَال والتَّحوُّل والتَّحيُّل كلُّ ذلك جودة النظر، والقدرة على التصرُّف.

وقال الأزهري يقال في التَّعبير عن قولهم لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، الحوقلة. وقال الجوهري الحولقة فعلى الأوَّل وهو المشهور الحاء والواو من الحول، والقاف من القوَّة، واللام من اسم الله، وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوَّة، ومثلها الحيعلة والبسملة والحمدلة والهيللة والسَّبحلة، في حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله.

وقال المطرِّزي في كتاب «اليواقيت» وفي غيره إنَّ الأفعال التي أُخِذت من أسمائها سبعة، وهي بَسْمَل الرَّجل إذا قال بسم الله، وسَبْحَل إذا قال سبحان الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوَّة إلا بالله، وحيعل إذا قال حي على الفلاح، ويجيء حَيْصَل إذا قال حي على الصلاة، ولم يَذْكُر وحَمْدل إذا قال الحمد لله، وهَيْلَل إذا قال لا إله إلا الله، وجَعْفَل إذا قال جُعِلت فداك. زاد الثَّعالبي الطبقلة إذا قال أطالَ الله بقاءك، والدَّمْعَزة إذا قال أدام الله عزَّك.

وقال القاضي عياض قوله الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على «حي على الصلاة، وعلى حيَّ على الفلاح» ، ولو كان على قياسه في الحيصلة؛ لكان يقال في «حيَّ على الفلاح» الحيفلة بالفاء، وهذا لم يقل أحد [به] ، وإنما الحيعلةُ من قولهم حيَّ على كذا، فكيف وهو باب سماعي لا يقاس عليه؟ وانظر إلى قوله جَعْفل

ج 4 ص 35

في «جعلت فداك» لو كان على قياس الحيعلة؛ لكان جعلف، إذ اللام مقدَّمة على الفاء. وكذلك الطَّبقلة تكون اللام على القياس قبل القاف.

ثم إنَّ المؤلِّف رحمه الله إنما ذكر حديث معاوية بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه تنبيهًا على أنه ليس على ظاهره، فإنَّ ظاهره أن يقول سامع الأذان مثل ما يقوله المؤذِّن في كلِّ كلمة سمعها، كما ذهب إليه النَّخعي والشَّافعي وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وهو مذهب أهل الظاهر.

لكن حديث معاوية رضي الله عنه على أنه يستثنى من ذلك «حيَّ على الصَّلاة وحيَّ على الفلاح» ، فيقول بدلهما لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وهو مذهب أبي حنيفة والثَّوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية.

وكذلك ما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا قال المؤذِّن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ثم قال حي على الصلاة فقال لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، ثم قال حيَّ على الفلاح، فقال لا حول ولا قوَّة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر، فقال الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال لا إله إلا الله، فقال لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنَّة ) )، ورواه أبو داود والنسائي والطَّحاوي أيضًا.

وإنما لم يخرِّجه البخاري؛ لاختلافٍ وقع في وصله وإرساله، كما أشار إليه الدَّارقطني.

وفي الباب أيضًا عن الحارث بن نوفل الهاشمي وأبي رافع وهما في الطبراني وغيره، وعن أنس في البزار وغيره.

هذا وقال ابن المنذر يحتمل أن يكون ذلك الاختلاف الواقع في حديث أبي سعيد، وحديث معاوية رضي الله عنهما من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا.

وحكى بعض المتأخِّرين عن بعضِ أهل الأصول أنَّ الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجبَ إعمالهما، قال فلم لا يقال يستحبُّ للسَّامع أن يجمعَ بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة؟

وأُجيب عنه بأنَّ الأذكار الزَّائدة على الحيعلة يشترك السَّامع والمؤذِّن في ثوابها.

وأمَّا الحيعلة فالمقصود منها الدُّعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذِّن فعوَّض السَّامع عمَّا يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة. ولقائل أن يقول يحصلُ للمُجيب الثَّواب أيضًا لامتثالهِ الأمر.

ويمكن أن يزدادَ استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصَّلاة إذا تكرَّر على سمعه الدُّعاء إليها

ج 4 ص 36

من المؤذِّن ومن نفسه، ويَقْرُب من ذلك الخلافُ في قول المأموم سمع الله لمن حمده، كما سيأتي في موضعه [خ¦796] .

وقال الطِّيبي معنى «الحيعلتين» هلمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنَّعيم آجلًا، فناسب أن يقول هذا أمرٌ عظيم لا أستطيع مع ضعفِي القيامَ به، إلَّا إذا وفَّقني الله بحوله وقوَّته.

ومما لُوحِظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج قال حُدِّثت أنَّ الناس كانوا ينصتون للمؤذِّن إنصاتهم للقرآن، فلا يقول شيئًا إلَّا قالوا مثله، حتَّى إذا قال حيَّ على الصلاة قالوا لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وإذا قال حيَّ على الفلاح، قالوا ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإلى هذا صار بعض الحنفية. وروى ابن أبي شيبة مثله عن عثمان. ورُوِي عن سعيد بن جُبَير كان يقول في جواب الحيعلة سمعنا وأطعنا.

ووراء ذلك وجوهٌ من الاختلاف، قيل لا يجيبه إلَّا في التشهُّدين فقط، وقيل فيهما وفي التَّكبير. وقيل يُضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل مهما أتى بها مما يدلُّ على التَّوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطَّحاوي.

هذا ثُمَّ في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه دليل على أنَّ لفظ «المثل» لا يقتضِي المساواة من كلِّ وجهٍ؛ لأنَّ قوله «مثل ما يقول» لا يقصد به رفع الصَّوت المطلوب من المؤذِّن.

كذا قيل، وفيه بحث؛ لأنَّ المماثلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذِّن والمُجِيب في ذلك أنَّ المؤذِّن مقصوده الإعلام، فاحتاج إلى رفع الصَّوت، والسَّامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسرِّ أو الجهر لا مع الرفع. نعم لا يكفيه أن يجريه من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت