فهرس الكتاب

الصفحة 9856 من 11127

6646 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام، ابن أنسٍ الأصبحي (عَنْ نَافِعٍ) أبي عبد الله الفقيه، مولى ابن عمر (عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (وَهْوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ) راكبي الإبل عشرة فصاعدًا،

ج 28 ص 36

وفي «مسند يعقوب بن شيبة» من طريق ابن عبَّاس عن عمر رضي الله عنه بينا أنا في ركبٍ أسير في غزاةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ينبئُ بأنَّ الخبرَ من مسند عمر رضي الله عنه، كما سيأتي حال كونه.

(يَحْلِفُ بِأَبِيهِ) الخطاب، وفي رواية سفيان بن عُيينة عن ابن شهاب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع عمر رضي الله عنه يحلف [بأبيه] وهو يقول وأبي وأبي، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما من الزِّيادة وكانت قريش تحلفُ بآبائها (فَقَالَ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وقد روي الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه بلفظ بينا أنا في ركبٍ أسيرُ في غزاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لا وأبي، فهتفَ بي رجلٌ من خلفي (( لا تحلفوا بآبائكم ) )فالتفتُّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ووقع في «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق عكرمة عن عمر رضي الله عنه قال حدَّثت قومًا حديثًا، فقلت لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي (( لا تحلفوا بآبائكم ) )فالتفتُّ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( لو أنَّ أحدكُم حلف بالمسيح هلكَ، والمسيح خيرٌ من آبائكم ) ).

قال الحافظ العسقلاني وهذا مرسلٌ يتقوَّى بشواهد، وقد أخرج التِّرمذي من وجهٍ آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه سمع رجلًا يقول لا والكعبة، فقال لا تحلفْ بغير الله، فإنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من حلفَ بغير الله فقد كفرَ وأشرك ) ). قال التِّرمذي حسنٌ، وصحَّحه الحاكم.

والتَّعبير بقوله «هلك أو كفر أو أشرك» ، للمبالغة في الزجر والتَّغليظ في ذلك، وقد تمسَّك به من قال بتحريم ذلك وهو مذهبُ الحنابلة، وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( أفلح وأبيه إن صدقَ ) ). فقال ابنُ عبد البر إنَّ هذه اللَّفظة منكرةٌ غير محفوظةٍ تردُّها الآثار الصِّحاح. وقيل إنَّها مصحَّفة من قوله والله، وهو محتملٌ ولكن مثل هذا لا يثبت بالاحتمال، لا سيَّما وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في قصَّة السَّارق الذي سرق حليَّ ابنته، فقال وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ، أخرجه في «الموطأ» وفي غيره. وفي مسلم مرفوعًا أنَّ رجلًا سأله أيُّ الصَّدقة أفضل؟ فقال (( وأبيك لأنبئنَّك، أو لأحدثنَّك ) ). وإذا ثبت ذلك فيُجاب

ج 28 ص 37

بأجوبة

الأول أنَّ هذا اللَّفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنَّهي إنَّما ورد في حقِّ من قصدَ حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقي، وقال النووي إنَّه الجواب المرضي.

الثاني أنَّه كان يقعُ في كلامهم على وجهين، أحدهما للتَّعظيم، والآخر للتَّأكيد، والنَّهي إنَّما وقع عن الأوَّل، فمن أمثلة ما وقع في كلامهم للتَّأكيد لا للتَّعظيم، قول الشَّاعر

~لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِيْنَ إِنِّي أُحِبُّهَا

وقول الآخر

~فَإِنْ تَكُ لَيْلَى اسْتَوْدَعَتْنِي أَمَانَةً فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أُذِيْعُهَا

فلا يظنُّ أنَّ قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها، كما لم يقصد الأوَّل تعظيم والد من وشى به، فدلَّ على أنَّ القصد بذلك تأكيد الكلام لا التَّعظيم.

قال البيضاوي هذا من جملة ما يُزاد في الكلام لمجرَّد التَّقرير والتَّأكيد، ولا يراد به القسم كما يزاد بصيغة النِّداء لمجرَّد الاختصاص دون القصد إلى النِّداء، وقد تُعقِّب بأنَّ ظاهر سياق حديث عمر رضي الله عنه يدلُّ على أنَّه كان يحلف؛ لأنَّ في بعض طرقه أنَّه كان يقول لا وأبي لا وأبي، فقيل له لا تحلفوا فلولا أنَّه أتى بصيغة الحلف ما صادف النَّهي محلًّا.

الثَّالث أنَّ هذا كان جائزًا فنُسخ، قاله الماورديُّ وحكاه البيهقيُّ. وقال السُّهيلي أكثر الشُّرَّاح عليه حتَّى قال ابن العربي روي أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يحلفُ بأبيه حتَّى نُهي عن ذلك، ثمَّ أورد الحديث المرفوع الَّذي فيه (( أفلح وأبيه إن صدق ) ). قال السُّهيلي ولا يصحُّ؛ لأنَّه لا يظن بالنَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يحلف بغير الله إنَّ ذلك لبعيدٌ عن شيمه. وقال المنذري دعوى النَّسخ ضعيفةٌ لإمكان الجمع ولعدم تحقيق التاريخ.

الرَّابع أنَّ في الكلام حذفًا، والتَّقدير أفلح وربِّ أبيه إن صدق، قاله البيهقي.

الخامس أنَّه للتَّعجُّب، قاله السهيلي. قال ويدلُّ على أنَّه لم يرد بلفظ وأبي، وإنَّما ورد بلفظ وأبيه وأبيك بالإضافة إلى ضمير الغائب، والمخاطب.

السَّادس أنَّ ذلك خاصٌّ بالشارع دون غيره

ج 28 ص 38

من أمَّته، وتُعُقِّب بأنَّ الخصائصَ لا تثبت بالاحتمال.

(مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ) بضم الميم، و «من» شرطية في موضع رفع بالابتداء وكان واسمها وخبرها في محلِّ الخبر، والمعنى من كان مريدًا للحلف فليحلف بالله. قال العلماء السِّرُّ في النَّهي عن الحلف بغير الله أنَّ الحلفَ بالشَّيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنَّما هي لله جلَّت عظمته وحده فلا يُضاهى به غيره.

وظاهر الحديث تخصيصُ الحلف بالله خاصَّةً، لكن اتَّفق الفقهاء على أنَّ اليمين تنعقدُ بالله وذاته وصفاته العلية ممَّا اختصَّ الله به، ولو من غير أسمائه الحسنى كوالله ورب العالمين، والحيُّ الَّذي لا يموت، ومن نفسي بيده، إلَّا أن يريد به غير اليمين فيُقبل منه، كما في «الروضة» .

وممَّا هو فيه تعالى [عند الإطلاق] أغلب كالرَّحيم والخالق والرَّازق والرب ما لم يرد بها غيره تعالى؛ لأنَّها تستعمل في غيره تعالى مقيَّدةً كرحيم القلب وخالق الأفك ورازق الجيش وربِّ الإبل، أو ممَّا هو فيه تعالى وغيره سواء كالموجود والعالم والحي إن أراده تعالى بها بخلاف ما إذا أراد بها غيره تعالى، أو أطلق؛ لأنَّها لمَّا أطلقت عليهما سواءٌ أشبهت الكنايات، وتنعقدُ بصفته الذَّاتيَّة كعظمته وعزَّته وكبريائه وكلامه ومشيئته وعلمه وقدرته وحقه إلَّا أن يريد بالحقِّ العبادات أو بعلمه وقدرته المعلوم والمقدور.

وظاهر قوله (( فليحلف بالله ) )الإذن بالحلف، لكن قال الشَّافعيَّة يكره لقوله تعالى {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة 224] إلَّا في طاعة من فعلٍ واجبٍ أو مندوبٍ وترك حرامٍ ومكروهٍ فطاعة، وفي دعوى عند حاكم، وفي حاجة لتوكيد كلام كقوله (( فوالله لا يملُّ الله حتَّى تملوا ) )، أو تعظيم له كقوله (( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتُم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) )فلا تكره فيهما.

ثمَّ إنَّهم اختلفوا في انعقادها ببعض الصِّفات كما سبق، وكأنَّ المراد بقوله «بالله» الذَّات لا خصوص لفظ الله، وأمَّا اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتَّحريم قولان عند المالكيَّة. كذا قال

ج 28 ص 39

ابنُ دقيق العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضًا عند الحنابلة، لكنَّ المشهور عنهم التَّحريم، وبه جزم الظَّاهريَّة.

وقال ابن عبد البرِّ لا يجوزُ الحلف بغير الله بالإجماع، ومرادُه بنفي الجواز الكراهة أعمُّ من التَّحريم والتَّنزيه. فإنَّه قال في موضعٍ آخر أجمعَ العلماء على أنَّ اليمين بغير الله مكروهةٌ منهيٌّ عنها لا يجوز لأحدٍ الحلف بها.

والخلاف موجودٌ عند الشَّافعيَّة من أجل قول الشَّافعيِّ أخشى أن يكون الحلف بغير الله عزَّ وجلَّ معصيةٌ، فأشعر بالتَّردُّد، وجمهور أصحابه على أنَّه للتَّنزيه.

وقال إمام الحرمين المذهب القطعيُّ الكراهة، وجزم غيره بالتَّفصيل، فإن اعتقدَ في المحلوف به من التَّعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به، وكان بذلك الاعتقاد كافرًا، وعليه يتنزَّل الحديث المذكور، وأمَّا إذا حلف بغير الله لاعتقادِهِ تعظيم المحلوف به على ما يليقُ به من التَّعظيم فلا يكفرُ بذلك، ولا تنعقد يمينه.

وقال الماورديُّ لا يجوز لأحدٍ أن يُحَلِّف أحدًا بغير الله لا بطلاقٍ ولا عتاقٍ ولا نذرٍ، وإذا حَلَّف الحاكم أحدًا بشيء من ذلك وجب عزله لجهله.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت