فهرس الكتاب

الصفحة 9857 من 11127

6647 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَير _ بضم العين المهملة وفتح الفاء وبالراء _ مولى الأنصار المصري، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصري (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ قَالَ سَالِمٌ) هو ابنُ عبد الله بن عمر (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (سَمِعْتُ عُمَرَ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية مَعمر عن ابن شهاب بهذا السَّند عن عمر رضي الله عنه سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحلف بأبي، فقال (إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) جملة «ينهاكم» في محلِّ خبر «إن» ، و «أن» مصدرية في محلِّ نصب، أو جر بتقدير حرف الجرِّ؛ أي «ينهاكم» عن إن تحلفوا، الأوَّل للخليل والكسائي، والثَّاني لسيبويه، وحكم غير الآباء من سائر الخلق كحكم الآباء في النَّهي.

ج 28 ص 40

(قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا) أي بأبي (مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد مسلم في روايته «ينهى عنها» ، و «منذ» ظرف زمان مضاف إلى الجملة بتقدير زمان؛ أي ما حلفت بها منذ زمن سماعي ينهى عنها حال كوني (ذَاكِرًا) أي عامدًا (وَلاَ آثِرًا) بمدِّ الهمزة وكسر المثلثة، اسم فاعلٍ من الآثر؛ أي حاكيًا عن الغير؛ أي ما حلفت بها، ولا حكيتُ ذلك عن غيري ناقلًا عنه، ومنه حديث مأثورٍ عن فلان؛ أي يحدِّث به عنه، والأثر الرِّواية، ونقل كلام الغير.

ويدلُّ على ذلك ما وقعَ في رواية عقيل عن ابن شهاب عند مسلم ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، ولا تكلَّمت بها.

وقد استُشكل هذا التَّفسير لتصدير الكلام بحلفتُ، والحاكي عن غيره لا يُسمَّى حالفًا، وأُجيب باحتمال أن يكون العامل فيه محذوفًا؛ أي ولا ذكرتها آثرًا عن غيري، أو يكون ضمَّنَ حلفت معنى تكلَّمت، ويقوِّيه رواية عقيل.

وجوَّز الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» لقوله «آثرًا» معنى آخر؛ أي مختارًا، يُقال آثر الشَّيء اختاره، فكأنَّه قال ولا حلفتُ بها مؤثرًا لها على غيرها. وقال يحتمل أن يرجع قوله «آثرًا» إلى معنى التَّفاخر بالآباء والإكرام لهم، ومنه قولهم مأثرة ومآثر، ومنه ما يُروى من المفاخر، فكأنَّه قال ما حلفت بآبائي ذاكرًا لمآثرهم.

وجوَّز في قوله «ذاكرًا» أن يكون من الذُّكر _ بضم المعجمة _ كأنَّه احترزَ عن أن يكون نطقَ بها ناسيًا، وهو يناسبُ تفسير آثرًا بالاختيار، كأنَّه قال لا عامدًا ولا مختارًا. وجزم ابنُ التين في «شرحه» بأنَّه من الذِّكر، بالكسر لا بالضم. قال وإنَّما هو لم أقله من قبل نفسي، ولا حدَّثت به عن غيري أنَّه حلف به. وقال الدَّاودي يريد ما حلفت بها، ولا ذكرت حلف غيري بها، كقوله إن فلانًا قال وحقِّ أبي مثلًا.

واستُشكل أيضًا أنَّ كلام عمر المذكور يقتضِي أنَّه تورَّع عن النُّطق بذلك مطلقًا، فكيف نطق به في هذه القصَّة، وأجيب بأنَّه اغتُفرَ ذلك لضرورة التَّبليغ.

(قَالَ مُجَاهِدٌ {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} يَأْثُرُ) بضم المثلثة (عِلْمًا) وفي نسخة

ج 28 ص 41

بإسقاط الألف بعد المثلثة، وفي هامش الفرع كأصله وقُرئ بضم الهمزة وسكون المثلثة وفتحها.

وهذا الأثر وصله الفريابي في «تفسيره» عن ورقاء عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى {اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف 4] قال أحدٌ يأثر علمًا، فكأنَّه سقط لفظ من أصل البخاري. وذكر الصَّغاني وغيره أنَّه قُرئ بكسر أوله، و بفتحتين، وسكون ثانيه مع فتح أوله ومع كسره.

وقال الرَّاغب قوله سبحانه وتعالى {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} وقرئ بفتحتين، وهو ما يُروى؛ أي يُكتب فيبقى له أثرٌ، تقول أثرت العلم رويته آثُرُه أَثْرًا وأَثَارة وأُثْرة. والأصل في أثر الشَّيء حصول ما يدلُّ على وجودِهِ، ومحصِّل ما ذكر في ذلك ثلاثة أقوال

أحدها البقيَّة، وأصله أثرت الشَّيء آثره أثارةً، كأنَّها بقيَّةٌ تُستخرج فتثار.

الثَّاني من الأثر وهو الرِّواية.

الثَّالث من الأثر وهو العلامة.

(تَابَعَهُ) أي تابع يونس (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، محمد بن الوليد (وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ) هو ابنُ يحيى الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أمَّا متابعة عُقيل فوصلها مسلمٌ، فقال حدَّثنا عبد الملك بن شعيب، قال حدَّثني أبي، عن جدِّي حدَّثني عقيل بن خالد، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أنَّه أخبره عن عمر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ الله ينهاكُم أن تحلفوا بآبائكم ) ). قال عمر رضي الله عنه فوالله ما حلفتُ بها ذاكرًا ولا آثرًا.

وأمَّا متابعة الزُّبيدي فوصلها النَّسائي في «مختصره» من طريق محمَّد بن حرب عن محمَّد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزُّهري عن سالم عن أبيه الحديث، وأمَّا متابعة إسحاق الكلبي، فهي في نسخته المرويَّة من طريق أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان عن عبد القدوس بن موسى الحمصي عن سليمان بن عبد الحميد عن يحيى بن صالح الوحَاظي عن إسحاق، ولفظه عن الزُّهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنَّه أخبره أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 28 ص 42

يقول، فذكر مثل رواية يونس عند مسلم لكن قال بعد قوله ينهى عنها ولا تكلَّمت بها ذاكرًا، ولا أثرًا فجع بين لفظ يونس ولفظ عقيل. وقد صرَّح مسلمٌ بأنَّ عقيلًا لم يُقل في روايته ذاكرًا ولا آثرًا.

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (وَمَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه (سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ) أمَّا رواية ابن عُيينة عن الزُّهري. فوصلها الحميديُّ في «مسنده» ، وأمَّا رواية مَعمر فوصلها الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق، وأخرجها أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرَّزَّاق عنه، والتِّرمذي عن قتيبة، وقال حسنٌ صحيحٌ.

وفي الحديث الزَّجر عن الحلف بغير الله، وإنَّما خُصَّ في حديث عمر بالآباء؛ لورودِهِ على سببه المذكور، أو خُصَّ؛ لكونه غالبًا عليهم لقوله في الرِّواية الأخرى، وكانت قريش تحلفُ بآبائها، ويدلُّ على التَّعميم قوله (( من كان حالفًا فلا يحلفْ إلا بالله ) ).

وأمَّا ما ورد في القرآن من القسم بغير الله ففيه جوابان أحدهما أنَّ فيه حذفًا، والتَّقدير وربِّ الشَّمس ونحوه، والثَّاني أنَّ ذلك يختصُّ بالله تعالى، فإذا أراد تعظيم شيءٍ من مخلوقاته أقسم به، وليس لغيره ذلك، وسيجيء ما يتعلَّق به.

وقال أبو عمر لا ينبغي لأحدٍ أن يحلفَ بغير الله تعالى لا بهذه الأقسام؛ أي التي في القرآن ولا بغيرها لإجماع العلماء أنَّ من وجب له يمينٌ على آخر في حقٍّ قبله أنَّه لا يحلفُ له إلَّا بالله، ولو حلف له بالنَّجم والسَّماء، وقال نويت ربَّ ذلك لم يكن عندهم يمينًا، ولو حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه سواءٌ كان المحلوف به يستحقُّ التَّعظيم كالأنبياء والملائكة والعلماء والصُّلحاء والملوك والآباء والكعبة، أو كان لا يستحقُّ التَّعظيم كالآحاد، أو يستحقُّ التَّحقير والإذلال كالشَّياطين والأصنام وسائر من عبد من دون الله.

قال الطَّبري من حلف بالكعبة، أو آدم، أو جبريل ونحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار لإقدامه على ما نُهي عنه، ولا كفَّارة في ذلك، واستثنى بعض الحنابلة من ذلك

ج 28 ص 43

الحلف بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم فقال تنعقدُ به الأيمان، وتجب به الكفَّارة بالحنث.

واعتلَّ بكونه صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشَّهادة التي لا تتمُّ إلَّا به، وأطلقَ ابن العربي نسبته لمذهب أحمد، وفيه الردُّ على من قال إن فعلتُ كذا فهو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو كافرٌ أنَّه ينعقدُ يمينًا ومتى فعل تجب عليه الكفَّارة. وقد نُقل عن الحنفيَّة والحنابلة [1] ، ووجه الدَّلالة من الخبر أنَّه لم يحلف بالله، ولا بما يقوم مقامه، وفيه أنَّ من قال أقسمتُ لأفعلنَّ كذا، لا ينعقد يمينًا، وعند الحنفيَّة يكون يمينًا، وكذا قال مالك وأحمد، لكن بشرط أن ينوي بذلك الحلف بالله وهو متَّجهٌ. وقد قال الشَّافعيَّة من قال عليَّ أمانة الله لأفعلنَّ كذا، أو أراد اليمين انعقد يمينًا.

وقال ابنُ المنذر اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقال، طائفةٌ هو خاصٌّ بالأيمان التي كان أهل الجاهليَّة يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى كاللَّات والعزَّى، فهذه يأثمُ الحالف بها، ولا كفَّارة فيها، وأمَّا ما كان يؤول إلى تعظيم الله تعالى كقوله وحقِّ النَّبي والإسلام والحجَّة والعمرة والهدي والصَّدقة والعتق ونحوها فيما يرادُ به تعظيم الله تعالى والقربة إليه، فليس داخلًا في النَّهي، وممَّن قال بذلك أبو عُبيد [2] وطائفة.

واحتجُّوا بما جاء عن الصَّحابة رضي الله عنهم من إيجابهم على الحالف بالعتق والصَّدقة والهدي ما أوجبوه مع كونهم رووا النَّهي المذكور، فدلَّ على أنَّ ذلك عندهم ليس على عمومه إذ لو كان عامًّا لنهوا عن ذلك، ولم يوجبوا فيه شيئًا. انتهى.

وتعقَّبه ابن عبد البرِّ بأنَّ ذكر هذه الأشياء وإن كان كصورة الحلف فليست يمينًا في الحقيقة، وإنَّما خرج على الاتِّساع، ولا يمين في الحقيقة إلَّا بالله.

وروى ابن جريج عن ابن أبي مُليكة أنَّه سمع ابن الزُّبير

ج 28 ص 44

يقول سمعني عمر رضي الله عنه أحلف بالكعبة فنهاني، وقال لو تقدَّمت إليك لعاقبتك. وقال قتادة ويكرهُ الحلف بالمصحف وبالعتق والطَّلاق.

وفي «العتبية» أنَّ من حلف بالمصحف لا تنعقدُ، واستنكرها بعضُهم، ثمَّ أوَّلها على أنَّ المراد جسم المصحف. وقال أبو عمر الحلف بالطَّلاق والعتق ليس بيمينٍ، وإنَّما هو طلاقٌ بصفة وعتق بصفة. وقال ابنُ المنذر واختلفوا فيما على من حلف بالقرآن العظيم وحنثَ، فكان ابنُ مسعود رضي الله عنه يقول لكلِّ آيةٍ يمينٌ، وبه قال الحسن. وقال النُّعمان لا كفَّارة عليه. وقال أبو يوسف من حلف بالرَّحمن فحنث إن أراد بالرَّحمن الله فعليه كفَّارة يمينٍ، وإن أراد سورة الرَّحمن فلا كفَّارة. وقال الأوزاعي وربيعة إذا قال أشهد لا أفعل كذا، ثمَّ فعل فهي يمين، فإن قال حلفت ولم يحلف، فقال الحسن والنَّخعي لزمته يمينٌ، وقال حمَّاد بن أبي سليمان فهي كذبةٌ. وقال أبو ثور إذا قال عليَّ يمينٌ ولم يكن حلف فهذا باطلٌ. وقال أصحاب الرَّأي هي يمينٌ، واختلفوا في الرَّجل يدعو على نفسه بالخزي والهلاك، أو قطع اليدين إن فعل كذا فقال عطاء لا شيء عليه، وهو قول الثَّوري وأبي عبيد وأصحاب الرَّأي. وقال طاوس عليه كفَّارة يمينٍ، وبه قال اللَّيث. وقال الأوزاعي إذا قال عليه لعنة الله إن لم يفعل كذا فلم يفعله، فعليه كفَّارة يمينٍ.

وقال القاضي عياض لا خلاف بين فقهاء الأمصار أنَّ الحلفَ بأسمائه وصفاته لازمٌ إلَّا ما جاء عن الشَّافعيِّ من اشتراط نيَّة اليمين في الحلف بالصِّفات، وإلَّا فلا كفَّارة، وتُعُقِّب إطلاقه عن الشَّافعي، وإنَّما يحتاج إلى النِّيَّة عنده ما يصحُّ إطلاقه عليه سبحانه وتعالى وعلى غيره، وأمَّا ما لا يُطلقُ في معرض التَّعظيم شرعًا إلَّا عليه فتنعقد اليمين عليه، وتجب الكفَّارة إذا حنث كمقلِّب القلوب وخالق الخلق ورازق كلِّ شيءٍ وربِّ العالمين وفالق الحبِّ وبارئ النَّسمة، فهذا في حكم التَّصريح كقوله والله.

تتمة وما وقع في القرآن من القسم بشيءٍ من المخلوقات فقال الشَّعبي الخالقُ يحلفُ

ج 28 ص 45

بما شاء من خلقه كاللَّيل والنَّهار، والمخلوق لا يقسم إلَّا بالخالق قال ولأنَّ أُقسم بالله فأحنثَ أحبُّ إليَّ من أن أقسم بغيره فأبرُّ، وجاء مثله عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وكذا عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، ثمَّ أسند عن مطرّف بن عبد الله، قال إنَّما أقسم الله بهذه الأشياء ليُعجب بها المخلوقين، ويُعِّرفهم قدرته؛ لعظم شأنها عندهم ولدَلالتها على خالقها، قال

~وَيُقَبِّحُ مَنْ سِوَاكَ الشَّيْءُ عِنْدِي وَتَفْعَلُهُ وَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا

[1] في هامش الأصل وقال الشافعي ومالك وأبو عبيد وأبو ثور يستغفر الله عز وجل، وقال طاوس والحسن والشعبي والنخعي والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي عليه كفارة يمين، وبه قال أحمد وإسحاق إذا أراد اليمين. منه.

[2] في الفتح أبو عبيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت