فهرس الكتاب

الصفحة 9924 من 11127

6694 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (حَدَّثَنَا) ويُروى (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَأْتِي) كذا في رواية الأكثر، وفي بعض النُّسخ بغير ياء وليس بلحنٍ؛ لأنَّه قد سُمعَ نظيره من كلام العرب.

(ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ) بنصب «ابن» مفعول مقدَّم، ورفع «النَّذر» على أنَّه فاعل (لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف على البناء للمفعول، والجملة صفة لشيء، وفي نسخة لغير الفرع، وعليها شرح الحافظ العسقلاني،

ج 28 ص 143

وهي في اليونينية لأبي ذرٍّ .

قال الحافظ العسقلاني وهذا من الأحاديث القدسيَّة، لكن سقط منه التَّصريح بنسبته إلى الله تعالى، وتقدَّم في أواخر كتاب «القدر» [خ¦6609] من رواية همام عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه (( لم يكن قَدَّرته ) ). وفي رواية النسائي (( لم أُقدِّره عليه ) )، وفي رواية مالك (( بشيءٍ لم يكن قُدِّر له ) )، وفي رواية مسلم (( لم يكن الله قدَّره له ) ). وكذا وقع الاختلاف في قوله (( يستخرجُ الله به من البخيل ) ). ففي رواية مالك (( يُستخرج به ) )على البناء للمفعول، وفي رواية همَّام (( ولكن يلقيه القدر، وقد قَدَّرته له أستخرج به من البخيلِ ) )، وفي رواية مسلم (( ولكن النَّذر يوافقُ القدر، فيُخرجُ بذلك من البخيلِ ما لم يكن البخيل يريد أن يُخرجَ ) ).

(وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف وكسر المهملة المشددة على البناء للمفعول، وفي رواية أبي ذرٍّ وقد تقدَّم البحث فيه في باب «إلقاء العبد النَّذر إلى القدر» [خ¦6609] . قال الكرماني فإن قيل القُدَر هو الَّذي يلقيه إلى النَّذر، قلت تقدير النَّذر غير تقدير الإلقاء، فالأوَّل يلجئه إلى النَّذر، والنَّذرُ يوصله إلى الإيتاء والإخراج (فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ) أي بالنَّذر (مِنَ الْبَخِيلِ) فيه التفاتٌ على روايةٍ .

(فَيُؤْتِي عَلَيْهِ) بكسر المثناة الفوقية، وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي روايته عن الحمويي والمستملي بحذف الفاء، وفي رواية الكُشميهني بالجزم، ووجهت بأنَّه من كلام العرب؛ أي فيُعطيني على ذلك الأمر الَّذي بسببه نذرٌ كالشِّفاء (مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) أي من قبل النَّذر، وفي رواية الكُشميهني بالجزم.

ووجهها أن يكون بدلًا من قوله (( يكن ) )فجزمت بلم، وفي رواية مالكٍ (( يؤتي ) )في الموضعين، وفي رواية ابن ماجه (( فييَّسر عليه ما لم يكن

ج 28 ص 144

ييسَّر عليه من قبل ذلك )) .

قال البيضاوي عادة النَّاس تعليق النَّذر على تحصيل منفعةٍ، أو دفع مضرَّةٍ فنُهي عنه؛ لأنَّه فعل البخلاء، إذ السَّخي إذا أراد أن يتقرَّب إلى الله تعالى بادر إليه، والبخيل لا تُطاوعه نفسُه بإخراج شيءٍ من يده إلَّا في مقابلة عوضٍ يستوفيه أولًا، فيلزمه في مقابلة ما يحصل له، وذلك لا يغني من القدر شيئًا، ولا يسوق إليه خيرًا لم يُقدَّر له، ولا يردُّ عنه شرًا قضي عليه، لكنَّ النَّذر قد يوافق القدر، فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن ليخرجه.

قال ابن العربي فيه حجَّةٌ على وجوب الوفاء بما التزمه النَّاذر؛ لأنَّ الحديث نصَّ على ذلك بقوله «فإنَّه يستخرجُ» إذ لو لم يلزمه إخراجه لما تمَّ المراد من وصفه بالبخلِ من صدور النَّذر عنه، إذ لو كان مخيَّرًا في الوفاء لاستمرَّ لبخله على عدم الإخراج، وفي الحديث الرَّدُّ على القدريَّة، كما تقدَّم تقريره [خ¦6609] ، وأمَّا ما أخرجه التِّرمذي من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( إنَّ الصَّدقة تدفع ميتة السُّوء ) )، فظاهره يعارض قوله «إنَّ النَّذر لا يرد القدر» ، ويجمع بينهما بأنَّ الصَّدقة تكون سببًا لدفع ميتة السُّوء، والأسباب مقدَّرة كالمسببات.

وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرُّقى هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال (( هي من قدر الله ) )، أخرجه أبو داود والحاكم. ونحوه قول عمر رضي الله عنه نَفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، ومن ذلك مشروعيَّة الطِّبِّ والتَّداوي.

وقال ابن العربي النَّذر شبيهٌ بالدُّعاء، فإنَّه لا يرد القدر، ولكنَّه من القدر أيضًا، ومع ذلك قد نُهي عنه، ونُدِب إلى الدُّعاء، والسَّبب فيه أنَّ الدعاء عبادةٌ عاجلة، ويظهر به التَّوجه إلى الله تعالى والتَّضرُّع له والخضوع، وهذا بخلاف النَّذر، فإنَّ فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول، وترك العمل إلى حين الضَّرورة، والله أعلم. وفي الحديث أنَّ كلَّ شيءٍ يبتدئ به المكلَّف من وجوه البرِّ أفضل ممَّا يلتزمه بالنَّذر. وقاله الماوردي، وفيه الحثُّ على الإخلاص في عمل الخير وذمِّ البخل،

ج 28 ص 145

وأنَّ من اتَّبع المأمورات واجتنب المنهيَّات لا يعدُّ بخيلًا.

تنبيه قال ابنُ المنير مناسبةُ أحاديث الباب لترجمة الوفاء بالنَّذر قوله (( يُستخرجُ به من البخيل ) )، وإنَّما يُخرج البخل ما تعيَّن عليه إذ لو أخرج ما يتبرَّع به لكان جوادًا. وقال الكرماني يؤخذُ معنى الترجمة من لفظ «يُستخرج» .

وقال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن يكون البخاري أشار إلى تخصيصِ النَّذر المنهيِّ عنه بنذر المعاوضة واللَّجاج بدليل الآية، فإنَّ الثَّناء الذي تضمَّنته محمولٌ على نذر القربة، كما تقدَّم في أول الباب، فيُجمع بين الآية والحديث بتخصيصِ كلٍّ منهما بصورةٍ من صور النَّذر، والله سبحانه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت