6693 - (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن صفوان الكوفي سكن مكة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر، أنَّه قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، الخَارِفي _ بالخاء المعجمة والراء والفاء _ الهمْداني _ بسكون الميم _ الكوفي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، أنَّه قال(نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 28 ص 138
عَنِ النَّذْرِ)أي عن عقد النَّذر.
(وَقَالَ إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ شَيْئًا) تعليلٌ للنَّهي، وصرَّح في هذا الحديث بالنَّهي بخلاف السَّابق، وقد اختلف العلماء في هذا النَّهي هل هو للتَّحريم على الأصل أم لا؟ فمنهم من حمله على ظاهرهِ، ومنهم من تأوَّله على الكراهة. قال ابنُ الأثير في «النهاية» تكرر النَّهي عن النَّذر في الحديث، وهو تأكيدٌ لأمره، وتحذيرٌ عن التَّهاون به بعد إيجابهِ، ولو كان معناه الزَّجر عنه حتَّى لا يفعل؛ لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به، فبالنَّهي يصيرُ معصيةً فلا يلزم، وإنَّما وجه الحديث أنَّه قد أعلمهم أنَّ ذلك أمرٌ لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًّا ولا يُغَيِّر قضاءً، فقال (( لا تنذروا ) )، على أنَّكم تُدركون بالنَّذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفوا به ما قدره عليكم، فإذا نذرتم فاخرجوا بالوفاء فإنَّ الَّذي نذرتموه لازمٌ لكم. انتهى كلامه، ونسبه بعض «شراح المصابيح» إلى الخطَّابي، وأصله من كلام أبي عبيد فيما نقله ابنُ المنذر في كتابه «الكبير» كأنَّ أبو عبيد يقول وجه النَّهي عن النَّذر، والتَّشديد فيه ليس هو أن يكون مأثمًا، ولو كان كذلك ما أمر الله أن يُوفَّى به ولا حَمِد عليه فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم النَّذر وتغليظ أمره؛ لئلَّا يستهانَ به فيفرَّط في الوفاء به، وترك القيام به.
ثمَّ استدلَّ على الحثِّ على الوفاء به من الكتاب والسُّنَّة، وإلى ذلك أشار المازريُّ بقوله ذهب بعضُ علمائنا إلى أنَّ الغرض بهذا الحديث التَّحفُّظ في النَّذر، والحض على الوفاء به.
قال وهذا عندي بعيدٌ من ظاهر الحديث، ويحتملُ عندي أن يكون وجه الحديث أنَّ النَّاذر يأتي بالقربة مستثقلًا لمَّا صارت له ضربة لازبٍ، فإنَّه لا ينشطُ للفعل بشاط مُطلق الاختيار، ويحتمل أن يكون سببه أنَّ النَّاذر لما لم يفعل القربة إلَّا بشرط أن يفعل [1] له ما يريد صار كالمعاوضة الَّتي تقدح في نيَّة المتقرِّب. قال ويشير إلى هذا التَّأويل قوله «فإنَّه لا يأتي بخيرٍ» ،
ج 28 ص 139
وقوله «لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له» ، وهذا كالنَّص في التَّعليل. انتهى.
والاحتمال الأوَّل يعمُّ أنواع النَّذر، والثَّاني يخصُّ نذر المجازاة، وزاد القاضي عياض فقال إنَّ الإخبار بذلك وقع على سبيل الإعلام بأنَّه لا يُغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه، والنَّهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشيةَ أن يقعَ ذلك في ظنِّ بعضِ الجهلة.
قال ومحصِّل مذهب مالك أنَّه مباحٌ إلَّا إذا كان مكررًا، وهو ما إذا نذر صوم كلِّ خميسٍ، أو كلَّ اثنينٍ، أو نحو ذلك؛ فهو مكروهٌ فإنَّه قال في «المدونة» مخافة التَّفريط في الوفاء به، فإنَّه قد يثقل عليه فعله فيفعله بالتَّكلُّف من غير طيب نفسٍ وغير خلوص نيَّةٍ فحينئذٍ يكره. قال وهذا أحد محتملات قوله (( لا يأتي بخير ) )؛ أي إنَّ عقباه لا تُحمدُ، وقد يتعذَّر الوفاء به، وقد يكون معناه لا يكون سببًا لخيرٍ لم يُقدَّر كما في الحديث، وبهذا الاحتمال الأخير صدر ابنُ دقيق العيد كلامه، فقال يحتمل أن تكون الباء للسببية كأنَّه قال لا يأتي بسببه خيرٌ في نفس النَّاذر، وطبعه في طلب القربة والطَّاعة من غير عوضٍ يحصل له، وإن كان يترتَّب عليه خير وهو فعل الطَّاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول غرضه. وقال النَّووي معنى قوله «إنَّه لا يأتي بخير» أنَّه لا يرد شيئًا من القدر، كما بيَّنته الرِّوايات الأخرى.
(وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ) أي بالنَّذر (مِنَ الْبَخِيلِ) ما لم يكن يريد أن يخرجه، وسيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الَّذي بعده [خ¦6694] بيان المراد بالاستخراج المذكور، وقوله «من البخيل» ، كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية مسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما من الصَّحيح (( من الشَّحيح ) )، وكذا النَّسائي. وفي رواية ابن ماجه (( من اللَّئيم ) ).
ومدار الجميعِ على منصور بن المعتمر عن عبد الله بن مرَّة، والاختلاف في اللَّفظ المذكور من الرُّواة عن منصورٍ، والمعاني متقاربة؛ لأنَّ الشُّحَّ أخصُّ، واللُّؤم أعمُّ.
قال الرَّاغب البخلُ إمساك ما يُقتنى عمَّن يستحقُّ، والشُّحُّ بخلٌ مع حرصٍ، واللؤم فعل ما يُلام عليه. وقال الخطَّابي هذا باب من العلم غريبٌ، وهو أن يُنهى عن فعل شيءٍ حتَّى إذا فعل كان شيئًا واجبًا.
وقد ذهب أكثر الشَّافعيَّة. ونقله أبو علي السِّنجي عن الشَّافعي إلى أنَّه مكروهٌ؛ لثبوت النَّهي عنه، وكذا نُقل عن المالكيَّة، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشَّافعيَّة بالكراهة. قال واحتجُّوا بأنَّه ليس طاعةً محضَّةً؛ لأنَّه لم يُقصد به خالص القربة، وإنما قصد أن ينفعَ نفسه،
ج 28 ص 140
أو يدفع عنها ضررًا بما التزمَ، وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنَّها كراهة تحريمٍ، وتوقَّف بعضُهم في صحتها.
وقال التِّرمذي بعد أن ترجمَ كراهة النَّذر، وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ قال وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما، والعملُ على هذا عند بعضِ أهل العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم كرهوا النَّذر. وقال ابنُ المبارك معنى الكراهة في النَّذر في الطَّاعة وفي المعصية، فإن نذر الرَّجل في الطَّاعة فوفَّى به فله فيه أجرٌ، ويكره له النَّذر.
قال ابنُ دقيق العيد وفيه إشكالٌ على القواعد؛ فإنَّها تقتضي أنَّ الوسيلة إلى الطَّاعة طاعةٌ كما أنَّ الوسيلة إلى المعصية معصيةٌ، والنَّذر وسيلةٌ إلى التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة إلَّا أنَّ الحديث دلَّ على الكراهة، ثمَّ أشار إلى التَّفرقة بين نذر المجازاة، فحمل النَّهي عليه، وبين نذر الابتداء فهو قربةٌ محضَّةٌ.
وقال ابنُ أبي الدَّم في «شرح الوسيط» القياس استحبابه، والمختار أنَّه خلاف الأولى، وليس بمكروهٍ، كذا قال. ونُوزع بأنَّ خلاف الأولى ما اندرجَ في عموم نهي، والمكروه ما نُهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النَّهي عن النَّذر بخصوصه فيكون مكروهًا، ويتعجَّب ممَّن انطلقَ لسانه بأنَّه ليس بمكروهٍ مع ثبوت النَّهي الصَّريح عنه، فأقلُّ درجاته أن يكون مكروهًا كراهةَ تنزيه. وممَّن بنى على استحبابه النَّووي في «شرح المهذب» فقال إنَّ الأصحَّ في التَّلفُّظ بالنَّذر في الصَّلاة أنَّه لا يبطلها؛ لأنَّه مناجاة لله تعالى فأشبه الدُّعاء. انتهى.
وإذا ثبت النَّهي عن الشَّيء مطلقًا يترك فعله داخل الصَّلاة من باب الأولى، فكيف يكون مستحبًّا، وأحسن ما يُحملُ عليه كلام هؤلاء نذر التَّبرر المحض بأن يقول لله عليَّ أن أفعلَ كذا أو لأفعلنه على المجازاة، وقد حملَ بعضُهم النَّهي على من عُلِم من حاله عدم القيام بما التزمَه، حكاه الشَّيخ زين الدِّين العراقي
ج 28 ص 141
في «شرح الترمذي» .
ولمَّا نقل ابنُ الرفعة عن أكثر الشَّافعيَّة كراهة النَّذر، وعن القاضي حسين والمتولِّي بعده والغزالي والرَّافعي أنَّه مستحبٌّ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أثنى على من وفَّى به، ولأنَّه وسيلةٌ إلى القربة، فيكون قربةً، وقد قال الله تعالى {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} [البقرة 270] الآية.
قال ويمكن أن يتوسَّط فيُقال الَّذي دلَّ عليه الخبر كراهية نذر المجازاة، وأمَّا نذر التَّبرُّر فهو قربةٌ محضةٌ؛ لأنَّ للنَّاذر فيه غرضًا صحيحًا وهو أن يُثاب عليه ثواب الواجب وهو فوق ثواب التَّطوُّع. انتهى.
وجزم القرطبي في «المفهم» بحمل ما ورد من الأحاديث في النَّهي على أنَّ محلَّه أن يقول مثلًا إن شفى الله مريضي فعليَّ صدقة كذا، ووجه الكراهة بأنَّه لمَّا وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنَّه لم تتمحَّض له نيَّة التَّقرُّب إلى الله تعالى بما صدر عنه، بل سلك فيه مسلك المعاوضة.
ويوضحه أنَّه لو لم يشف مريضه لم يتصدَّق بما علَّقه على شفائهِ، وهذه حالة البخيل، فإنَّه لا يُخرج من ماله شيئًا إلَّا بعوض عاجلٍ يزيد على ما أخرج غالبًا، وهذا المعنى هو المشارُ إليه في الحديث بقوله «وإنَّما يُستخرج به من البخيل» ما لم يكن البخيل يخرجه.
قال وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقادُ جاهلٍ يظن أنَّ النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أنَّ الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النَّذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضًا «فإنَّ النَّذر لا يرد من قدر الله شيئًا» ، والحالة الأولى تقارب الكفر، والثَّانية خطأٌ صريحٌ.
وقال الحافظ العسقلاني بل تُقارب الكفر أيضًا، ثمَّ نقل القرطبي عن العلماء حمل النَّهي الوارد في الخبر على الكراهة. وقال الَّذي يظهرُ لي أنَّه على التَّحريم في حقِّ من يُخافُ عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرَّمًا، والكراهة في حقِّ من لم يعتقد ذلك. انتهى.
ج 28 ص 142
وهو تفصيلٌ حسنٌ، ويؤيِّده قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما راوي الحديث في النَّهي عن النَّذر، فإنَّها في نذر المجازاة. وقد أخرج الطَّبري بسندٍ صحيحٍ عن قتادة في قوله تعالى {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان 7] قال كانوا ينذرون طاعة الله من الصَّلاة والصِّيام والزكاة والحجِّ والعمرة، وما فرض عليهم فسمَّاهم الله أبرارًا، وهذا صريحٌ في أنَّ الثَّناء وقع في غير نذرِ المجازاة.
وكأنَّ البخاري رحمه الله رمزَ في الترجمة إلى الجمع بين الآية والحديث بذلك، وقد يُشعر التَّعبير بالبخيل أنَّ المنهي عنه من النَّذر ما فيه مال، فيكون أخصُّ من المجازاة، لكن قد يوصفُ بالبخل من تكاسل عن الطَّاعات، كما في الحديث المشهور (( البخيلُ من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ ) )، أخرجه النَّسائي، وصحَّحه ابن حبَّان، أشار إلى ذلك الشَّيخ زين الدين في «شرح الترمذي» .
ثمَّ نقلَ القرطبي الاتِّفاق على وجوبِ الوفاء بنذرِ المجازاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( من نذرَ أن يطيعَ الله فليطعْه ) ). ولم يُفرِّق بين المعلَّق وغيره. انتهى.
والاتفاق المذكور ذكره مسلم، لكن في الاستدلال بالحديث المذكور لوجوبِ الوفاء بالنَّذر المعلَّق نظرٌ، وسيأتي بيانه بعد باب.
ومطابقة الحديث للترجمة كسابقه. وقد مضى الحديث في «القدر» [خ¦6608] .
[1] في هامش الأصل في نسخة يبذل.