6700 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحَّاك بن مخلد البصري (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) الأيلي (عَنِ الْقَاسِمِ) هو ابنُ محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ) وفيه دليلٌ على أنَّ من نذر
ج 28 ص 160
طاعةً يلزمه الوفاء به، ولا تلزمه الكفَّارة، فلو نذر صوم يوم العيد لا يجب عليه شيءٌ، ولو نذر نحر ولده فباطلٌ، وإليه ذهب مالك والشافعي، فأمَّا إذا نذر مطلقًا كأن قال عليَّ نذرٌ ولم يسمِّ شيئًا فعليه كفَّارة اليمين، وكذا إن نذر شيئًا لم يطقه، وقد مرَّ الآن.
وقال الحافظ العسقلاني وحديث عائشة رضي الله عنها بمعنى حديث «لا نذر في معصية» ، ولو ثبتت الزِّيادة لكانت مبيِّنةً لما أُجمل فيه، واحتجَّ بعض الحنابلة بأنَّه ثبت عن جماعةٍ من الصَّحابة ولا يُحفظ عن صحابيٍّ خلافه.
قال والقياس يقتضيه؛ لأنَّ النَّذر يمينٌ، كما وقع في حديث عقبة بن عامر لمَّا نذرت أخته أن تحجَّ ماشيةً لتُكفِّر يمينها فسمَّى النَّذر يمينًا، ومن حيث النَّظر هو عقدٌ لله بالتزام شيءٍ، والحالف عقد يمينه بالله ملتزمًا بشيءٍ، ثمَّ بيَّن أنَّ النَّذر آكد من اليمين، ورتَّب عليه أنَّه لو نذر معصيةً ففعلها لم تسقط عنه الكفَّارة بخلاف الحالف، وهو وجهٌ للحنابلة.
واحتجَّ له بأنَّ الشَّارع نهى عن المعصية وأمره بالكفَّارة فتعيَّنت، واستدلَّ بحديث (( لا نذر في معصية ) )بصحَّة النَّذر في المباح؛ لأنَّ فيه نفي النَّذر في المعصية، فبقي ما عداه ثابتًا، واحتجَّ من قال إنَّه يُشرع في المباح بما أخرجه أبو داود من طريق عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه، وأخرجه أحمد والترمذي من حديث بريدة أنَّ امرأةً قالت يا رسول الله، إنِّي نذرت أن أضربَ على رأسك بالدُّف فقال (( أَوْف بنذرك ) )، وزاد في حديث بريدة أنَّ ذلك في وقت خروجه في غزوة فنذرت إنَّ رده الله سالحًا.
قال البيهقي يشبه أن يكون أذن لها في ذلك لما فيه من إظهارِ الفرح بالسَّلامة، ولا يلزم من ذلك القول بانعقاد النَّذر به، ويدلُّ على أنَّ النَّذر لا ينعقدُ في المباح حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ثالث أحاديث الباب، فإنَّه أمر النَّاذر بأنَّ يقوم ولا يقعد، ولا يتكلَّم، ولا يستظلُّ، ويصوم ولا يفطر، بأن يتمَّ صومه ويتكلَّم ويستظلّ ويقعد. فأمره بفعل الطَّاعة وأسقط عنه المباح.
ج 28 ص 161
وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمدُ من طريق عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أيضًا (( إنَّما النذر ما يُبتغى به وجه الله ) ).
والجواب عن قصَّة التي نذرت الضَّرب بالدُّفِّ ما أشار إليه البيهقي، ويمكن أن يُقال إنَّ من قِسم المباح ما قد يصير بالقصد مندوبًا كالنَّوم في القائلة للتَّقوِّي على قيام اللَّيل، وأكلة السَّحور للتَّقوِّي على صيام النَّهار، فيمكن أن يكون إظهار الفرح بعود النَّبي صلى الله عليه وسلم سالمًا لمعنى مقصود يحصل به الثَّواب، وقد اختلف في جواز الضَّرب بالدُّفِّ في غير النِّكاح والختان. ورجَّح الرافعي في «المحرر» ، والنَّووي في «المنهاج» الإباحة.
والحديث حجَّةٌ في ذلك، وقد حمل بعضهم إذنه لها في الضَّرب بالدُّفِّ على أصل الإباحة لا على خصوص الوفاء بالنَّذر كما تقدَّم، ويُشكل عليه أنَّ في رواية أحمد في حديث بريرة (( إن كنتِ نذرت فاضربي، وإلَّا فلا ) ).
وزعم بعضهم أنَّ معنى قولها «نذرت» ، حلفت، والإذن فيه للبرِّ بفعل المباح، ويؤيِّد ذلك أنَّ في آخر الحديث أنَّ عمر رضي الله عنه دخل فتركت، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الشَّيطان ليخاف منك يا عمر ) ). فلو كان ذلك ممَّا يتقرب به ما قال ذلك، لكن هذا بعينه يُشكل على أنَّه مباحٌ؛ لكونه نسبه إلى الشَّيطان.
ويُجاب بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أنَّ الشَّيطان حضر لمحبَّته في سماع ذلك لما يرجوه من تمكُّنه من الفتنة به، فلمَّا حضر عمر رضي الله عنه فرَّ منه؛ لعلمه بمبادرته إلى إنكار مثل ذلك، أو أنَّ الشيطان لم يحضر أصلًا، وإنما ذكر مثالًا لصورة ما صدر من المرأة المذكورة، وهي أنَّها شرعت في شيءٍ أصله من اللَّهو، فلمَّا دخل عمر رضي الله عنه خشيت من مبادرته؛ لكونه لم يعلم بخصوص النَّذر أو اليمين الَّذي صدر منها، فشبَّه النَّبي صلى الله عليه وسلم حالها بحال الشَّيطان الَّذي يخاف من حضور عمر رضي الله عنه، والشَّيء بالشَّيء يذكر.
وقريبٌ من قصَّتها قصَّة القينتين اللتين كانتا تغنِّيان عند النَّبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيدٍ، فأنكر أبو بكر رضي الله عنه
ج 28 ص 162
عليهما وقال أمزمور الشَّيطان عند النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ فأعلمه النَّبي صلى الله عليه وسلم بإباحة مثل ذلك في يوم العيد.
ومطابقة الحديث للجزء الثاني من الترجمة ظاهرةٌ لا للجزء الأول، وقد تؤخذ كما سبق، وقد سبق الحديث قريبًا.