6704 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة المنقري التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو مصغَّرًا، هو ابنُ خالد، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ) أي يوم الجمعة، كما عند الخطيب في «المبهمات» وجواب «بينا» قوله (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ) وفي رواية إبراهيم بن الحجَّاج عن وهيبٍ (( إذ التفت فإذا هو برجلٍ قائم ) )، وزاد أبو داود عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه «في الشَّمس» ، وكذا في رواية أبي يعلى، وفي رواية طاوس (( قائمٌ يصلِّي ) ).
(فَسَأَلَ) صلى الله عليه وسلم (عَنْهُ) قال البيضاويُّ ظاهر اللَّفظ السُّؤال عن اسمه فلذلك ذكروه، وزادوا فعله (فَقَالُوا) هو (أَبُو إِسْرَائِيلَ) لا يشاركه أحدٌ في كنيته من الصَّحابة، واختلف في اسمه، فقيل قُشَير _ بقاف وشين معجمة _ مصغَّرًا، وقيل يُسير _ بتحتانية ثم مهملة _ مصغَّرًا أيضًا، وقيل قَيْصَر باسم ملك الرُّوم. وقيل بالسين المهملة بدل الصاد، وقيل بغير راء في آخره، وزاد الخطيب في «مبهماته» فقال إنَّه رجلٌ من قريش، وترجم له ابنُ الأثير في «الصحابة» تبعًا لغيره يقال أبو إسرائيل الأنصاري.
قال الحافظ العسقلاني واغترَّ بذلك الكرماني فجزم بأنَّه من الأنصار، والأوَّل أولى وأشهر. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إن كان الكرماني اغترَّ بكلام ابن الأثير فهو اغترَّ بكلام الخطيب، وأولويَّة الأوَّل من أين؟ مع أنَّ أبا عمر بن عبد البر قال في «الاستيعاب» في باب الكنى أبو إسرائيل رجلٌ من الأنصار من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ ذكر حديثه المذكور.
(نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ) في رواية الخطيب (( ويقوم في الشَّمس ) ) (وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ) قال البيضاوي ويحتمل أن يكون سأل عن حاله، فذكروه وزادوا التَّعريف به، ثمَّ قال ولعلَّه لمَّا كان السُّؤال محتملًا ذكروا الأمرين جميعًا(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 28 ص 166
مُرْهُ)أي مر أبا إسرائيل، وفي رواية أبي داود (( مروه ) )بصيغة الجمع (فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) لأنَّه قُرْبةٌ بخلاف البواقي، والظَّاهر أنَّه صلى الله عليه وسلم علم منه أنَّ الصَّوم لا يشقُّ عليه، وفي رواية طاوس (( ليقعد وليتكلم ) ). وفي الحديث أنَّ السُّكوت عن المباح ليس من طاعة الله، وقد أخرج أبو داود من حديث عليٍّ رضي الله عنه ولا صمت يوم إلى اللَّيل.
وتقدَّم في «السيرة النبوية» قول أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه للمرأة إن هذا _ يعني الصَّمت _ من فعال الجاهلية، وفيه أنَّ كلَّ شيءٍ يتأذى به الإنسان، ولو مآلًا ممَّا لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنَّةٌ كالمشي حافيًا، والجلوس في الشَّمس ليس هو من طاعة الله تعالى، وإنَّما الطَّاعة ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينعقدُ النَّذر به، فإنَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ أبا إسرائيل بإتمام الصَّوم دون غيره.
قال القرطبيُّ في قصَّة أبي إسرائيل هذه أوضحُ الحُجج للجمهور في عدم وجوب الكفَّارة على من نذر معصيةً، أو ما لا طاعة فيه، فقد قال مالكٌ لمَّا ذكروه، ولم أسمع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفَّارةٍ.
ومطابقة الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة من حيث إنَّ نذر الرَّجل بترك القعود وترك الاستظلال وترك التَّكلُّم ليس بطاعةٍ، فإذا كان نذره في غير طاعةٍ يكون معصيةً؛ لأنَّ المعصية خلاف الطَّاعة كذا قال العيني.
والحديث قد أخرجه أبو داود في الأيمان، وابن ماجه في الكفارات.
(قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أشار بهذا التَّعليق إلى أنَّه روي مرسلًا أيضًا؛ لأنَّ عكرمة من التَّابعين. قال الحافظ العسقلاني وقد تمسَّك بهذا من يرى أنَّ الثِّقات إذا اختلفوا في الوصل والإرسال يرجح قول من وصل لما معه من زيادة العلم؛ لأنَّ وهيبًا وعبد الوهَّاب ثقتان، وقد وصله وهيب وأرسله عبد الوهاب، وصحَحه البخاري مع ذلك، والَّذي عرفناه بالاستقراء من صنيع البخاري أنَّه لا يعمل في هذه الصُّورة؛ بقاعدةٍ مطردةٍ، بل يدور مع التَّرجيح إلَّا إن استووا،
ج 28 ص 167
فيقدم جانب الوصل، والواقع هنا أنَّ من وصله أكثر ممَّن أرسله.
قال الإسماعيلي وصله مع وهيب عاصم بن هلال والحسن بن أبي جعفر، وأرسله مع عبد الوهَّاب خالد الواسطي، وخالد متقنٌ، وفي عاصم والحسن مقال، فيستوي الطَّرفان فيترجَّح الوصل.
وقد جاء الحديث المذكور من وجهٍ آخر فازداد قوة، أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي إسرائيل.