فهرس الكتاب

الصفحة 9965 من 11127

6720 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية بعدها راء، المكي، ووقع في رواية الحميدي عن سفيان بن عُيينة حدَّثنا هشام بن حُجَير (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابنُ كيسان الإمام أبو عبد الرَّحمن اليماني، أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ) أي ابن داود عليهما السلام والله (لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ) باللام جواب القسم المحذوف، ويرشدُ إليه ذكر الحنث في قوله «لم يحنث» ؛ لأنَّ ثبوته ونفيه يدلُّ على سبق اليمين، وقيل اللَّام ابتدائية، والمراد بعدم الحنث وقوع ما أراد. وجزم النَّووي بأنَّ الَّذي جرى منه ليس بيمينٍ، كذا قال.

وقد ثبت ذلك في بعض طرق الحديث، والنون في قوله (( لأطوفنَّ ) )للتأكيد، يُقال طاف به ألمَّ به وقاربه، والليلة نصب على الظرف. واختُلف في الَّذي حلف عليه هل هو جميع ما ذُكر، أو دورانه على النِّساء فقط دون ما بعده من الحمل والوضع وغيرهما، والثَّاني أوجه؛ لأنَّه الذي يقدر هو عليه بخلاف ما بعده فإنَّه ليس إليه، وإنَّما هو مجرَّد تمنِّي حصول ما يستلزم جلب الخير له، وإلَّا فلو كان حلف على جميع ذلك لم يكن إلَّا بوحيٍ، ولو كان بوحي لم يتخلَّف، ولو كان بغير وحيٍ لزم أنَّه حلف على غير مقدورٍ له، وذلك لا يليق بجنابه، كذا قيل. وقال الحافظ العسقلاني وما المانع من جواز ذلك؟ فيكون لشدَّة وثوقه بحصول مقصوده جزم بذلك، وأكَّده بالحلف، فقد ثبت في الحديث الصَّحيح [خ¦2703] (( إنَّ من عباد الله من لو أقسمَ على الله لأبرَّه ) ).

(عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً) أي لأجامعهنَّ، وذكر أبو موسى المديني في كتابه المذكور أنَّ في بعض نسخ مسلم عقب قصَّة سليمان عليه السلام الاختلاف في هذا العدد، وليس هو من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم،

ج 28 ص 200

وإنَّما هو من النَّاقلين.

ونقل الكرمانيُّ أنَّه ليس في الصَّحيح أكثر اختلافًا في العدد من هذه القصَّة فيه مائة، وتسعة وتسعون، وستون. وأجاب النَّووي ومن وافقه عن اختلاف العدد في قصَّة سليمان عليه السلام بأنَّ مفهوم العدد ليس بحجَّةٍ عند الجمهور، فذكر القليل لا ينافي ذكر الكثير.

وقد تُعقِّب بأنَّ الشَّافعي نصَّ على أنَّ مفهوم العدد حجَّةٌ، وجزم بنقله عنه الشَّيخ أبو حامد والماوردي وغيرهما أنَّ شرطه أن لا يخالف المنطوق، فافهم.

(كُلٌّ) بالتنوين؛ أي كلُّ واحدةٍ منهنَّ (تَلِدُ) فيه حذف تقديره فتعلقنَ، فتحملُ فتلد (غُلاَمًا يُقَاتِلُ) أي فينشأ ويتعلَّم الفروسيَّة ويقاتل (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وساغ الحذف؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ سببٌ عن الَّذي قبله، وسبب السَّبب سبب (فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي الْمَلَكَ) هكذا فسَّره سفيان بن عُيينة في هذه الرِّواية أنَّ صاحب سليمان الملك، وتقدَّم في «النِّكاح» [خ¦5242] من وجهٍ آخر الجزم بأنَّه الملك، وقيل أو قرينه، أو صاحبه من البشر، أو وزيره من الإنس، أو من الجنِّ.

(قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَنَسِيَ) بفتح النون مخففًا لسابق القدر أن يقول إن شاء الله، وزاد في «النِّكاح» [خ¦5242] «فلم يقل» وأبعد من قال في الكلام تقديمٌ وتأخير، والتَّقدير فلم يقل إن شاء الله، فقيل له قل إن شاء الله، وهذا كان سببه أنَّ قوله «فنسيَ» ؛ يغني عن قوله «فلم يقل» ، يُقال إنَّ قوله «فقال له صاحبه قل إن شاء الله» ، يستلزمُ أنَّه كان لم يقلها، فالأولى عدم التَّقديم والتَّأخير.

(فَطَافَ بِهِنَّ) أي جامعهنَّ (فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلاَّ وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلاَمٍ) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف؛ أي نصف غلام، وفي روايةٍ للبخاريِّ (( إلَّا واحدٌ ساقطٌ أحدُ شقَّيه ) ). وفي نسخة ، وفي أخرى .

قال الكرماني فإن قلت الحنثُ معصيةٌ، فكيف يجوز على سليمان عليه السلام؟ قلت لم يكن باختياره، أو هو صغيرةٌ معفوٌّ عنها. انتهى.

وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنَّه حملَ الحنث على معناه

ج 28 ص 201

الحقيقي، وليس كذلك، بل معناه هنا عدمُ وقوع ما أرادَ، وفيه نسبة وقوع الصَّغيرة من النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام وفيه ما فيه. وقد قال القرطبيُّ قوله «فلم يقل» ؛ أي فلم ينطق بلفظ إن شاء الله تعالى بلسانهِ، وليس المراد أنَّه غفلَ عن التَّفويض إلى الله تعالى بقلبه.

والتَّحقيق والتحقيق أنّ اعتقاد التفويض مستمر له، لكن المراد بقوله «ننسي» أنه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفع حكم اليمين ... يرفعُ حكم اليمين [1] ، ففيه تعقُّبٌ على من استدلَّ به؛ لاشتراط النُّطق في الاستثناء، وفيه تأمُّلٌ.

(فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه هو موصولٌ بالسَّند المذكور أولًا (يَرْوِيهِ) أي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه (قَالَ) هو كنايةٌ عن رفع الحديث، وأوَّله موقوفٌ على أبي هريرة، ولكنَّه رفعه بقوله (( يرويه ) ). قال وهو كما [لو] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد وقعَ في رواية الحميدي التَّصريح بذلك، ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان (لَوْ قَالَ) أي سليمان عليه السلام (إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) بالثاء المثلثة، من الحنث؛ أي وقع ما أراد. وقال الكرماني ويُروى بالخاء المعجمة، من الخيبةِ، وهي الحرمان.

قيل هذا خاصٌّ بسليمان عليه السلام، وأنَّه لو قال في مثل هذه الواقعة إن شاء الله حصل مقصوده، وليس المراد أنَّ كلَّ من قالها وقع ما أراد. ويؤيِّد ذلك أنَّ موسى عليه السلام قالها عندما وعد الخضر أنَّه يصبر عمَّا يراه منه، ولا يسأله ولم يصبر حتَّى قصَّ الله تعالى علينا من أمرهما ما قصَّ، وقد قالها الذَّبيح، فوقع ما ذكر في قوله عليه السلام {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات 102] ، فصبر حتَّى فداه الله تعالى بالذِّبح.

وقد سُئل بعضهم عن الفرق بين الكليم والذَّبيح في ذلك، فأشار إلى أنَّ الذَّبيح بالغَ في التَّواضع في الصَّبر حتى جعلَ نفسه من جماعة الصَّابرين، فرزقه الله الصَّبر، وقد وقع لموسى عليه السلام أيضًا نظيرُ ذلك مع شعيب عليه السلام حيث قال {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحينَ} [القصص 27] ، فرزقه الله ذلك.

(وَكَانَ) أي وكان قوله إن شاء الله (دَرَكًا فِي حَاجَتِهِ) بفتح المهملة والراء؛ أي إدراكًا، أو لحاقًا، أو بلوغ أملٍ

ج 28 ص 202

في حاجته (وَقَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (مَرَّةً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوِ اسْتَثْنَى) أي بدل قوله في الرواية الأولى (( لو قال إن شاء الله ) )وجواب «لو» محذوف؛ أي لم يحنث، فاللَّفظ مختلفٌ، والمعنى واحد.

وقال ابن التِّين ليس الاستثناء في قصَّة سليمان عليه السلام الَّذي يرفع حكم اليمين ويحلُّ عقده، وإنَّما هو بمعنى الإقرار بالمشيئة والتَّسليم لحكمه، فهو نحو قوله {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا*إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف 23 - 24] ، وإنَّما يرفع حكم اليمين الاستثناء الَّذي قصد به الرفع، فافهم.

(قَالَ) أي سفيان، وقد أفصحَ به مسلم في روايته، وهو موصولٌ بالسَّند الأوَّل أيضًا، وأخرجَه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق الحميدي عن سفيان بهما (وَحَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) الَّذي ساقه من طريق طاوس عنه.

والحاصل أنَّ لسفيان فيه سندين إلى أبي هريرة، هشام عن طاوس، وأبو الزِّناد عن الأعرج، ووقع في رواية مسلم بدل قوله مثل حديث أبي هريرة، بلفظ عن الأعرج عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله أو نحوه.

ويُستفاد منه نفيُ احتمال الإرسال في سياق البخاري؛ لكونه اقتصرَ على قوله عن الأعرج، مثل حديث أبي هريرة. ويُستفاد منه أيضًا احتمال المغايرة بين الرِّوايتين في السِّياق لقوله مثله أو نحوه وهو كذلك فبين الرِّوايتين مغايرةٌ في مواضع.

قال القرطبي في قصَّة سليمان عليه السلام أنَّ النَّبي يعاتب على ما لا يعاتب عليه غيره، فإنَّه لإغفاله قول إن شاء الله، تأخَّر عنه مطلوبه الَّذي همَّ به، وغلب على ظنِّه حصوله حتَّى حلف على أنَّه يقع. وفيه اتِّخاذ الملك الوزير اللَّبيب النَّاصح الَّذي يذكره إذا نسي. وفيه جواز قول لو، وأنَّ النَّهي الوارد عنها محلُّه فيما إذا وقع بها اعتراض على المقدور، أو اعتماد على الأسباب وحدها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( لو استثنى ) ).

وقد مضى الحديث بغير هذا الطريق في «الجهاد» ، في باب «من طلب الولد للجهاد» [خ¦2819] ، وفيه وقال اللَّيث حدَّثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرَّحمن بن هُرمز سمعتُ أبا هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( قال سليمان بن داود

ج 28 ص 203

لأطوفنَّ اللَّيلة على مائة امرأةٍ، أو تسع وتسعين )) الحديث.

[1] في فتح الباري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت