6721 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء، السَّعدي، مات سنة أربع وأربعين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المعروف بابن عليَّة، اسم أمه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنِ الْقَاسِمِ) هو ابنُ عاصم (التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم (الْجَرْمِيِّ) بفتح الجيم وسكون الراء، أنَّه (قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) والحي _ بالفتح _، وفي رواية أبي ذرٍّ بالكسر، وفي رواية الكُشميهني فزاد الضَّمير وقدَّمه على ما يعود عليه.
قال الكرماني كان حقُّ العبارة أن يقول بيننا وبينه؛ أي أبي موسى؛ لأنَّ زهدمًا من جرم، فلو كان من الأشعريِّين لاستقام الكلام. قال وقد تقدَّم على الصَّواب في باب «لا تحلفوا بآبائكم [خ¦6649] » حيث قال كان بين هذا الحيِّ وبين الأشعريين ودٌّ، ثمَّ قال لعلَّه جعلَ نفسه من أتباع أبي موسى كواحدٍ من الأشاعرة، وأراد بقوله «بيننا» أبا موسى وأتباعه الحقيقة والادعائيَّة، وكأنَّه مولى لم يكن من العرب الخلص.
(إِخَاءٌ) بكسر الهمزة وبالخاء المعجمة والمد؛ أي صداقةٌ (وَمَعْرُوفٌ) أي برٌّ وإحسانٌ، وسبب ذلك أنَّه لمَّا قدم أبو موسى الكوفة أكرم هذا الحيَّ من جَرْم (قَالَ) أي زهدم (فَقُدِّمَ طَعَامٌ) هكذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره ؛ أي طعام أبي موسى؛ أي وضع بين يديه، ومضى في باب «قدوم الأشعريين» [خ¦4385] بلفظ (( وهو يتغدَّى لحم دجاج ) ).
ويُستفاد من الحديث جواز أكل الطَّيِّبات على الموائد، واستخدام الكبير من يُباشر له نقل طعامه ووضعه بين يديه.
ج 28 ص 204
قال القرطبي ولا يناقض ذلك الزُّهد، ولا يُنقصُه خلافًا لبعض المتقشِّفة. قال الحافظ العسقلاني والجواز ظاهرٌ، وأمَّا كونه لا ينقص الزُّهد ففيه وقفةٌ.
(وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ) هو اسمُ جنسٍ، وقيل يُقال للذَّكر، وزعم الدَّاودي أنَّه يُقال للذَّكر والأنثى، واستغربه ابن التِّين (قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ) هو اسمُ قبيلةٍ من قُضاعة، ويُقال لهم أيضًا تيم اللَّات (أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى) قال الحافظ العسقلاني في «المقدمة» لم أعرف اسمه، وقد قيل إنَّه زَهْدم الرَّاوي، وتقدَّم في «فرض الخمس» [خ¦3133] كأنَّه من الموالي. قال الدَّاودي يعني أنَّه من سبي الرُّوم، كذا قال، فإن كان اطَّلع على نقلٍ [في] ذلك، وإلَّا فلا اختصاص لذلك بالرُّوم دون الفرس، أو النَّبط، أو الدَّيلم.
(قَالَ فَلَمْ يَدْنُ) أي لم يقرب من الطَّعام فيأكل منه، زاد عبد الوارث في روايته في «الذَّبائح» [خ¦5518] (( فلم يَدْن من طعامه ) ) (فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريُّ (ادْنُ) بصيغة فعل الأمر؛ أي أقرب من دنا يدنو، وفي رواية عبد السَّلام (( هلمَّ ) )في الموضعين، وهو يرجعُ إلى معنى ادنُ، وكذا في رواية حمَّاد عن أيوب. ولمسلم من هذا الوجه (( فقال له هلم فتلكَّأ ) )بمثناة ولام مفتوحة وتشديد الكاف؛ أي تَمنَّع، أو توقَّف، وزنًا ومعنى.
(فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ) أي من جنس الدَّجاج (قَالَ) أي الرَّجل (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) قذرًا (فَقَذِرْتُهُ) ويُروى بدون الفاء بكسر الذال المعجمة؛ أي كرهته (فَحَلَفْتُ أَنْ لاَ أَطْعَمَهُ أَبَدًا. فَقَالَ) وفي نسخة أي أبو موسى للرَّجل (ادْنُ أُخْبِرْكَ) بضم الهمزة والجزم؛ لأنَّه جواب الأمر (عَنْ ذَلِكَ) أي عن الطَّريق في حلِّ اليمين (أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ) أي نطلب منه ما نركبُه لغزوة العسرة. ووقع عند مسلمٍ من طريق أبي السَّلِيل _ بفتح المهملة ولامين الأولى مكسورة _، عن زَهْدم عن أبي موسى (( كنَّا مشاةً فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نستحمله ) ).
(وَهْوَ يُقْسِمُ نَعَمًا) بفتح النون والعين المهملة (مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، قَالَ أَيُّوبُ) هو السَّختياني، أحدُ الرواة
ج 28 ص 205
بالسَّند السَّابق (أَحْسِبُهُ) أي أحسب القاسم التَّميمي (قَالَ وَهْوَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (غَضْبَانُ، قَالَ وَاللَّهِ لاَ أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) زاد الكُشميهني قال القرطبي فيه جواز اليمين عند المنع، وردُّ السَّائل الملحف عند تعذُّر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول.
(قالَ) أي أبو موسى (فَانْطَلَقْنَا، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ) بفتح النون وسكون الهاء بعدها موحدة بإضافة نهب إلى إبل؛ أي غنيمة. وفي رواية أبي بُرْدة (( أنَّه صلى الله عليه وسلم ابتاع الإبل التي حملهم عليها من سعدٍ ) )فيُجمع باحتمال أن تكون الغنيمة لما حصلت حصل لسعدٍ منها ذلك فاشتراهُ منه صلى الله عليه وسلم وحملهم عليه.
(فَقَالَ) وفي رواية (أَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَشْعَرِيُّون، أَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَشْعَرِيُّون) بالتِّكرار مرتين في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية بُرَيْد [خ¦4415] (( فلم ألبث إلَّا سُوَيعةً، إذ سمعتُ بلالًا يُنادي أين عبد الله بن قيس، فأجبته، فقال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك ) ).
(فَأَتَيْنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ) بالإضافة، وفي «المغازي» [خ¦4415] (( بستة أبعرة ) )ولا منافاة، إذ ذكر القليل لا ينفي الكثير (غُرِّ الذُّرَى) بضم الذال المعجمة وفتح الراء؛ أي بيض، وذروة كلِّ شيءٍ أعلاه الأسنمة (قَالَ فَانْدَفَعْنَا) أي سِرْنا مسرعين، والدَّفع السَّير بسرعة (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي) وفي رواية حمَّاد وعبد الوهاب (( قلنا ما صنعنا ) )، وفي رواية غيلان عن أبي بُرْدة (( فلما انطلقنا، قال بعضنا لبعض ) ) (أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ، فَحَلَفَ أَنْ لاَ يَحْمِلَنَا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْنَا فَحَمَلَنَا) بفتحات.
(نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنَا) بسكون اللام (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ لاَ نُفْلِحُ أَبَدًا) وفي رواية عبد الوهاب وعبد السلام (( فلمَّا قبضناها، قلنا تغفَّلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه، لا نفلح أبدًا ) ). ومعنى (( تغفَّلنا ) )أخذنا منه ما أعطانا في حال غفلتهِ عن يمينهِ من غير أن نذكِّره بها، ولذلك خشوا، وفي رواية حمَّاد (( فلمَّا انطلقنا قلنا ما صنعنا، لا يُبارَك لنا ) ).
(ارْجِعُوا بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُذَكِّرْهُ يَمِينَهُ) من الإذكار، أو من التَّذكير، ويُروى . وفي رواية بُرَيد من الزِّيادة [خ¦4415] قول أبي موسى لأصحابه (( لا أدعُكم حتَّى ينطلقَ معي بعضُكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )يعني من منعهم أوَّلًا، وإعطائهم ثانيًا.
ج 28 ص 206
قال القرطبيُّ فيه استدراك جبر خاطر السَّائل الَّذي يُؤدَّب على إلحاحه بمطلوبه إذا تيسَّر، وأنَّ من أخذ شيئًا يعلم أنَّ المعطي لم يكن راضيًا بإعطائه لا يُبارَك له.
(فَرَجَعْنَا) إليه (فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَنْ لاَ تَحْمِلَنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، فَظَنَنَّا _ أَوْ فَعَرَفْنَا _) بالشَّكِّ من الرَّاوي (أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ) وفي رواية أبي يعلى من طريق مَطَر عن زَهْدم فكرهنا أن ننسيكها فقال (( والله ما نسيتها ) ). وأخرجه مسلمٌ عن الشَّيخ الَّذي أخرجه عنه أبو يعلى، ولم يسق منه إلَّا قوله قال (( والله ما نسيتها ) ) (قَالَ انْطَلِقُوا، فَإِنَّمَا حَمَلَكُمُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ وفي رواية حمَّاد قال (( لست أنا أحملكم، ولكنَّ الله حملكم ) ).
وفيه إزالة المنَّة عنهم، وإضافة النِّعمة لمالكها الأصلي، ولم يُرِد أنَّه لا صُنْع له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أراد ذلك ما قال (إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي على محلوف يمينٍ، فأطلق عليه لفظ يمين للملابسة.
المراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، فهو من مجازِ الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تضمين، فقد وقع في رواية لمسلم (( على أمر ) )ويحتمل أن يكون على بمعنى الباء؛ فقد وقع في رواية النِّسائي (( إذا حلفت بيمين ) ). ورجَّح الأوَّل بقوله (( فأرى غيرها خيرًا منها ) )؛ لأنَّ الضَّمير في غيرها لا يصحُّ عوده على اليمين. وأُجيب بأنَّه يعود على معناها المجازي للملابسة أيضًا.
وقال ابنُ الأثير في «النِّهاية» الحلف هو اليمين، فقوله (( أحلف ) )أي أعقد شيئًا بالعزم والنِّيَّة، وقوله (( على يمين ) )تأكيدٌ لعقده، وإعلامٌ بأنَّه ليست لغوًا. وفي «شرح المشكاة» ويؤيِّده في رواية النَّسائي (( ما على الأرض يمينٌ أحلف عليها ) )الحديث، قال فقوله (( أحلفُ عليها ) )صفةٌ مؤكِّدةٌ لليمين. قال والمعنى لا أحلف يمينًا جزمًا لا لغو فيه، ثمَّ يظهر لي أمرٌ آخر يكون فعله أفضل من المضيِّ في اليمين المذكورة إلَّا فعلته وكفَّرت عن يميني. قال فعلى هذا يكون قوله (( على يمين ) )مصدرًا مؤكِّدًا لقوله (( أحلف ) ).
(إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا) أي كفَّرتها، كذا في رواية حمَّاد وعبد الوارث وعبد الوهاب كلُّهم عن أيُّوب، ولم يذكر في رواية
ج 28 ص 207
عبد السلام (( وتحللتها ) )، وكذا لم يذكرها أبو السَّليل عن زَهْدم عند مسلم. ووقع في رواية غيلان عن أبي بُرْدة (( إلَّا كفَّرت عن يميني ) )بدل (( وتحللتها ) )، وهو يرجِّح أحدُ احتمالين أبداهما ابنُ دقيق العيد.
ثانيهما إتيان ما يقتضي الحنث، فإنَّ التَّحلُّل يقتضِي سبق العقد، والعقد هو ما يدلُّ عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التَّحلُّل الإتيان بخلاف مقتضاها.
لكن يلزم على هذا أن يكون فيه تكرارٌ لوجود قوله (( أتيت الذي هو خير ) ) [فإن إتيان الذي هو خير تحصل به مخالفة اليمين، والتحلل منها، لكن أن تكون فائدته التصريح] بالتَّحلل، وذكره بلفظ يُناسب الجواز صريحًا؛ ليكون أبلغ ممَّا لو ذكره بالاستلزام، وقد يُقال إنَّ الثَّاني أقوى؛ لأنَّ التَّأسيس أولى من التَّأكيد. وقيل معنى (( تحلَّلتها ) )خرجت من حرمتها إلى ما يحلُّ منها، وذلك يكون بالكفَّارة. وقد يكون بالاستثناء بشرطه السَّابق، لكن لا يتَّجه في هذه القصَّة إلَّا إن كان وقع منه استثناءٌ لم يشعروا به، كأن يكون قال إن شاء الله مثلًا، أو قال والله لا أحملكم إلَّا إن حصل شيءٌ. ولذلك قال (( ما عندي ما أحملكم عليه ) ).
قال المازري معنى قوله (( إنَّ الله حملكم ) )إنَّ الله أعطاني ما حملتكُم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما حملتكم عليه، وقيل إنَّه يحتمل أن يكون نسيَ يمينه، والنَّاسي لا يضاف إليه الفعل، ويردُّه التَّصريح بقوله (( والله ما نسيتها ) )وهي عند مسلم كما مرَّ. وقيل المراد بالنَّفي عنه والإثبات لله الإشارة إلى ما تفضَّل الله به من الغنيمة المذكورة؛ لأنَّها لم تكن بتسبُّبٍ من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان متطلِّعًا إليها، ولا منتظرًا لها، وكأنَّ المعنى ما أنا حملتكُم لعدم ذلك، ولكنَّ الله حملكُم بما ساق إلينا من تلك الغنيمة.
تتميم اختلف هل كَفَّر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن يمينهِ المذكورة، كما اختُلف في قصَّة حلفهِ على شرب العسل، أو على غشيان مارية. فروي عن الحسن البصري أنَّه قال لم يُكفِّر؛ لأنَّه مغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين؛ تعليمًا للأمَّة. وتُعُقِّب بما أخرجه التِّرمذي من حديث
ج 28 ص 208
عمر رضي الله عنه في قصَّة حلفه على العسل أو مارية فعاتبه الله عزَّ وجلَّ، وجعل له كفَّارة يمين.
وهذا ظاهرٌ في أنَّه كَفَّر، وإن كان ليس نصًّا في ردِّ ما ادَّعاه الحسن، وظاهر قوله أيضًا في حديث الباب (( كفَّرت عن يميني ) )أنَّه لا يترك، ودعوى أنَّ ذلك كلَّه للتَّشريع بعيدٌ، والله تعالى أعلم.
وفي «تفسير القرطبي» عن زيد بن أسلم أنَّه صلى الله عليه وسلم كفَّر بعتق رقبة. وعن مقاتل أنَّه صلى الله عليه وسلم أعتقَ رقبة في تحريم مارية. وقد اختلف لفظ الحديث، فقدم لفظ الكفَّارة مرةً، وأخرها أخرى، لكن بحرف الواو الَّذي لا يوجب ترتيبًا. نعم، ورد في بعض الطُّرق بلفظ (( ثم ) )الَّذي يقتضي التَّرتيب عند أبي داود، والنَّسائي في حديث الباب. فلفظ أبي داود من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن (( فكفِّر عن يمينك، ثمَّ ائتِ الذي هو خير ) ). وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند الحاكم بلفظ (( ثم ) ). وفي حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها عند الطَّبراني نحوه، ولفظه (( فليكفِّر عن يمينه، ثمَّ ليفعل الذي هو خير ) ). وإذا علم هذا؛ فليعلم أنَّ للكفَّارة ثلاث حالات
إحداها قبل الحلف، فلا تجزئ اتِّفاقًا. ثانيتها بعد الحلف والحنث، فتجزئ اتِّفاقًا. ثالثتها بعد الحلف وقبل الحنث. فاختُلف فيها فقال مالكٌ وسائر فقهاء الأمصار إلَّا أبو حنيفة تجزئُ قبله، لكن استثنى الشَّافعي الصِّيام، فقال لا يجزئ إلَّا بعد الحنث؛ لأنَّ الصِّيام من حقوقِ الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصَّلاة بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنَّها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمها كالزكاة.
واحتجَّ للحنفيَّة بأنَّها لما لم تجب؛ صارت كالتَّطوُّع، والتَّطوع لا يُجزئُ عن الواجب، وبقوله تعالى {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة 89] ، فإن تقديره إذا حلفتُم، فحنثتُم. أجاب المخالفون بأنَّ التَّقدير فإذا أردتُم الحنث.
والخلاف كما قال القاضي عياض مبنيٌّ على أنَّ الكفَّارة لحلِّ اليمين، أو لتكفيرِ مأثمها بالحنث؟ فعند الجمهور إنَّها رخصةٌ شرعها الله تعالى لحلِّ ما عقد من اليمين، فلذلك تجزئُ قبل وبعد. نعم،
ج 28 ص 209
استحبَّ مالك والشَّافعي تأخيرها.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( وبعده ) )أي وبعد الحنث. ولم يذكر شيئًا في هذا الباب يدلُّ على أنَّ الكفارة قبل الحنث أيضًا، فكأنَّه اكتفى بما ذكره قبل هذا الباب [خ¦6719] عن أبي النُّعمان عن حماد، وقد مرَّ الحديث في مواضع كثيرة في «فرض الخمس» [خ¦3133] ، و «المغازي» [خ¦4385] ، و «الذبائح» [خ¦5517] ، وسيأتي في «التوحيد» إن شاء الله تعالى [خ¦7555] .
(تَابَعَهُ) أي تابع إسماعيل بن إبراهيم الذي يُقال له ابنُ عليَّة (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) مرفوع بالفاعلية، في روايته (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد الجَرْمي (وَالْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ الْكُلَيْبِيِّ) بضم الكاف وفتح اللام وسكون التحتية وبالموحدة، نسبة إلى كليب بن حبشية في خزاعة، وإلى كليب بن وائل في تغلب، وإلى كليب بن يَرْبوع في تميم، وإلى كليب بن ربيعة في تميم، والقاسم مجرورٌ؛ لأنَّه عطفٌ على أبي قلابة؛ يعني أنَّ أيوب روى عنهما جميعًا.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) الجَرْمي (وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) أي بجميع الحديث. قال الكرماني إنَّما أتى بلفظ «تابعه» أولًا، وبحدَّثنا ثانيًا وثالثًا؛ إشارةً إلى أنَّ الآخرين حدَّثاه بالاستقلال، والأوَّل مع غيره بأن قال هو كذلك، أو صدقه، أو نحوه، والأوَّل يحتملُ التَّعليق بخلافهما، انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني لم يظهر لي معنى قوله مع غيره، وقوله يحتملُ التَّعليق؛ يستلزم أنَّه يحتمل عدم التَّعليق، وليس كذلك، بل هو في حكم التَّعليق؛ لأنَّ البخاري لم يدرك حمَّادًا.
وتعقَّبه العيني بأنَّه لا يحتاجُ إلى هذا الكلام، بل هذه المتابعة وقعت في الرِّواية عن القاسم، ولكن حمَّادًا ضم إليه أبا قلابة، فافهم.
وقد وصل المصنِّف متابعة حمَّاد بن زيد في «فرضِ الخمس» [خ¦3133] . وقد ساق المصنِّف رواية قُتيبة هذه في باب (( لا تحلفوا بآبائكم ) ) [خ¦6649] تامَّةً، وقد ساقَها أيضًا في كتاب «التَّوحيد» عن عبد الله بن عبد الوهاب [خ¦7555] .
(حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، هو عبدُ الله بن عَمرو بن الحجاج التَّميمي المقعد البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ)
ج 28 ص 210
قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنِ الْقَاسِمِ) التَّميمي (عَنْ زَهْدَمٍ بِهَذَا) أي بهذا الحديث السَّابق، وقد تقدَّم سياق روايته في كتاب «الذَّبائح» [خ¦5518] . وفي الحديث غير ما تقدَّم ترجيح الحنث في اليمين إذا كان خيرًا من التَّمادي، وإن تعمُّد الحنث في ذلك يكون طاعةً لا معصيةً، وجواز الحلف من غير استحلافٍ لتأكيدِ الخبر، ولو كان مستقبلًّا، وهو يقتضِي المبالغة في ترجيحِ الحنث بشرطه المذكور.
وفيه تطييب قلوب الأتباع. وفيه الاستثناء بإن شاء الله تبرُّكًا، فإن قصد بها حلَّ اليمين؛ صحَّ بشرطه المتقدم.