فهرس الكتاب

الصفحة 9977 من 11127

6729 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَقْتَسِمُ) بتحتية ثم فوقية مفتوحتين بينهما قاف ساكنة، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن غير الكُشميهني، وفي رواية الباقين بإسقاط الفوقية وهو برفع الميم على أنَّه نفي.

وقال ابن التِّين كذلك قرأته في البخاريِّ، وكذلك في «الموطأ» ، ورواه بعضهم بالجزم كأنَّه نهاهم إن خلَّف شيئًا لا يُقْسَم بعده. فإن قيل يعارضه ما تقدَّم في «الوصايا» من حديث عَمرو بن الحارث الخزاعي (( ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ) ) [خ¦2739] . قيل نهاهم هنا عن القسمة على غير قطعٍ بأنَّه لا يخلف دينارًا ولا درهمًا؛ لأنَّه يجوز أن يملك ذلك قبل موته، ولكنَّه نهاه عن قسمته، وفي حديث الخزاعيِّ المعنى ما ترك دينارًا ولا درهمًا لأجل القسمة للإرث، فيتَّحد معناهما.

ويُستفادُ من رواية الرَّفع أنَّه لا يُخلِّف شيئًا

ج 28 ص 232

ممَّا جرت به العادة بقسمته كالذَّهب والفضَّة، وأن الَّذي يُخلِّفه من غيرهما لا يُقْسم أيضًا بطريق الإرث، بل تُقسم منافعه لمن ذُكر.

(وَرَثَتِي) أي بالقوَّة لو كنت ممَّن يورث، أو المراد لا يُقْسم مال تركتهِ لجهة الإرث، فأتى بلفظ «ورثتي» ؛ ليكون الحكم معللًا بمادَّة الاشتقاق، وهو الإرثُ فظهر أنَّ المنفي هو الاقتسامُ بطريق الإرث، قاله الشَّيخ تقي الدِّين السُّبكي الكبير.

(مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي) يريد أنَّه يُؤخذ نفقة نسائه؛ لأنَّهنَّ محبوساتٌ عنده محرَّمات على غيره بنصِّ القرآن، ويدخل فيه كسوتهنَّ، وسائر اللَّوازم، ومن ثمَّة استمرَّت المساكن التي كنَّ فيها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم كلُّ واحدٍ باسم التي كانت فيه، قاله السُّبكي (وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) هو القائمُ على الصَّدقات والنَّاظر فيها، وقيل كلُّ عاملٍ للمسلمين من خليفةٍ وغيره؛ لأنَّه عامل للنَّبي صلى الله عليه وسلم ونائب عنه في أمَّته، وقيل خادمه صلى الله عليه وسلم، وقيل حافر قبرهِ صلى الله عليه وسلم، وقيل الأجير.

(فَهْوَ صَدَقَةٌ) أي فالمتروك صدقةٌ، والصَّدقة لا تحلُّ لآله، فإن قيل ما وجه تخصيصِ النِّساء بالنَّفقة والعامل بالمؤنة، وهل بينهما مغايرة؟ فالجواب ما قاله السُّبكي من أنَّ المؤنة في اللُّغة القيام بالكفاية، والإنفاق بذل القوت. قال وهذا يقتضي أنَّ النَّفقة دون المؤنة، والسِّرُّ في التَّخصيص المذكور الإشارة إلى أنَّ أزواجه صلى الله عليه وسلم لما اخترنَ الله ورسوله والدَّار الآخرة كان لا بدَّ لهنَّ من القوت، فاقتصر على ما يدلُّ عليه، والعامل لما كان في صورة الأجير، فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدلُّ عليه. انتهى ملخصًا.

وممَّا يستفادُ من الحديث جواز الوقف، وأن يجري بعد الوفاة كالحياة، فلا يباعُ ولا يملك كما حكم الشَّارع فيما أفاء الله عليه بأنَّه لا يُورث، ولكن يصرف لما ذكره، والباقي لمصالح المسلمين، وهاهنا قد أساء الأدب صاحب «التَّوضيح» [1] حيث يقول ويبيِّن؛ أي الحديث المذكور فساد قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال العينيُّ الفساد قول من لا يدرك مدارك الأمور، فأبو حنيفة

ج 28 ص 233

لم ينفرد ببطلان الوقف، ولا قاله برأيه. وهذا شريحٌ قال جاء محمَّد يبيع الحبس، ولأنَّ الملك فيه باقٍ، ولأنَّه تصدَّق بالغلَّة أو بالمنفعة المعدومة وهو غير جائزٍ إلَّا في الوصية.

وفي الحديث دلالةٌ على صحَّة وقف المنقولات، وأنَّ الوقف لا يختصُّ بالعقار؛ لعموم قوله (( ما تركت بعد نفقة نسائي ... ) )إلى آخره.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في «الخمس» [خ¦3096] ، و «الوصايا» [خ¦2776] .

[1] في هامش الأصل ابن الملقن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت