6728 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكير _ بضم الموحدة، مصغَّر بكر _ المصري، نسبه لجدِّه، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف هو ابنُ خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتح الحاء المهملة والدال المهملة وبالثاء المثلثة، قال ابن شهاب(وَكَانَ
ج 28 ص 228
مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي مِنْ حَدِيثِهِ)أي من حديث مالك بن أوس (ذَلِكَ) أي الآتي ذكره (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي على مالك بن أوس حتَّى أسمع منه بلا واسطةٍ (فَسَأَلْتُهُ) عن ذلك الحديث.
(فَقَالَ انْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (فَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَئ) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الفاء مهموزًا وغير مهموز ورسم بالتحتية خطأ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالألف بدل التحتية بغير همزٍ في «الفرع» كأصله. وقال العينيُّ كالكرماني بالهمز وغيره، وقال الحافظُ العسقلاني وبالهمز روايتنا من طريق أبي ذرٍّ.
(فَقَالَ) له (هَلْ لَكَ) أي رغبة (فِي) دخول (عُثْمَانَ) أي ابن عفَّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ (وَالزُّبَيْرِ) أي ابن العوام (وَسَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن أبي وقَّاصٍ، وزاد النَّسائي على الأربعة طلحة بن عبيد الله (قالَ نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا فسلَّموا وجلسوا (ثُمَّ قَالَ) أي يرفأ له رضي الله عنه (هَلْ لَكَ) رغبةٌ (فِي عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ (وَعَبَّاسٍ) أي ابن عبد المطَّلب (قالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا) فدخلا فسلَّما وجالسا (قَالَ عَبَّاسٌ) لعمر (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) أي علي رضي الله عنه، زاد في «الخمس» [خ¦.3094] (( وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من بني النَّضير، فقال الرَّهط عثمان وأصحابه يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما عن الآخر ) ).
(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضم الشين؛ أي أسألكم (بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤسكم بلا عمدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ) الزَّكية وسائر الأنبياء عليهم السَّلام؛ لقوله في الحديث الآخر (( إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ) )فليس ذلك من الخصائص. وقيل إنَّ قول عمر رضي الله عنه يريد نفسه، أشار به إلى أنَّ النُّون في قوله (( نورث ) )للمتكلِّم خاصَّة لا للجميع، وأمَّا ما اشتُهرَ في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) )فقد أنكره جماعةٌ من الأئمَّة، وهو كذلك بالنِّسبة لخصوص «نحن» ، لكن أخرجه النَّسائي من طريق ابن عُيينة عن أبي الزِّناد بلفظ (( إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ) )وهو كذلك في «مسند الحميدي» عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه.
وأورده الهيثم بن كُليب في «مسنده» من حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه باللفظ المذكور، وحكى ابن عبد البرِّ أنَّ للعلماء في ذلك قولين، وأنَّ الأكثر على أنَّ الأنبياء لا يورثون.
وأخرج الطَّبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} [مريم 5] قال العصبة، وفي قوله فَهَبْ لِي مِنْ
ج 28 ص 229
لَدُنْكَ وَلِيًّا*يَرِثُنِي [مريم 5 - 6] قال يرث مالي {وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ} [مريم 6] النُّبوة، ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه، لكن لم يذكر المال، ومن طريق مبارك بن فَضَالة عن الحسن رفعه مرسلًا (( رحمَ الله أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله ) ).
قال الحافظُ العسقلاني وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا معارض من القرآن؛ لقول نبيِّنا صلى الله عليه وسلم (( لا نورث ما تركنا صدقةً ) )، فيكون ذلك من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم أُكرم بها، بل قول عمر رضي الله عنه يريد نفسه [يؤيد] اختصاصه بذلك. وأمَّا عموم قوله تعالى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء 11] إلى آخره. فأُجيب عنه بأنَّها عامَّة فيمن ترك شيئًا كان يملكه، وإذا ثبت أنَّه وقفه قبل موته، فلم يُخلِّف ما يورث عنه فلم يورث، وعلى تقدير أنَّه خلَّف شيئًا ممَّا كان يملكه فدخوله في الخطاب قابلٌ للتَّخصيص لما عُرف من كثرة خصائصهِ، وقد اشتُهر عنه أنَّه لا يورث فظهرَ تخصيصُه بذلك قبل النَّاس. وقيل في الحكمة في قوله (( لا نورث ) )حسم المادَّة عن تمنِّي الوارث موت المورث من أجل المال، وقيل لكون النَّبي كالأب لأمَّته، فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصَّدقة العامة، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه رضي الله عنهم (قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَقَالَ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ؟) أي لا نورث ما تركنا صدقةً (قَالاَ قَدْ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ، قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللَّهَ) تعالى (قَدْ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فِي هَذَا الْفَيْءِ) أي الغنيمة (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) حيث خصَّ الفيء كلَّه برسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل أي حيث حلَّل الغنيمة له ولم تحلَّ لغيره من الأنبياء عليهم السَّلام.
(فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} إِلَى قَوْلِهِ {قَدِيرٌ} [الحشر 6] . فَكَانَتْ) بنو النَّضير وخيبر وفدك (خَالِصَةً) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي والكُشميهني
ج 28 ص 230
(لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره.
(وَاللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (مَا احْتَازَهَا) بالحاء المهملة وبالزاي المفتوحة، من الحيازة؛ أي ما جمعها لنفسه (دُونَكُمْ وَلاَ اسْتَأْثَرَ) أي ولا استبدَّ وتفرَّد (بِهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهُ) أي الفيء والمال، وفي رواية الكُشميهني ؛ أي أموال الفيء (وَبَثَّهَا) بالموحدة والثاء المثلثة، فرَّقها فيكم (حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ) الَّذي تطلبان حصَّتكما منه.
(فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيُجْعَلُ [1] مَجْعَلَ) بفتح الميم والعين بينهما جيم ساكنة (مَالِ اللَّهِ) أي الموضع الَّذي جعل مال الله في جهة مصالح المسلمين (فَفَعَلَ بِذَاكَ) بغير لام، وفي رواية أبي ذرٍّ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ) بحرف الجر (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا) أي عثمان وأصحابه رضي الله عنهم (نَعَمْ) فعله (ثُمَّ قَالَ) عمر رضي الله عنه (لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالاَ نَعَمْ) قال عمر رضي الله عنه
(فَتَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهَا) أي الخالصة (فَعَمِلَ) فيها [2] (بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيها (ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ وَلِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ أَعْمَلُ فِيهَا مَا) بغير موحَّدة (عَمِلَ) فيها (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ) أي تتَّفقان لا نزاع بينكما (وَأَمْرُكُمَا جَمْعٌ) وفي رواية صحيحةٍ (جِئْتَنِي) يا عبَّاس (تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) صلى الله عليه وسلم.
(وَأَتَانِي هَذَا) أي عليٌّ رضي الله عنه (يَسْأَلُنِي نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) فاطمة رضي الله عنها (مِنْ أَبِيهَا) صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ) لكما (إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ) أي بأن تعملا فيها كما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ رضي الله عنه؛ أي فدفعتها إليكما بهذا الوجه، فاليوم جئتما وتسألان منِّي قضاء غير ذلك.
ج 28 ص 231
وهو معنى قوله (فَتَلْتَمِسَانِ) بحذف أداة الاستفهام؛ أي أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ الَّذِي) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لاَ أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا) عنها (فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ) بتشديد الياء (فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهَا) .
فإن قيل إذا كان علي وعبَّاس رضي الله عنهما أخذاها على الشَّرط المذكور، فكيف يطلبان بعد ذلك من عمر رضي الله عنه؟. فالجواب أنَّهما اعتقدا أنَّ عموم قوله (( لا نورث ) )مخصوصٌ ببعض ما يخلفه.
وأمَّا مخاصمتهما فلم تكن في الميراث، بل طلبا أن تقسم بينهما؛ ليستقلَّ كلٌّ منهما بالتَّصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ القسمة إنَّما تقعُ في الأملاك، وربَّما تطاول الزَّمان فيظنُّ أنَّه ملكهما، قاله الكرماني.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( لا نورث ما تركنا صدقةً ) )، وقد مضى الحديث في باب «فرض الخمس» [خ¦3094] بأطول منه.
[1] كذا في المخطوط، والرواية (فيجعله) والله أعلم.
[2] في هامش الأصل في نسخة بها.