فهرس الكتاب

الصفحة 10059 من 11127

6778 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) الحَجَبي البصري، قال (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) أي ابن عبيد بن سالم الهُجَيْمِي البصري، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري، قال (حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، قال (سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ) بضم العين وفتح الميم في الأول، وكسر العين في الثاني وبالياء بعدها (النَّخَعِيَّ) وهو تابعيٌّ كبيرٌ ثقةٌ، مات سنة خمس عشرة ومئة.

(قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ مَا كُنْتُ لأُقِيمَ) اللام فيه مكسورة لتأكيد النَّفي كما في قوله تعالى {مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة 143] ، وأُقِيْم منصوب بأن المقدرة فيه (حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ) مسبب من أُقِيْم (فَأَجِدَ فِي نَفْسِي) أي فأحزن عليه، وهو مسببٌ عن مجموع السَّبب والمسبب معًا، والفعلان بالنَّصب على ما في الفرع، ونصَّ عليه الحافظ العسقلاني، وقال الكرماني فيموت بالنصب فأجد بالرفع.

(إِلاَّ صَاحِبَ الْخَمْرِ) أي شاربها الاستثناء منقطعٌ؛

ج 28 ص 335

أي لكن أجد من صاحب الخمر إذا مات شيئًا، ويجوز أن يكون التَّقدير ما أجد من موت أحدٍ يقام عليه الحدُّ شيئًا إلَّا من موت صاحب الخمر فيكون متصلًا (فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ) بتخفيف الدال المهملة، من ودى يدي دية، أصله ودية؛ أي أعطيت ديته وغرمتها لمن يستحقُّها.

وعند النَّسائي وابن ماجه من رواية الشَّعبي عن عُمير بن سعيدٍ قال سمعت عليًّا رضي الله عنه يقول «من أقمنا عليه حدًّا، فمات فلا ديةَ له إلَّا من ضربناه في الخمر» .

وقال في «المصابيح» فإن قلت لا شكَّ أنَّ الاستثناء المتقدِّم متَّصل، وحُكْمُه نقيضُ الحكم الثَّابت للمستثنى منه ضرورة أنَّ الاستثناءَ من النَّفي إثبات وبالعكسِ، وحكم المستثنى منه عدم الوجدان في النَّفس، والثَّابت للمستثنى كونه يؤدَّى، وليس نقيضًا للأوَّل.

وأجاب بأنَّه يلزم من القيام بديتهِ ثبوت الوجدان في النَّفس من أمره، ولذلك يديهِ على تقدير موته، فهو حينئذٍ جارٍ على القاعدة، والمعنى فإنَّه لو مات وجدتُ في نفسي منه فوديته، فحَذَفَ السَّببَ وأَقام المُسبَّبَ مقامهَ.

(وَذَلِكَ) إشارةً إلى قوله ما كنت لأقيم إلى آخره (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ) أي لم يُقَدِّر فيه حدًّا مضبوطًا، وفي رواية ابن ماجه فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنَّ فيه شيئًا إنَّما هو شيءٌ جعلناه نحن.

فإن قيل روي حدَّثنا ابن أبي داود، قال حدثنا مسدَّد بن مسرهد، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن الدَّانَاج، عن حصين بن المنذر الرَّقاشي أبي سَاسَان، عن عليٍّ رضي الله عنه قال «جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين، وأبو بكرٍ رضي الله عنه أربعين، وكَمَّلَها عمرُ رضي الله عنه ثمانين وكلٌّ سنةٍ» ، وأخرجه أبو داود عن مسدَّد نحوه؛ أي كلُّ واحدٍ من الأربعين والثَّمانين سنةً.

قال الخطَّابي يقول إنَّ الأربعين سنةً قد عَمِلَ بها عمر رضي الله عنه في زمانه.

فالجواب أنَّه لمَّا روى الطَّحاوي هذا قال ذهب قومٌ إلى أنَّ الحدَّ الَّذي يجب على شاربِ الخمر هو أربعون، واحتجُّوا

ج 28 ص 336

بهذا الحديث.

ثمَّ قال وخالفهم آخرون في ذلك فادَّعوا فساد هذا الحديث، وأنكروا أن يكون عليٌّ رضي الله عنه قال من ذلك شيئًا؛ لأنَّه قد روي عنه ما يخالف ذلك ويَدْفَعُه، ثمَّ روى حديثَ عُمير بن سعيدٍ عنه الَّذي مضى الآن.

وأطالَ الكلامَ في دَفْع هذا الحديثِ الَّذي رواه الدَّانَاج عن حصين عنه، وقال غيره حديث الدَّاناج غير صحيحٍ؛ لأنَّ حديثَ البخاريِّ أعني المذكور هنا يردُّه ويخالفه، وفي قول عليٍّ رضي الله عنه ما كنت لأقيم حدًّا إلى آخره حجَّة لمن قال لا قودَ على أحدٍ إذا مات المحدود في الضَّرب.

وقال الحنفيَّة لا ديةَ فيه على الإمام، ولا على بيت المال، ولا على جلاده، فيمن وجب عليه حدٌّ، فجلده الإمام أو جلاده ولا كفَّارة فيه أيضًا، وعليه الجمهور إلَّا في حدِّ الخمر، فعن عليٍّ ما تقدَّم، ولكنَّهم اختلفوا فيمن مات من التَّعزير، فقال الشَّافعي عقله على عاقلة الإمام، وعليه الكفَّارة، وقيل على بيت المال، وجمهور العلماء على أنَّه لا يجب شيءٌ على أحد.

وفي «التَّوضيح» اختلف إذا مات في ضربه على أقوال فقال مالكٌ والشَّافعي لا ضمان على الإمام والحقُّ قَتْلُه، وقال الشَّافعي إن مات المحدود، وكان ضَرْبُه بغير السَّوط بأطراف الثِّياب والنِّعال لا يَضْمَنُ الإمامُ قولًا واحدًا، وإن ضَرِبَ بالسَّوط ضَمِنَ، وفي صفة ما يضمن وجهان أحدهما جميع الدِّية، والثَّاني لا يضمن إلَّا قَدْرَ تفاوت ما بين الجَلْدِ بالسَّوط وبغيره، والدِّية في ذلك على عاقلة الإمام.

وعنه أيضًا إن ضُرِبَ بالنِّعال وأطرافِ الثِّياب ضَرْبًا يحيط العلم أنَّه لا يبلغ أربعين أو يبلغها أو لا يتجاوزها فمات، فالحقُّ قَتْلُه فإن كان كذلك فلا عقل ولا دية ولا كفَّارة على الإمام، وإن ضربه أربعين سوطًا فمات فديته على عاقلة الإمام دون بيت المال.

وقال الطِّيبي ويحتمل أن يراد بقوله لم يَسُنَّه؛ الحد الَّذي يؤدِّي إلى التَّعزير كما في حديث أنسٍ ومشاورة عمر عليًّا رضي الله عنهما، قال وتلخيص المعنى أنَّه إنَّما خاف من سنة سنَّها عمر رضي الله عنه برأي عليٍّ رضي الله عنه لا ما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة في آخر الحديث؛ لأنَّ معنى قوله لم يَسُنَّه، لم يُقَدِّر فيه

ج 28 ص 337

حدًّا مضبوطًا كذا فسَّره النَّووي، وقيل معناه لم يعيِّنْه بِضَرْبِ السِّياط، وهو مطابقٌ للتَّرجمة؛ لأنَّه ليس فيها حدٌّ معلومٌ.

وقد أخرجه مسلمٌ في الحدود، وكذا أبو داود، وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت