فهرس الكتاب

الصفحة 10190 من 11127

6872 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، وزُرَارَة، بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى، هو ابنُ واقدٍ الكلابي النَّيسابوري، وهو شيخ مسلمٍ أيضًا، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي (هُشَيْمٌ) بضم الهاء وفتح الشين المعجمة، هو ابنُ بُشَير، بضم الموحدة وفتح المعجمة، الواسطي.

قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي (حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، هو ابنُ عبد الرحمن الواسطي، من صغار التَّابعين، قال (حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحَّدة وتخفيف التحتية، واسمه حصين أيضًا، وهو ابنُ جندب المُذْحِجِي، بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة بعدها جيم، وهو من كبار التَّابعين.

(قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ) بالمثلَّثة، مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يُحَدِّثُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ) بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف، وهو بطنٌ من جهينة في رمضان سنة سبع أو ثمان. قال ابنُ الكلبي سمُّوا بذلك

ج 28 ص 532

لوقعةٍ كانت بينهم وبين بني مرَّة بن عوف بن سعد بن دينار، فأحرقوهُم بالسِّهام لكثرة من قتلوا منهم، وهذه السَّرية يقال لها سرية غالب بن عبد الله اللَّيثي، وكانت في رمضان سنة سبعٍ، فيما ذكره ابن إسحاق عن شيخه، وكذا ذكر ابن إسحاق في «المغازي» حدَّثني شيخٌ من أسلم عن رجالٍ من قَومه، قالوا بَعَثَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غالبَ بن عبيد الله الكلبي، ثمَّ اللَّيثي، إلى أرض بني مرَّة وبها مرداس بن نَهِيك، بفتح النون وكسر الهاء، حليفٌ لهم من بني الحرقة فقتله أسامة، فبهذا تبيَّن السَّبب في قول أسامة بَعَثْنا إلى الحُرَقات من جُهينة.

والَّذي يظهر أنَّ قصَّةَ الَّذي قَتَلَ ثمَّ مات فدُفِنَ ولفَظَتْه الأرضُ غيرُ قصَّةِ أسامة؛ لأنَّ أسامةَ عاش بعد ذلك دهرًا طويلًا.

وترجم البخاريُّ بعث النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيدٍ إلى الحُرَقَات من جُهينة؛ فجرى الدَّاودي في «شرحه» على ظاهره فقال فيه تأمير من لم يبلغ. وتُعُقِّب من وجهين أحدهما أنَّه ليس فيه تصريحٌ بأَّن أسامة كان الأميرَ؛ إذ يُحْتَمَلُ أن يكون جَعَلَ التَّرجمةَ باسمِه لكونه وقعتْ له تلك الواقعة، لا لكونه كان الأميرَ.

والثَّاني أنَّها إن كانت سنة سَبْعٍ أو ثمان، فما كان أسامة يومئذٍ إلَّا بالغًا، لأنَّهم ذكروا أنَّه كان له لما مات النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمانية عشر عامًا.

(قَالَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ) أي أتيناهم صباحًا بغتة قبل أن يشعروا بنا يقال صبحته؛ أي أتيته صباحًا بغتة، ومنه قوله تعالى {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} [القمر 38] . أي فقاتلناهم (فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ) أي أسامة (وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ العسقلاني لم أقفْ على اسم الأنصاريِّ المذكور هنا (رَجُلًا مِنْهُمْ) قال ابنُ عبد البر اسمُه مرداس بن عَمرو الفدَكي، ويقال مرداس بن نهيك الفزاري، وهو قول الكلبي قتلَه أسامة، وساق القَّصة.

وذكر ابنُ منده أنَّ أبا سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال بعثَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سريةً فيها أسامة إلى بني ضمرة، فذكر قَتْلَ أسامةَ الرَّجلَ.

وقال ابنُ أبي عاصم في «الديات» حدَّثنا يعقوب بن حُميد حدَّثنا يحيى بن سليم، عن هشام بن حسان،

ج 28 ص 533

عن الحسن أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث خيلًا إلى فدك فأغاروا عليهم، وكان مرداس الفَدَكِي قد خَرَجَ من اللَّيل، وقال لأصحابه إنِّي لاحقٌ بمحمَّدٍ وأصحابه فبصر به رجلٌ فحمل عليه فقال إنِّي مؤمنٌ، فقتله فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فهلا شقَقْتَ عن قلبه ) )قال فقال أنس إنَّ قاتل مِرْداسٍ مَاتَ فدَفَنُوه فأصبحَ فوق القبر، فأعادوه فأصبحَ فوق القبر مِرارًا، فذكروا ذلك للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمر أن يُطْرَحَ في وادٍ بين جبلين، ثم قال (( إن الأرض لَتَقْبَلُ من هو شرٌّ منه، ولكنَّ الله وعظكم ) ).

قال الحافظ العسقلاني إن ثبت هذا فهو مرداسٌ آخرُ وقتيلُ أسامةَ لا يُسمَّى مرداسًا.

وقد وقع شاهدًا عند الطَّبري في قَتْلِ مُحَلِّم بن جَثَّامة عامرِ بن الأضبط، وأنَّ مُحَلِّمً ا لما مات ودفن لفظته الأرض، فذكر نحوه.

(قَالَ) أي أسامة (فَلَمَّا غَشِينَاهُ) بفتح أوله وكسر ثانيه معجمتين؛ أي لَحِقْناه حتَّى تَغَطَّى بنا، وفي رواية الأعمش، عن أبي ظبيان عند مسلم (( فأدركت رجلًا ) ) (قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ) أسامة (فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي وابن عساكر بالواو بدل الفاء (بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ) أي أسامة (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أي المدينة (بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي قتلي له بعد قوله لا إله إلا الله، وفي رواية الأعمش فوقع في نفسي من ذلك شيءٌ، فذكرته للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا منافاة بينهما؛ لأنَّه يحمل على أنَّ ذلك بلغ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أسامة لا من غيره، فتقديُر الأول بلغ ذلك النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منِّي.

(قَالَ) أي أسامة (فَقَالَ لِي) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهني (قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ قَالَ) أي أسامة (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) بكسر الواو المُشَدَّدة بعدها معجمة؛ أي لم يكن قاصدًا للإيمان، بل كان غرضُه التَّعوُّذ من القتل، وفي روايةِ الأعمش «قالها خوفًا من السِّلاح» ، وفي رواية ابن أبي عاصم من وجهٍ آخر عن أسامة «إنَّما فعل ذلك ليحرز دمه» .

(قَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي وابن عساكر (قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) وفي مسلم

ج 28 ص 534

من حديث جندب بن عبد الله أنَّه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كيف تصنعُ بلا إله إلا الله إذا جاء يوم القيامة ) ) (قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا) كذا أعاد الاعتذار وأُعيد عليه الإنكار (قَالَ) أسامة (فَمَا زَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُكَرِّرُهَا) أي يكرر مقالَتَه (( أَقَتَلْتَه بعد أن قال لا إله إلا الله ) ) (عَلَيَّ) .

قال ابن التِّين في هذا اللَّوم تعظيمُ أمرِ القتل وإبلاغٌ في الموعظة حتَّى لا يقدم أحدٌ على قتل من تلفَّظ بالتوحيد. وقال القرطبيُّ في تكرارهِ ذلك والإعراض عن قبول العذر زجرٌ شديدٌ عن الإقدام على مثل ذلك. وفي رواية الأعمش (( أَفَلا شَقَقْتَ عن قلبه حتَّى تعلمَ أقالها أم لا [1] ) ).

قال النَّووي الفاعل في قوله أقالها، هو القلب، ومعناه أنَّك إنَّما كُلِّفْتَ بالعمل الظَّاهر وما ينطق به اللِّسان، وأمَّا القَلْبُ فليس لك طريقٌ إلى ما فيه فأنكرَ عليه تَرْكَ العَمَلِ بما ظهر من اللِّسان، فقال أَفَلَا شَقَقْتَ عن قلبه حتَّى تنظرَ هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أو لًا، والمعنى أنَّك إذا كنت لست قادرًا على ذلك فاكْتَفِ منه باللِّسان.

وقال القرطبي فيه حجَّةٌ لمن أثبت الكلام النَّفسي، وفيه دليلٌ على ترتيب الأحكام على الأسباب الظَّاهرة دون الباطنة.

(حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ) لأنَّ الإسلام يجب ما قبله فتمنَّى أن يكون ذلك الوقت أوَّل دخوله في الإسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة، ولم يرد أنَّه تمنَّى أن لا يكون مسلمًا قبل ذلك. قال القرطبي وفيه إشعارٌ بأنَّه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عملٍ صالحٍ في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الإنكار الشَّديد، وإنَّما ورد ذلك على سبيل المبالغة، وبيَّن ذلك في بعض طرقه في رواية الأعمش «حتَّى تمنَّيت أنِّي أسلمت يومئذٍ» .

ووقع عند مسلمٍ من حديث جندب بن عبد الله في هذه القصَّة زيادات، ولفظه «بَعَثَ بعثًا من المسلمين إلى قومٍ من المشركين فالتقوا فأوجع رجلٌ من المشركين فيهم فأبلغَ فقَصَدَ رجلٌ من المسلمين قَتْلَته؛ كنا نتحدَّث أنَّه أسامة بن زيد، فلمَّا وَقَع عليه السَّيف قال لا إله إلا الله، فقَتَلَه» ، الحديث.

وفيه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له (( فكيف تَصْنَعُ بلا إله إلا الله إذا كان يوم القيامة ) )قال يا رسول الله، استغفر لي قال (( كيف تصنع بلا إله إلا الله ) )فجعل لا يزيده

ج 28 ص 535

على ذلك.

وفي هذه القصَّة مخالفةٌ لحديث أسامة في كون قتله الرَّجل كان بطعن الرُّمح لا بضرب السَّيف، ويترجَّح الأوَّل بأنَّه من طريق صاحب القصَّة، أو تكون هذه القصَّة لغير أسامة، وقوله كنَّا نتحدَّث أنَّه أسامة كان على سبيل الظَّنِّ، والأوَّل أولى.

قال الخطابي لعلَّ أسامة تأوَّل قوله تعالى {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر 85] . ولذلك عَذَرَه النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يُلْزِمْهُ دِيَتَه ولا غيرها. قال الحافظ العسقلاني كأنَّه حمل نفي النَّفع على عمومه دنيا وآخرة، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنَّه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيَّدًا بأن يجب الكفُّ عنه حتَّى يختبر أمره هل قال ذلك خالصًا من قلبه، أو خشيةً من القتل، وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموتُ ووصل خروجُ الرُّوح إلى الغرغرة، وانكشف الغطاء فإنَّه إذا قالها لم ينْفَعْه بالنِّسبة لحُكْمِ الآخرة وهو المرادُ من الآية.

وأمَّا كونه لم يلزمه ديةٌ ولا كفَّارةٌ؛ فتوقَّف فيه الدَّاوديُّ فقال لعلَّه سكت عنه لِعِلْمِ السَّامع، أو كان ذلك قَبْلَ نزول آية الدِّية والكفَّارة.

وقال القرطبي لا يلزم من السُّكوت عنه عَدَمُ الوقوع لكن فيه بُعْدٌ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بعدم السُّكوت عن مثل ذلك إن وَقَعَ. قال فيحتمل أنَّه لم يجب عليه شيءٌ لأنَّه كان مأذونًا له في أَصْلِ القَتْل، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ ولا مالٍ كالخائن والطَّبيب، أو لأنَّ المقتولَ كان من العدوِّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحقُّ ديته. قال وهذا يتمشَّى على بعض الآراء، أو لأنَّ أسامة أقرَّ بذلك ولم يُقِمْ بذلك بيِّنة فلم تلزم العاقلة الدِّية، وفيه نظرٌ.

قال ابن بطَّال كانت هذه القصَّة سبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلمًا بعد ذلك، ومن ثمة تخلَّف عن عليٍّ رضي الله عنه في الجمل وصفين، كما سيأتي بيانه في «كتاب الفتن» [خ¦7110] .

قال الحافظ العسقلاني وكذا وقع في رواية الأعمش أنَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه كان يقول «لا أقاتل مسلمًا حتَّى يقاتل أسامة» .

واستدلَّ به

ج 28 ص 536

النَّووي على ردِّ الفرع الذي ذكره الرَّافعي فيمن رأى كافرًا أَسْلَم فأُكْرِمَ إكرامًا كثيرًا فقال ليتني كنتُ كافرًا فأسلمتُ لِأُكْرَم. فقال الرَّافعي يَكْفُر بذلك. وردَّه النَّووي بأنَّه لا يَكْفُر لأنَّه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال، وإنَّما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيِّدًا له بالإيمان ليتمَّ له الإكرام، واستدلَّ بقصَّة أسامة، ثمَّ قال ويمكن الفرق.

ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من معنى قوله أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله بالتَّكرار، وفيه عظم قَتْلِ النَّفْسِ المؤمنة.

[1] بياض في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت