6905 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَري، ويقال له التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضم الواو وفتح الهاء، هو ابنُ خالدٍ، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير
ج 28 ص 630
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ) أي استشار الصَّحابة رضي الله عنهم، وفي رواية مسلم عن هشام، عن أبيه، عن المِسْوَر بن مخرمة (( استشار الناس ) )أي طلب ما عندهم من العلم في ذلك، وهل سمع أحدٌ منهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئًا كما صرَّح بذلك في بعض الطُّرق، ولا يُعارض هذا ما في بعض الطُّرق أنَّه استشارَ بعض أصحابه، وفُسِّر بأنَّه عبدُ الرَّحمن بن عوف، فيكون من إطلاق النَّاس عليه، كقوله تعالى {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران 173] فإنَّه أريدَ به نُعَيم بن مسعود الأشجعي، أو أربعة كما نصَّ عليه الشَّافعي في الرِّسالة، أو أنَّه استشار النَّاس عمومًا، واستشار عبد الرَّحمن خصوصًا.
(فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ) بكسر الهمزة وسكون الميم آخره صاد مهملة، مصدر أملص، وهو إلقاء المرأة ولدها ميِّتًا، وسيجيء في الاعتصام [خ¦7317] من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة سأل عمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه عن إملاصِ المرأة، وهي الَّتي تَضْرِبُ بطْنَها فتُلْقِي جَنِيْنَها، فقال أيُّكم سَمِعَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئًا، وهذا التَّفسير أخصُّ من قول أهل اللُّغة إنَّ الإملاصَ أن تُزْلِقَه المرأة قبل الولادة؛ أي قبل حين الولادة، هكذا نَقَلَه أبو داود في «السنن» عن أبي عُبيد، وهو كذلك في «الغريب» له. وقال الخليل أمْلَصَتِ المرأةُ والنَّاقةُ إذا رمتْ وَلَدها. وقال ابن القطَّاع أَمْلَصَتِ الحاملُ ألقتْ وَلَدَها. وقيل لفظ أملص يأتي متعدِّيًا كأملصتُ الشَّيء أزلقته فسَقَط، ويأتي قاصرًا كأملص الشَّيءُ إذا تزلَّق وسَقَط، ويقال أملصتِ المرأةُ وَلَدها وأَزْلَقَتْه بمعنى وَضَعَتْه قَبْلَ أوانه، فالمصدرُ هنا مضافٌ إلى فاعله والمفعولُ به محذوفٌ، ووقع في بعض الرِّوايات (( ملاص ) )بغير ألف كأنَّه اسمُ فِعْلِ الوَلَدِ فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مقامه، أو اسمٌ لتلك الولادة كالخداج. ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن جُريح، عن هشام قال هشام الملاص الجنين، وهذا يتخرَّج أيضًا على الحذف.
وقال صاحب «البارع» الإملاص يُنْبِئُ عن الإسقاط، وإذا قبضتَ على شيءٍ فسَقَط
ج 28 ص 631
من يَدك تقول أملص من يديَّ إملاصًا ومَلِصَ مَلَصًا. ووقع في رواية عُبيد الله بن موسى الَّتي تلي حديث الباب أنَّ عمر رضي الله عنه نَشَدَ النَّاسَ مَنْ سَمِعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى في السَّقط؛ يعني أي فيما يجب على الجاني في إجهاضِ المرأة الجنين أو بالجنين، على تَقْدَيْرَيْ التَّعدِّي واللُّزوم، ونَسَبَ الفِعْلَ إليها؛ لأنَّ بالجناية عليها كأنَّها الفاعلةُ لذلك.
(فَقَالَ الْمُغِيرَةُ) أي ابن شعبة رضي الله عنه، كذا في رواية عبيد الله بن موسى، وفي رواية ابن عُيينة (( فقام المغيرة بن شعبة، فقال أنا يا أمير المؤمنين ) )وفيه تجريدٌ، وكأنَّ السِّياق يقتضي أن يقول فقلتُ، كما في رواية المصنِّف في الاعتصام من طريق أبي معاوية [خ¦7317] .
(قَضَى) أي حكم (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُرَّة) في الجنين (عَبْدٍ أَو أَمَةٍ) بالجرِّ فيهما على البدلية بدل كل من كل، كذا في رواية عفَّان، عن وُهَيْبٍ باللام، وهو يؤيِّد رواية التَّنوين وسائر الرِّوايات بغرَّة. وفي رواية أبي معاوية بلفظ (( سمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه غرَّةُ عبدٍ أو أمة ) )والغُرَّة، بضم الغين المعجمة وتشديد الراء. قال الجوهريُّ في «صحاحه» الغُرَّة العبد أو الأمة، وفي الحديث قضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة، وكأنَّه عبَّر عن الجِسْمِ كلِّه بالغرة.
قال أبو عَمرو بن العلاء المراد الأبيض لا الأسود، ولولا أنَّه صلى الله عليه وسلم أرادَ بالغُرَّة معنى زائدًا على شخصِ العبد والأمة لمَّا ذكرها. قال النَّووي وهو خلافُ ما اتَّفق عليه الفقهاء من إجزاء الغرَّة السَّوداء والبيضاء. قال أهل اللُّغة الغُرَّة عند العرب نفسُ الشَّيء، وأُطْلِقَت هنا على الإنسان؛ لأنَّ الله تعالى خَلَقَه في أحسنِ تقويمٍ فهو من أنفس المخلوقات، قال تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [الإسراء 70] .
(فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام، الخزرجي البدري، الكبير القدر مات سنة ثلاث وأربعين (أنَّهُ شَهِدَ) أي حَضَرَ (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِهِ) كذا في رواية وُهَيب مختصرًا، وفي رواية ابن عُيينة عند الإسماعيلي (( فقال عمر من يشهدُ معك فقام محمَّد بن مسلمة، فشهدَ بذلك ) )، وفي رواية وكيع عند مسلم (( فقال ائتني بمن يشهدُ معك، فجاء
ج 28 ص 632
محمد بن مسلمة فشهد معي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى به )) .
قيل خبر الواحد حجَّةٌ في أمر الدِّين يجب قبولُه فَلِمَ طَلَبَ الشَّاهد؟ وأُجيب للتَّثبُّث والتَّأكيد ومع هذا فشهادتُه لم تخرج عن خبرِ الواحد، ولفظ الشَّهادة في قوله فشهِدَ المرادُ به الرُّؤية، وقد شرطَ الفقهاءُ في وجوب الغُرَّة انفصاله ميتًا بسبب الجناية، فإن انفصل حيًّا فإن مات عقب انفصالهِ أو دام أَلَمُه فمات فدِيَةٌ لأنَّا قد تيقَّنا حياتَه، وقد ماتَ بالجناية، وإن بقي زمنًا ولا أَلَمَ به ثمَّ مات فلا ضمانَ فيه لأنَّا لم نتحقَّق موته بالجناية.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه أبو داود في الدِّيات.