فهرس الكتاب

الصفحة 10319 من 11127

6956 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد، أبو رجاءٍ الثَّقفي مولاهم، قال(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ

ج 29 ص 125

بْنُ جَعْفَرٍ)الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ) بضم السّين المهملة، مصغَّر سهل، اسمه نافع بن مالك (عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين، أحدُ العشرة المبشَّرة بالجنَّة التَّيميّ، قتله مروان بن الحكم يوم الجَمَل (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) اسمه ضمام بن ثعلبة أو غيره (جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ) أي متفِّرقة من عدم الرّفاهيَّة.

(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنَ الصَّلاَةِ) في اليوم واللّيلة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا) وفي (( الأيمان ) ) [خ¦2678] فقال هل عليَّ غيرها قال لا إلَّا أن تطوع (فَقَالَ) أي الأعرابيّ يا رسول الله (أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) وفي الإيمان هل عليَّ غيرها؟ قال (( لا إلَّا أن تطوع ) ).

(قَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ) وفي رواية أبي ذرٍّ بزيادة باء موحّدة؛ أي واجبات الزَّكاة وغيرها (قَالَ) أي الأعرابي (وَالَّذِي أَكْرَمَكَ) أي برسالة العامة (لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَحَ) أي فاز الأعرابيُّ وظفر (إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بزيادة همزة مضمومة وكسر الخاء المعجمة، والشَّكُّ من الرَّاوي.

وقال الكرماني مفهوم الشَّرط يوجب أنَّه إن تطوَّع لا يفلحُ. وأجاب بأنَّ شرطَ اعتبار مفهوم المخالفة عدم مفهوم الموافقة، وهاهنا مفهوم الموافقة ثابتٌ؛ لأنَّ من تطوَّع يفلح بالطَّريق الأولى.

ومطابقة الحديث للترجمة أنَّ المؤلِّف رحمه الله فهم من قوله صلى الله عليه وسلم (( أفلح إن صدق ) )أنَّ من رام أن ينقصَ شيئًا من فرائض الله بحيلةٍ يحتالها أنَّه لا يفلحُ ولا يقوم له بذلك عند الله عذر،

ج 29 ص 126

وما أجازه الفقهاءُ من تصرُّف صاحب المال في ماله قُرْبَ حلول الحول لم يريدوا بذلك الفرار من الزَّكاة، ومن نوى ذلك فالإثمُ عنه غير ساقطٍ، قاله في «المصابيح» .

وقال ابن بطَّال أجمع العلماءُ على أنَّ للمرءِ قبل الحول التَّصرُّف في ماله بالبيع والهبة والذَّبح، إذا لم ينو الفرار من الصَّدقة، وأجمعوا على أنَّه إذا حالَ الحول أنَّه لا يحلُّ التَّحيُّل بأن يفرِّق بين مجتمعٍ أو يجمع بين متفرِّقٍ، ثمَّ اختلفوا، فقال مالك من فوّت من ماله شيئًا ينوي به الفرار من الزّكاة قبل الحول بيومٍ أو شهر أو نحوه لزمته الزَّكاة عند الحول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( خشية الصَّدقة ) ).

وقال أبو حنيفة إن نوى بتفويته الفرار من الزَّكاة قبل الحول بيومٍ لا تضرُّه النِّيَّة؛ لأنَّ ذلك لا يلزمه إلَّا بتمام الحول ولا يتوجَّه إليه معنى قوله (( خشية الصدقة ) )إلَّا حينئذٍ.

قال وقال المهلَّب قصد البخاريّ أنَّ كلَّ حيلةٍ يتحيَّل بها أحدٌ في إسقاط الزَّكاة، فإنَّ إثم ذلك عليه؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم أو تفريقها خشية الصَّدقة فهم منه هذا المعنى، وفهم من حديث طلحة في قوله (( أفلحَ إن صدقَ ) )أنَّ من رام أن ينقصَ شيئًا من فرائض الله تعالى بحيلةٍ يحتالها أنَّه لا يفلح، ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقطٍ كما سبق آنفًا، وهو كمن فرَّ عن صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيومٍ، واستعمل سفرًا لا يحتاجُ إليه ليفطر فالوعيدِ إليه متوجِّهٌ.

(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) قيل أرادَ ببعض الناس أبا حنيفة (فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ) بكسر المهملة وتشديد القاف، تثنية حقَّة وهي التي لها ثلاث سنين (فَإِنْ أَهْلَكَهَا) أي العشرين ومئة (مُتَعَمِّدًا) بأن ذبحها (أَوْ وَهَبَهَا، أَوِ احْتَالَ فِيهَا) قبل الحول بيوم (فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ) لما مرَّ من أن ذلك لا يلزمه إلَّا بتمام الحول، ولا يتوجَّه إليه معنى قوله (( خشية الصَّدقة ) )إلَّا حينئذٍ.

قال الحافظ

ج 29 ص 127

العسقلاني الَّذي ذكره البخاريّ على أنَّه مذهب أبي حنيفة ينسب لأبي يوسف، وقال محمد يكره لما فيه من القصد إلى إبطال حقِّ الفقراء بعد وجود سببهِ وهو النّصاب، واحتجَّ أبو يوسف بأنَّه امتناعٌ من الوجوب لا إسقاطٌ للواجب، واستدلَّ بأنَّه لو كان له مائتا درهمٍ، فلمَّا كان قبل الحول بيومٍ تصدَّق بدرهم منها لم يكره، ولو نوى بتصدقه بالدِّرهم أن يتمَّ الحولَ وليس في ملكه نصابٌ، فلا تلزمه الزَّكاة.

وتُعُقِّب بأنَّ من أصل أبي يوسف أنَّ الحرمةَ تجامع الفرض كطواف المحدث أو العاري، فكيف لا يكون القصد مكروهًا في هذه الحالة؟

وقوله امتناع من الوجوب معترضٌ، فإنَّ الوجوبَ قد تقرَّر من أوَّل الحول، ولذلك جاز التَّعجيل قبل الحول، وقد اتَّفقوا على أنَّ الاحتيالَ لإسقاط الشُّفعة بعد وجوبها مكروهٌ، وإنَّما الخلاف فيما قبل الوجوب، فقياسه أن يكون في الزَّكاة مكروهًا أيضًا.

والأشبه أن يكون أبو يوسف رجعَ عن ذلك، فإنَّه قال في كتاب الخراج بعد إيراد حديث لا يفرق بين مجتمعٍ ولا يحلُّ لرجلٍ يؤمن بالله واليوم الآخر منع الصَّدقة ولا إخراجها عن ملكه لملك غيره ليفرقها بذلك فتبطل الصَّدقة عنها بأن يصيرَ لكلِّ واحدٍ منهما ما لا يجبُ فيه الزَّكاة، ولا يحتالُ في إبطال الصَّدقة بوجهٍ. انتهى.

ونقل أبو حفص الكبير راوي كتاب «الحيل» عن محمَّد بن الحسن أنَّ محمدًا قال ما احتالَ به المسلم حتَّى يتخلَّص به من الحرام، أو يتوصَّل به إلى الحلالِ فلا بأس به، وما احتالَ به حتَّى يبطلَ حقًا أو يحقق باطلًا أو ليدخل شبهة في حقٍّ فهو مكروهٌ، والمكروه عنده إلى الحرامِ أقرب.

وذكر الشَّافعيّ أنَّه ناظر محمَّد بن الحسن في امرأةٍ كرهت زوجها، وامتنعَ من فراقها، فمكنت ابن زوجها من نفسها فإنَّها تحرم عندهم على زوجها بناء على قولهم إنَّ حرمة المصاهرة تثبت بالزِّنا، قال فقلت لمحمَّدٍ الزِّنا لا يحرِّم الحلال؛ لأنَّه ضدُّه، ولا يقاس شيءٌ على ضدِّه، فقال يجمعهما الجماع.

قلت الفرق بينهما أنَّ الأوَّل حمدت به وحصَّنت فرجها،

ج 29 ص 128

والآخر ذمَّت به ووجب عليها الرّجم، ويلزم أنَّ المطلقة ثلاثًا إذا زنت حلَّت لزوجها، ومن كان عنده أربع نسوةٍ فزنا بالخامسة أن تحرمَ عليه إحدى الأربع ... إلى آخر المناظرة.

وقد استشكل قول البخاري في التَّرجمة (( فإن أهلكها ) )بأنَّ الإهلاك ليس من الحيل بل هو إضاعة المال؛ لأنَّ الحيلة إنَّما هي لدفعِ ضررٍ أو جلب منفعةٍ، وليس واحدٌ منهما موجودًا في ذلك.

وقال الحافظ العسقلانيّ ويظهرُ لي أنَّه يتصوَّر بأن يذبحَ الحقتين مثلًا، وينتفع بلحمها فيسقط الزّكاة بالحقتين، وينتقلَ إلى ما دونهما.

هذا ثمَّ إنَّ اصطلاح البخاريِّ بإرادة الحنفيَّة ببعض النَّاس يقتضِي اختصاصَه بهم بذلك، لكن الشَّافعيّ وغيره يقولون بذلك أيضًا.

وأُجيب بأنَّ الشَّافعيّ وغيره وإن قالوا لا زكاةَ عليه لا يقولون لا شيءَ عليه؛ لأنَّهم يلومونه على هذه النِّيَّة، لكن قال البرماويُّ إنَّما يلام إذا كان حرامًا، ولكن هو مكروهٌ، فليتأمَّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت