فهرس الكتاب
660 (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة، وفي رواية ابن عساكر وهو لقبه (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو ابن عمر العمريّ.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة، على صيغة التصغير (ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبو الحارث الأنصاري المدني، وهو خالُ عبيد الله المذكور (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وهو جدُّ عبيد الله المذكور لأبيه. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.
لم يختلف الرُّواة عن عُبيد الله في ذلك، ورواه مالك في «الموطَّأ» عن خُبيب فقال عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشَّكِّ، ورواه أبو قرَّة عن مالك بواو العطف فجعله عنهما، وتبعه مصعب الزُّبيري وشذَّا في ذلك عن أصحاب مالك، والظَّاهر أنَّ عبيد الله حفظه لكونه لم يشكَّ فيه،
ج 4 ص 141
ولكونه من رواية خاله وجدِّه، ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الرَّجل عن خاله وجدِّه، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الزكاة» [خ¦1423] و «الرِّهان» [خ¦6479] ، وأخرجه مسلم في «الزَّكاة» ، والنَّسائي في «القضاء» و «الرِّقاق» .
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ) أي سبعة أشخاص ليدخل فيه النِّساء إذ ذكروا أنَّ أحكام الشَّرع عامَّة لجميع المكلَّفين، وحكمه على الواحد حكم على الجماعة إلَّا إذا دلَّ الدَّليل على خصوص البعض، ثمَّ إنَّ التَّنصيص بالعدد في شيء لا ينفي الحكم عمَّا عداه، فقد روى مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعًا (( من أنظر مُعسرًا، أو وَضَعَ له أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظله ) ).
وزاد ابن حبَّان وصحَّحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( الغازي ) )، وأحمد والحاكم من حديث سهل بن حُنَيف رضي الله عنه، عون المجاهد، وكذا زاد أيضًا من حديثه (( إرفاد الغارم وعون المكاتب ) )، والبغوي في «شرح السنَّة» من حديث سلمان رضي الله عنه (( التَّاجر الصَّدوق ) ). والطَّبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد ضعيف (( تحسين الخُلُق ) ).
وأمَّا تخصيص هذه السَّبعة بالذكر في هذا الحديث فوجَّهه الكرماني بما محصِّله أنَّ الطَّاعة إمَّا أن تكون بين العبد وبين الربِّ، أو بينه وبين الخلق، والأوَّل إمَّا أن يكون باللِّسان وهو الذِّكر، أو بالقلب وهو المعلَّق بالمسجد، أو بجميع البدن وهو النَّاشئ في العبادة، والثَّاني عام وهو العادل، أو خاص وهو إمَّا بالقلب وهو التحابُّ، أو بالمال أو بالبدن وهو العِفَّة، وقد نظم تلك السَّبعة العلَّامة أبو شامة عبد الرَّحمن بن إسماعيل قال
~وقَالَ النَّبيُّ المصْطَفَى إنَّ سَبعةً يُظِلُّهُم اللَّهُ الكرِيمُ بظِلِّهِ
~مُحِبٌّ عَفيفٌ ناشِئٌ مُتَصدِّقٌ وبَاكٍ مُصلٍّ والإمَامُ بِعدلِهِ
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد ألقيتُ هذه المسألةَ على العالم شمس الدِّين ابن عطاء الرَّازي المعروف بالهروي لمَّا قدم القاهرة، وادَّعى أنَّه يحفظ «صحيح مسلم» فسألته بحضرة الملِك المؤيَّد عن هذا وعن غيره فما استحضر في ذلك شيئًا، ثمَّ تتبَّعت بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال، وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيدَ جياد، ونظمتها في بيتين تذييلًا على بَيْتي أبي شامة وهما
~وَزِدْ سَبْعةً إِظلالُ غَازٍ وعَونُهُ وإنظَاُر ذِي عُسرٍ وَتَخْفيفُ حَملِهِ
~وإرْفَادُ ذِي غُرْمٍ وعَوْنُ مُكاتَبٍ وتَاجرُ صِدقٍ في المقَالِ وفعلِهِ
قال وقد أفردتُ ذلك مع زيادة في جزءٍ سمَّيته (( معرفة الخصال الموصلة إلى الظِّلال ) ).
ج 4 ص 142
(يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ) قال القاضي عياض إضافة الظلِّ إلى الله إضافة مُلْكٍ، وكل ظلٍّ فهو ملكه كذا قال، وكان حقَّه أن يقول إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل للكعبة بيت الله مع أنَّ المساجد كلَّها ملكه، وأمِّا الظلُّ الحقيقي فالله تعالى منزَّه عنه؛ لأنَّه من خواصِّ الأجسام.
وقيل المراد بظلِّه كرامته وحمايتَه، فمعنى «يظلُّهم الله في ظلِّه» يسترهم في ستره ورحمته، تقول العرب أنا في ظلِّ فلان؛ أي في كنفه، وتسمِّي اللَّيل ظلاًّ لستره.
ويقال المراد ظلُّ عرشه، بحذف المضاف، ويدلُّ عليه حديث سلمان رضي الله عنه عند سعيد بن منصورٍ بإسناد حسنٍ (( سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّ عرشهِ ) )فذكر الحديث، وهو يستلزمُ ما ذُكِر من كونهم في كنف الله وحمايته وكرامته من غير عكسٍ فهو أرجح، وبه جزم القرطبيُّ، وما يقال من أنَّ المراد من الظِّلِّ ظل طوبى أو ظل الجنَّة فيردُّه قوله يوم لا ظلَّ إلَّا ظلَّه؛ لأن المراد من اليوم يوم القيامة، كما يدلُّ عليه أنَّ عبد الله بن المبارك صرَّح به في روايته عن عبيد الله بن عمر على ما يجيءُ في كتاب «الحدود» [خ¦6808] ، وظلُّ طوبى أو ظل الجنَّة إنَّما يكون بعد استقرارهم في الجنَّة، ثمَّ إنَّه مشترك بين جميع من يدخلها، والحديث يدلُّ على امتياز هؤلاء السَّبعة من بين الخلق، ولا يكون ذلك إلَّا يوم يقوم النَّاس لربِّ العالمين ودنت منهم الشَّمس، ويشتدُّ عليهم حرُّها، ويأخذُهم العرق، ولا ظلَّ هناك لشيء إلَّا ظل العرش، فترجَّح أنَّ المراد ظلُّ العرش.
(الإِمَامُ الْعَادِلُ) اسم فاعل من العدل، وذكر أبو عمر ابن عبد البر أنَّ بعض الرُّواة عن مالك رواه بلفظ العدل، قال وهو أبلغُ؛ لأنَّه جعل المسمَّى نفسه عدلًا، ومعنى العادل أنَّه الذي يتتبَّع أمر الله تعالى فيضع كلَّ شيءٍ في موضعه بغير إفراطٍ ولا تفريط، وهو أحسن ما فسِّر به.
وقيل هو المتوسط بين طرفي الإفراط والتَّفريط سواء كان في العقائد أو في الأعمال أو في الأخلاق. وقيل هو الجامع بين أمَّهات كمالات الإنسان الثَّلاث وهي الحكمة والشَّجاعة والعفَّة التي هي أوساط القوى الثَّلاث؛ أعني القوة العقليَّة، والغضبيَّة، والشهوانيَّة. وقيل هو المطيعُ لأحكام الله. وقيل هو المراعي للحقوق الشَّرعيَّة.
ثمَّ المراد بالإمام العادل هو صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعَدَلَ فيه مِن الولاة والحكَّام، وقدَّمه في الذِّكر لكثرة مصالحه وعموم نفعه، فالإمام العادل يصلحُ الله به أمورًا عظيمة، وقد قيل ليس أحد أقرب منزلة من الله تعالى بعد الأنبياء عليهم السَّلام من إمام عادل.
وقد روى التِّرمذي وحسَّنه
ج 4 ص 143
من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا (( أحبُّ النَّاس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا إمامٌ عادل ) ).
وروى مسلم من حديث عبد الله بن عَمرو رفعه (( إنَّ المقسطين عند الله على منابرَ من نورٍ عن يمين الرَّحمن، الذين يَعدلون في حُكمهم وأهليهم وما ولُّوا ) ).
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( ما أخفرَ قومٌ العهدَ إلَّا سلَّط الله عليهم العذاب، وما نقصَ قومٌ المكيال إلَّا مُنِعوا القطر، ولا كثر الزِّنا في قوم إلَّا سُلِّط عليهم الوباء، وما حكمَ قومٌ بغير حقٍّ إلَّا سُلِّط عليهم إمام جائر ) ).
(وَشَابٌّ نَشَأَ) يقال نشأَ الصَّبيُّ ينشأ نشأً فهو ناشئ، إذا كبر وشبَّ (فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ) ، وفي رواية الإمام أحمد عن يحيى القطَّان (( بعبادة الله ) )وهي رواية مسلم أيضًا، وزاد حمَّاد بن زيد عن عُبيد الله بن عمر (( حتَّى توفِّي على ذلك ) )أخرجه الجوزقيُّ.
وفي حديث سلمان رضي الله عنه (( أفنى شبابَه ونشاطَه في عبادةِ الله ) )وإنَّما خصَّ «الشَّاب» بالذِّكر ولم يقل «ورجل» ؛ لكون الشَّباب مظنَّة غلبة الشَّهوة لما فيه من قوَّة الباعث على متابعة الهوى، فملازمة العبادة مع ذلك أشدُّ وأشقُّ وأدلُّ على غلبة التَّقوى. وفي الحديث (( تعجَّب ربُّك من شابٍّ ليست له صبوة ) ).
(وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ) بفتح اللام المشددة (فِي الْمَسَاجِدِ) هكذا في «الصَّحيحين» والظَّاهر أنَّه من التَّعليق، كأنَّه شبَّهه بالشَّيء المعلَّق في المسجد كالقنديل مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدلُّ عليه رواية الجوزقي (( كأنَّما قلبه معلَّق في المسجد ) ).
ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدَّة الحبِّ، ويدلُّ عليه رواية أحمد (( معلَّق بالمساجد ) )وعليه جرى العلَّامة الكرماني في «شرحه» حيث قال؛ أي بالمساجد، وحروف الجرِّ يقوم بعضها مقام البعض، ومعناه شديد الحبِّ لها والملازمة للجماعة.
ويؤيِّده أيضًا رواية سلمان رضي الله عنه «من حبِّها» ، وفي رواية المستمليْ والحموييِّ بزيادة المثناة الفوقية وكسر اللام، وتعلُّق قلبه بالمساجد كناية عن انتظارهِ أوقات الصَّلاة فلا يصلِّي صلاةً ويخرج من المسجد إلَّا وهو ينتظر صلاة أُخرى حتَّى يصلِّي فيه، وقد زاد مالك «إذا خرج منه حتَّى يعودَ إليه» ، وهذا يستلزم أيضًا صلاته بالجماعة، وهذه الخصلة هي المقصودةُ من هذا الحديث للتَّرجمة، فمناسبتها للجزء الثَّاني من التَّرجمة وهو «فضل المساجد» ظاهرة.
وأمَّا للجزء الأوَّل منها فمن جهة ما دلَّ عليه من الملازمة
ج 4 ص 144
للمسجدِ واستمرار الكون فيه بالقلب، وإن عرض للجسد عارض.
(وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا) بتشديد الموحدة، من باب التَّفاعل؛ أي اشتركا في المحبَّة وأحبَّ كلٌّ منهما الآخر حقيقةً لا إظهارًا فقط، كما في قولهم تجاهلَ زيدٌ؛ أي أظهرَ الجهل من نفسه، وليس عليه في الحقيقةِ، فليس المعنى هنا أظهرا المحبَّة من نفسهما وليسا عليه في الحقيقة فإنَّه غير مراد قطعًا.
(فِي اللَّهِ) أي لأجله تعالى لا لغرض دنيوي، وكلمة «في» قد تجيءُ للسببيَّة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( في النَّفس المؤمنة مئة إبل ) )أي بسبب قتل النَّفس المؤمنة، ووقع في رواية حمَّاد بن زيد (( ورجلان قال كلٌّ منهما للآخر إنِّي أحبُّك في الله فصدرا على ذلك ) )، ونحوه في حديث سلمان رضي الله عنه.
(اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ) أي على المحبَّة في الله، وفي رواية الكُشميهنيِّ أي على الحبِّ المذكور، وكذا الضَّمير في قوله (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) يعني أنَّهما استمرَّا وداما على المحبَّة الدينيَّة ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواءً اجتمعا حقيقة أو لا حتَّى فرَّق بينهما الموت، ولا حاجةَ إلى ما قال الكرمانيُّ يعني كان سبب اجتماعهما الحبُّ في الله، واستمرَّا عليه حتَّى تفرَّقا من مجلسهما، كما لا يخفى.
ووقع في «الجمع» للحُميديِّ «اجتمعا على خيرٍ» . قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أر ذلك في شيءٍ من نسخ «الصَّحيحين» ولا غيرهما من المستخرجات قال وهو عندي تحريف، ثمَّ إنَّ هذه الخصلة قد عدَّت واحدة مع أنَّ متعاطيها اثنان؛ لأنَّ المحبَّة لكونها أمرًا نسبيًّا لا تتمُّ إلَّا باثنين، أو لمَّا كان التحاببان بمعنى واحدٍ كان عدُّ أحدهما مغنيًا عن عدِّ الآخر؛ لأن الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتَّصف بها، والله أعلم.
ثمَّ إنَّ الحبَّ في الله، والبغض في الله من الإيمان. وعند مالك من الفرائض، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا (( إنَّ ذلك من أوثقِ عُرى الإيمان ) ). وروى ثابت عن أنس رضي الله عنه رفعه (( ما تحابَّ رجلان في الله إلَّا كان أفضلهما أشدَّهما حبًّا لصاحبه ) ). وروى أبو رَزِين قال قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( يا أبا رزين إذا خلوتَ حرِّك لسانك بذكرِ الله، وأحبَّ في الله وأبغض في الله، فإنَّ المسلم إذا زار في الله شيَّعه سبعون ألفَ ملكٍ، يقولون اللَّهمَّ وصَلَهُ فيكَ فصِلْهُ ) ).
ومن فضل المتحابِّين في الله أنَّ كلاًّ منهما إذا دعى لأخيه بظهر الغيب أمَّن الملك على دعائه، رواه أبو الدَّرداء مرفوعًا.
(وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ) امرأة، وقد بيَّن المحذوفَ أحمدُ في روايته عن يحيى القطَّان فقال (( دعته امرأة ) )، وكذا في رواية كريمة بذكر الموصوف، وكذا لمسلمٍ، وكذا للمؤلِّف في «الحدود» عن ابن المبارك [خ¦6806] (ذَاتُ
ج 4 ص 145
مَنْصِبٍ)بكسر الصاد المهملة، الحسب والنَّسب الشَّريف.
قال الجوهري المَنْصِبُ الأصلُ، وكذا النِّصَابُ، ويُطلق على الشَّرف، وعلى المال أيضًا، وفي رواية مالك (( دعتْه ذات حسب ) ).
(وَجَمَالٍ) وهو الحُسن، وزاد ابن المبارك (( إلى نفسها ) ) [خ¦6806] ، وفي رواية البيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فعرضت نفسها عليه ) )والظَّاهر أنَّها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي ولم يحكِ غيره. وقيل يحتمل أن تكون طلبتْه إلى التزويج بها فخاف أن يشتغلَ عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقِّها بشغله بالعبادة عن التكسُّب لما يليق بها، والأوَّل أظهر، ويؤيِّده وجود الكناية في قوله «إلى نفسها» ، ولو كان المراد التَّزويج لصرَّح به.
(فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وفي رواية كريمة قال القاضي عياض يحتملُ أن يقول ذلك بلسانه إمَّا ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها، ويحتمل أن يقول بقلبه لزجر نفسه، والصَّبر عن الموصوفة بالأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرَّغبة لمن تحصل له من المنصب والجاه والمال والجمال، وقلَّ من يجتمع ذلك فيها من النِّساء من أكمل المراتب وأجلِّ المناصب، لاسيَّما وقد أغنتْ عن مشاقِّ التوصُّل إليها بمراودةٍ ونحوها، وهو رتبةٌ صدِّيقيَّة ووراثةٌ نبويَّة.
وقال القرطبي إنَّما يصدر ذلك عن شدَّة خوف من الله تعالى ومتينِ تقوىً وحياء، وفيه فضيلة من يخاف الله، قال الله تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40 - 41] ، وقال تعالى {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن 46] .
وروى أبو مَعْمر عن سلمة بن نُبَيْط، عن عُبيد بن أبي الجعد، عن كعب الأحبار، قال (( إنَّ في الجنَّة لدارًا درَّة فوق دُرَّةً، ولؤلؤةً فوق لؤلؤة فيها سبعون ألف قصرٍ في كلِّ قصرٍ سبعون ألف دارٍ، في كلِّ دارٍ سبعون ألف بيتٍ لا ينزلها إلَّا نبيٌّ، أو صدِّيق، أو شهيدٌ، أو مُحْكَّمٌ في نفسه، أو إمامٌ عادل ) )قال سلمة فسألت عبيدًا عن المُحَكَّم في نفسه؟ قال هو الرَّجل يطلب الحرام من النِّساء، أو من المال، فيتعرَّض له، فإذا ظفرَ به تركه مخافةَ الله تعالى فذلك المُحَكَّم في نفسه.
(وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ) أي تطوُّعًا حال كونه قد (أَخْفَى) الصَّدقة، وفي رواية أحمد (( تصدَّق فأخفى ) )، وكذا في رواية البخاري في «الزكاة» عن مسدَّد، عن يحيى (( تصدَّق بصدقة فأخفاها ) ) [خ¦1423] ، ومثله لمالك في «الموطَّأ» ، وفي رواية الأصيليِّ بكسر الهمزة ممدودًا، على أنه مصدرٌ أو نعت
ج 4 ص 146
لمصدر محذوفٍ، ويحتمل أن يكون حالًا من الفاعل؛ أي مخفيًا.
(حَتَّى لاَ تَعْلَمَ) يروى بضم الميم وفتحها (شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) ، والمقصود منه المبالغة في إخفاء الصَّدقة وإسرارها بحيث أنَّ شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصوَّر أنَّها ممَّن يعلم لَمَا علِمت ما فعلت اليمين لشدَّة إخفائه فهو على هذا من مجاز التَّشبيه، ويؤيِّده رواية حمَّاد بن زيد عند الجوزقي (( تصدَّق بصدقة كأنَّما أخفى يمينه من شماله ) )ويحتملُ أن يكون من مجازِ الحذف، والتقدير حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله أو مَن على شماله من النَّاس.
وقيل إنَّ المراد بشماله نفسه، تسمية للكلِّ باسم الجزء، ومآله أنَّ نفسه لا تعلم ما تُنفق نفسه، وهو سخيف، وقيل المراد أنَّه لا يرائي بصدقته فلا يكتبها كاتب الشِّمال.
وحكى القرطبي عن بعض مشايخه أنَّ معناه أن يتصدَّق على الضَّعيف المتكسِّب في صورة الشِّرى كترويج سلعته، أو رفع قيمتها فيدفع له مثلًا درهمًا في شيء يساوي نصف درهم، فالصُّورة مبايعة والحقيقة صدقة، وهو اعتبارٌ حسن.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظر، إن كان أراد أنَّ هذه الصُّورة مرادَ الحديث خاصَّة، وإن كان أراد أنَّ هذا أيضًا من صور الصَّدقة المخفيَّة فمسلَّم، والله أعلم، وفيه فضيلة المُخفي صدقتَه، ومصداق هذا الحديث قولُه تعالى {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة 271] ، ثمَّ ظاهره يشملُ المندوبة والمفروضة، لكن نقل النَّووي عن العلماء أنَّ هذا في صدقة التطوُّع فالسَّتر فيها أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرِّياء.
وأمَّا المفروضة فإعلانها أفضلُ ليُقتدى به في ذلك، ويظهر دعائم الإسلام، وهكذا حكم الصَّوم فإعلان فرائضها أفضل، واختلف في السُّنن كالوترِ وركعتي الفجر هل إعلانها أفضلُ أو كتمانها؟ حكاه ابن التِّين.
وفي «مسند أحمد» من حديثِ أنس رضي الله عنه بإسناد حسنٍ مرفوعًا (( إنَّ الملائكة قالت يا ربِّ هل مِن خَلْقكَ شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال نعم الحديد، قالت فهل أشدُّ من الحديد؟ قال نعم النار، قالت فهل أشدُّ من النار؟ قال نعم الماء، قالت فهل أشدُّ من الماء؟ قال نعم الريح، قالت فهل أشدُّ من الرِّيح؟ قال نعم ابن آدم يتصدَّق بيمينه فيُخفيها عن شماله ) ).
ثم إنَّه هكذا وقع في معظم الرِّوايات في هذا الحديث في «صحيح البخاري» وغيره (( حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ). ووقع في «صحيح مسلم» مقلوبًا (( حتَّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ) ).
قال القاضي عياض والصَّواب هو الأوَّل؛ لأنَّ السنَّة المعهودة في الصَّدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في الزَّكاة باب «الصَّدقة باليمين» [خ¦1423] قال ويشبه أن يكون الوهم فيه ممَّن دون مسلم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس الوهم فيه ممَّن دون مسلم ولا منه، بل هو من شيخه أو من شيخِ شيخه يحيى القطَّان.
وقال محمود العيني ولا ينكر الوهم من مسلم ولا ممَّن دونه أو فوقه [1] .
(وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ) أي بقلبه من الذِّكر بمعنى التذكُّر، أو بلسانه من الذكر (خَالِيًا) أي من الخَلق؛ لأنَّه حينئذٍ يكون أبعد من الرِّياء،
ج 4 ص 147
وقيل المراد خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى ولو كان في مَلَأ، ويؤيِّده رواية البيهقي (( ذُكِرَ الله بين يديهِ ) )، ويؤيِّد الأوَّل رواية ابن المبارك وحمَّاد بن زيد (( ذكر الله في خلاء ) ) [خ¦6806] أي في وضع خالٍ.
(فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي فاضت الدُّموعُ من عينيه، وإنَّما أسند الفيض إلى العين مبالغة كأنَّها هي التي فاضت، ويمكن أن يقال إنَّ الفيض لمَّا كان هو الانصباب عن امتلاءٍ وُضِعَ موضع الامتلاء مجازًا، وذلك كقوله تعالى {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة 83] .
قال القرطبيُّ وفيض العين بحسب حال الذَّاكر، وبحسب ما ينكشفُ له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله تعالى، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشَّوق إليه، انتهى.
وقد خُصَّ في بعض الرِّوايات بالأوَّل، ففي رواية حمَّاد بن زيد عند الجوزقي (( ففاضتْ عيناهُ من خشية الله ) )ونحوه في رواية البيهقي، ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( من ذكرَ الله ففاضتْ عيناهُ من خشية الله حتَّى يصيبَ الأرض من دُموعه لم يعذَّب يوم القيامة ) ).
وروى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( لا يلج النَّار أحدٌ بكى من خشية الله حتَّى يعود اللَّبن في الضَّرع ) ). وروى أبو عمران عن أبي الخلد قال قرأتُ في مسألة داود عليه السَّلام ربَّه (( إلهي ما جزاءُ من بَكى من خشيتك حتَّى تسيلَ دموعه على وجهه، قال أُسلِّم وجهه من لَفح النَّار ) ).
ثمَّ إنَّ ذكر الرِّجال في قوله «ورجل» ، لا مفهوم له فيدخل فيه النِّساء أيضًا، كما سبقت إليه الإشارة إلا إن كان المراد من «الإمام العادل» صاحب الإمامة العظمى، وإلَّا فيُمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم، ولا يدخلْنَ أيضًا في خصلة ملازمة المسجد؛ لأنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضلُ من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلةٌ لهنَّ حتَّى الرجل الذي دعته المرأة فإنَّه يتصوَّر في امرأة دعاها مَلِك جميل مثلًا فامتنعت خوفًا من الله تعالى مع حاجتها.
[1] هذه الرواية أخرجها الإمام مسلم بعد الرواية الصحيحة الأولى ليبين أنها مقلوبة وليست وهمًا منه رحمه الله تعالى.