فهرس الكتاب

الصفحة 10780 من 11127

7286 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويسٍ كما جزم به المزيُّ، واسم أبي أويس عبد الله المدني الأصبحيُّ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعودٍ.

(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ) بتحتانية ونون مصغر عَيْنة _ بفتح العين وسكون التحتانية وبالنون _ (ابْنُ حِصْنِ) بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين وبالنون (ابْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ) الفزاريِّ معدودٌ في الصَّحابة، وكان في الجاهليَّة موصوفًا بالشَّجاعة والجهل والجفاء، وله ذكرٌ في «المغازي» [خ¦4351] ، ثمَّ أسلم في الفتح، وشهد مع النَّبي صلى الله عليه وسلم حُنينًا، فأعطاه مع المؤلَّفة، وسمَّاه النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الأحمق المُطاع ) ).

وكان عيينة ممَّن وافق طُليحة الأسدي لمَّا ادَّعى النُّبوة، فلمَّا غلبهم المسلمون في قتال أهل الرِّدة فرَّ طُليحة وأُسر عُيينة، فأُتي به أبو بكرٍ رضي الله عنه فاستتابه فتاب، وكان قدومه إلى المدينة على عمر رضي الله عنه بعد أن استقامَ أمره وشهدَ الفتوح، وفيه مِن جفاء الأعراب شيءٌ.

(فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ) بضم الحاء وتشديد الراء، بلفظ ضدَّ العبد (ابْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ) بن حذيفة بن بدرٍ الفزاري. قال أبو عمر الحرُّ كان من الوفد الَّذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من فزارة مرجعه من تبوك (وَكَانَ) أي الحرُّ بن قيسٍ (مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ) بضم التحتية وسكون الدال المهملة؛ أي يُقرِّبهم (عُمَرُ) رضي الله عنه، ثمَّ بيَّن ابن عبَّاس رضي الله عنهما سبب إدنائه الحرَّ بقوله (وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ) أي وأصحاب مشاورته؛ يعني الَّذين كان يشاورهم في الأمور.

وأراد بالقرَّاء العلماء والعُبَّاد، وكان الحرُّ المذكور متَّصفًا بذلك، فلذلك يُدنيه عمر رضي الله عنه. قال الكرمانيُّ ومشاورته بلفظ المصدر، وبلفظ المفعول.

(كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا) الكهول جمع كهلٍ، والشُّبَّان حمع شابٍّ، أراد أنَّ هؤلاء المذكورين أصحاب مجلسه

ج 30 ص 21

وأصحاب مشورتهِ، سواء فيهم الكهول والشُّبان؛ لأنَّ كلَّهم كانوا على خيرٍ (فَقَالَ عُيَيْنَةُ لاِبْنِ أَخِيهِ) الحرُّ بن قيسٍ (يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ) أي وجاهةٌ ومنزلةٌ (عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ؟) أراد به أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، لكن لم يقل إلَّا «هذا الأمير» من قوَّة جفائه، وعدم معرفته بمنازل الأكابر (فَتَسْتَأْذِنَ لِي) بنصب (( فتستأذنَ ) )أي فتطلبُ منه الإذن في خلوةٍ؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه كان لا يحتجبُ إلَّا عند خلوته وراحته.

ولأجل ذلك (قَالَ) له الحرُّ (سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ) حتَّى تجتمعَ به وحدك (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما هو موصولٌ بالسَّند المذكور (فَاسْتَأْذَنَ) الحرُّ (لِعُيَيْنَةَ) فأَذِنَ له، (فَلَمَّا دَخَلَ) عُيينة عليه (قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) وهذا من جفائهِ حيث لم يقل يا أمير المؤمنين، أو يا عمر بن الخطَّاب. وقد تقدَّم في «سورة الأعراف» [خ¦4642] (( فلمَّا دخل عليه قال هِيْ يا ابن الخطَّاب ) )بكسر الهاء وسكون الياء، وهذه كلمةٌ تُقال في الاستزادة، وبمعنى التَّهديد. وأشار صاحب «التوضيح» إلى المعنى الثَّاني، وفي بعض الرِّوايات بكسر الهاءين بينهما تحتانية ساكنة.

وقال النَّووي بعد أن ضبطها هكذا هي كلمةٌ تقال في الاستزادة، وتقال بالهمز بدل الهاء. وسبق إلى ذلك قاسم بن ثابتٍ في «الدلائل» كما نقله صاحب «المشارق» ، فقال في قول ابن الزُّبير إيهًا، وقوله إيهٍ بهمزة مكسورة مع التنوين كلمةٌ تُقال لمن استزدته من عملٍ أو حديثٍ لا يُعرف، وتقول إيهًا عنَّا بالنصب؛ أي كفَّ.

قال وقال يعقوب يعني ابن السِّكِّيت _ [وكذا] في «النهاية» وزاد _ فإذا قلت إيهًا بالنَّصب، فهو أمرٌ بالسُّكوت. وقال اللَّيث قد تكون كلمةَ استزادةٍ، وقد تكون كلمةَ زجرٍ، كما يقال إيه عنَّا؛ أي كُفَّ. وقال الكرمانيُّ هِيه هنا بكسر الهاء الأولى. وفي بعض النُّسخ بهمزة بدلها، وهو من أسماء الأفعال يقال لمن تستزيدهُ، كذا قال، ولم يَضْبِط الهاء الثَّانية.

ثمَّ قال وفي بعض النُّسخ بحذف الهاء الثانية، والمعنى واحدٌ، أو هو ضميرٌ لمحذوف؛ أي هي داهيةٌ، أو القصَّة هذه. انتهى.

ووقع في «تنقيح الزركشي» فقال (( هِيءَ يا ابن الخطَّاب ) )بكسر الهاء وآخره همزة مفتوحة، تقول للرَّجل إذا استزدته هِيه وإيه. انتهى.

وقوله وآخره همزةٌ مفتوحةٌ، لا وجه له، ولعلَّه من النَّاسخ، أو سقطَ من كلامه شيءٌ، والَّذي يقتضيه السِّياق أنَّه أراد بهذه الكلمة الزَّجر وطلب الكفِّ، لا الازدياد.

(وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها لام؛ أي العطاءُ الكثير، وأصل الجزل

ج 30 ص 22

ما عظُم من الحطب (وَمَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ) رضي الله عنه وكان شديدًا في الله (حَتَّى هَمَّ أَنْ يَقَعَ [1] بِهِ) أي قصد أن يُبالغ في ضربه، وفي رواية «التَّفسير» [خ¦4642] (( حتَّى همَّ أن يوقع به ) ).

(فَقَالَ) له (الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} ) أي بالمعروفِ والجميل من الأفعال ( {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ) [الأعراف 199] أي ولا تكافئ السُّفهاء بمثل سفههم (وَإِنَّ هَذَا) أي عُيينة (مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي أعرض عنه. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أو الحرُّ بن قيسٍ (فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا) أي لم يتعدَّ (عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ) الحرُّ؛ أي ما عمل بغير ما دلَّت عليه الآية، بل عملَ بمقتضاها. فلذلك قال (وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ) أي يعملُ بما فيه ولا يتجاوزه، وفي هذا تقويةٌ لما ذهب إليه الأكثر أنَّ هذه الآية محكمةٌ.

قال الطَّبريُّ بعد أن أورد أقوال السَّلف في ذلك وإنَّ منهم من ذهب إلى أنَّها منسوخةٌ بآية القتال، والأولى بالصَّواب أنَّها غير منسوخةٍ؛ لأنَّ الله تعالى اتْبعَ ذلك تعليمه نبيَّه محاجةَ المشركين، ولا دَلالة على النَّسخ، فكأنَّها نزلت لتعريف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عِشْرَة من لم يُؤمر بقتاله من المشركين، أو أُريد به تعليم المسلمين، وأمرهم بأخذ العفو من أخلاقهم، فيكون تعليمًا من اللهِ لخلقه صفة عِشْرة بعضهم بعضًا فيما ليس بواجبٍ، فأمَّا الواجب فلا بدَّ من عمله فعلًا أو تركًا. انتهى ملخَّصًا.

قال الرَّاغب {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف 199] معناه خُذ ما سهل تناوله، وقيل تعاطَ العفو مع النَّاس، والمعنى خُذ ما عفا لك من أفعال النَّاس وأخلاقهم وسهل من غير كلفةٍ، ولا تطلب منهم الجهد، وما يشقُّ عليهم حتَّى ينفروا، وهو كحديث (( يسِّروا ولا تعسِّروا ) ) [خ¦69] ، ومنه قول الشَّاعر

~خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ

وأخرج ابن مَرْدويه من حديث جابرٍ، وأحمد من حديث عقبة بن عامرٍ لمَّا نزلت هذه الآية سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم جبريل فقال يا محمد، إنَّ ربَّك يأمرك أن تَصِلَ من قطعكَ، وتُعطي من حرمَكَ، وتعفوَ عمَّن ظلمَكَ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( ألا أدلُّكم على أشرفِ أخلاق الدُّنيا والآخرة؟ ) )قالوا وما ذاك؟ فذكره.

قال الطِّيبي ما ملخَّصه أمرَ الله نبيَّه في هذه الآية بمكارم الأخلاق فأمر أمَّته بنحو ما أمره الله به، ومحصلُّهما الأمرُ بحسنِ المعاشرة مع النَّاس، وبذل الجهد في الإحسانِ إليهم والمداراة معهم والإغضاء عنهم، وبالله التَّوفيق.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( وكان وقَّافًا عند كتاب الله ) )فإنَّ الَّذي يقف عند كتاب الله هو الَّذي يقتدي بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوقوفُ عند كتابِ الله العملُ بما فيه.

وقد مضى الحديث في «التَّفسير» في «سورة الأعراف» [خ¦4642] .

[1] في هامش الأصل في رواية بأن يقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت