فهرس الكتاب

الصفحة 10974 من 11127

7437 - 7438 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى، أبو القاسم القرشيِّ العامري الأويسي المديني، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه

ج 30 ص 264

(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (اللَّيْثِيِّ) بالمثلثة، ثمَّ الجندعي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا) عزَّ وجلَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) وقوله «تضارون» _ بفتح المثناة الفوقية وضمها وتشديد الراء وتخفيفها _ فالتَّشديد بمعنى لا تتخالفون ولا تتحاملون [1] في صحَّة النظر إليه لوضوحهِ وظهوره، يقال ضَارَّه يُضَارُّه مثل ضرَّه يضره.

وقال الجوهريُّ يقال أضرَّني فلان إذا دنا منه دنوًا شديدًا، فأرادَ بالمضارَّة الاجتماع والازدحام عند النَّظر إليه، وأمَّا التخفيف فهو من الضَّير لغة في الضُّر، والمعنى فيه كالأول.

(قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ) يحجبها (قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) عزَّ وجلَّ إذا تجلَّى لكم (كَذَلِكَ) أي واضحًا جليًّا بلا شكٍّ ولا مشقَّة ولا اختلاف (يَجْمَعُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ) بسكون الفوقية وفتح الموحدة، ويروى بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، من الاتباع (فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ) الأول منصوب يعبد، والثاني بـ «يتبع» .

(وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ) بنصبهما كذلك (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ) بنصبهما أيضًا. والطَّواغيت جمع طاغوت، والطَّواغيت الأصنام والشَّياطين، وفي «الصَّحاح» الطَّاغوت الكاهنُ وكل رأسٍ في الضَّلال، قد يكون واحدًا وقد يكون جمعًا، وهو على وزن لاهوت مقلوب؛ لأنَّه من طغا، ولاهوت من لاه، وأصله طغووت مثل جبروت، نقلت الواو إلى ما قبل الغين ثمَّ قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.

(وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا) بالشين المعجمة والعين المهملة، أصله شافعون، فسقطت النون للإضافة، من شفع يشفعُ شفاعة، فهو شافعٌ وشفيع (أَوْ) قال (مُنَافِقُوهَا) أي بدل «شافعوها» (شَكَّ إِبْرَاهِيمُ) أي ابن سعد الرَّاوي، قال الحافظُ العسقلاني والأوَّل المعتمد (فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ إتيانًا لا يُكيَّف عاريًا عن الحركة والانتقال، أو هو مجازٌ عن التجلِّي لهم، وقيل عن رؤيتهم إيَّاه؛ لأنَّ الإتيان إلى الشَّخص مستلزم

ج 30 ص 265

لرؤيته. وقال القاضي عياض أي يأتيهم بعضُ ملائكته، أو يأتيهم في صورةِ الملك، وهذا آخر امتحان المؤمنين. انتهى.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت الملك معصومٌ فكيف يقول أنا ربُّكم، وهو كذبٌ؟ قلت لا نسلِّم عصمته من مثل هذه الصَّغيرة. انتهى. لا سيَّما كان ذلك للامتحان بإذن الله تعالى، فإضافته إلى نفسه على جهةِ الإسناد المجازي مثل قطع الأمير اللِّص، وزاد في «الرقاق» [خ¦6573] (( في غير الصُّورة التي يعرفونها ) )وما قاله العيني اعتراضًا على الكرماني_ من أنَّه حينئذٍ فرعون لم يصدر منه إلَّا صغيرة في قوله {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات 24] . ولو نزَّه شرحه عن مثل هذا لكان أحسن_ فلا يَرِدُّ عليه، فليتأمَّل.

(فَيَقُولُ) لهم (أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا) وزاد في «الرقاق» أيضًا [خ¦6573] (( فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا ) ) (حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا) وفي رواية غير المستملي (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ) فيتجلَّى لهم بعد تمييز المنافقين (فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) أي في صفته التي عرفوه وهي التي هو عليها من التَّعالي من صفاتِ الحدوث بعد أن عرَّفَهم نفسه المقدَّسة، ورفع عن أبصارهم الموانع.

وقال في «المصابيح» (( في صورته التي يعرفون ) )؛ أي في علامةٍ جعلها الله دليلًا على معرفته، والتَّفرقة بينه وبين مخلوقاتهِ، فسُمِّيَ الدَّليل والعلامة صورة مجازًا، كما تقول العرب صورة أمرك كذا، وصورة حديثك كذا، والأمر والحديث لا صورةَ لهما، وإنَّما يريدون حقيقة أمرك وحديثك.

وقال ابنُ التِّين اختُلف في معنى الصُّورة فقيل صورة اعتقاد كما تقول صورة اعتقادِي في هذا الأمر، فالمعنى يرونه على ما كانوا يعتقدون من الصِّفات. وقال ابنُ قتيبة لله صورة لا كالصُّور كما أنَّه شيءٌ لا كالأشياء، فأثبتَ لله صورة قديمة. وقال ابنُ فورك وهذا جهلٌ من قائله.

وقال الدَّاودي إن كانت الصُّورة محفوظة فيحتمل أن تكون صورة الأمر والحال الذي يأتي فيه. وقال المهلَّب أمَّا قولهم (( فإذا جاء ربنا عرفناه ) )، فإنَّما ذلك أنَّ الله تعالى يبعثُ إليهم ملكًا ليفتنهم ويختبرهَم في اعتقادِ صفات ربِّهم الذي ليس كمثله شيء، فإذا قال لهم الملَك أنا ربُّكم، رأوا عليه دليل الخِلْقة التي تشبه المخلوقات، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينَا ربُّنا، فإذا جاءنا عرفناهُ؛ أي إنَّك لست ربنا فيأتيهِم الله تعالى

ج 30 ص 266

في صورته التي يعرفون؛ أي يظهر إليهم في مُلْكٍ لا ينبغي لغيره، وعظمةٍ لا تشبه شيئًا من مخلوقاته، فيعرفون أنَّ ذلك الجلال والعظمة لا يكون لغيره، فيقولون أنت ربَّنا الذي لا يشبهك شيء، فالصُّورة يُعبَّر بها عن حقيقة الشَّيء.

(فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ) بتشديد الفوقية؛ أي يتَّبعون أمرَه إيَّاهم بذهابهم إلى الجنَّة، أو ملائكته التي تذهبُ بهم إليها (وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ) بضم حرف المضارعة وفتح ثالثه، والصِّراط الجسر (بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) أي على وسطها، ويروى وكل شيءٍ متوسِّط بين شيئين، فهو بين ظهريهما وظهرانيهما، وقال الدَّاودي يعني على أعلاها فيكون جسرًا، ولفظ (( ظهرَي ) )مُقحم، والمراد جسرٌ ممدود على متن جهنَّم أحدُّ من السَّيف، وأرقُّ من الشعر يمرُّ عليه النَّاس كلهم.

(فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا) أي يجوز بأمَّته على الصِّراط ويقطعه، يقال أجزتُ الوادي وجزته، لغتان، وقال الأصمعيُّ أجار بمعنى قطع، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي، ورواية الأَصيليِّ وابن عساكر من المجيء (وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ) أي في حال الإجازة، وإلا ففي يوم القيامة مَواطن يتكلَّم النَّاس فيها، وتجادل كلُّ نفسٍ عن نفسها، ولا يتكلَّمون لشدَّة الأهوال.

(إِلاَّ الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) مرَّتين (وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ) من غير صرف جمع كَلوب _ بفتح الكاف _ وهو حديدةٌ معطوفةُ الرَّأس يعلَّق عليها اللَّحم، وقيل الكلوب الذي يتناول به الحدَّاد الحديد من النَّار، كذا في «شرح ابن بطال» ، وقال ابن التِّين هو الذي يُخطفُ به الشَّيء يعني أنَّها معلَّقة مأمورة بأخذ من أُمرت به (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين المهملة والدال بينهما عين مهملات، هو في أرضٍ نجدٍ، وهو نبت له شوكٌ عظيمٌ مثل الحسكِ من كلِّ جانب (هَلْ رَأَيْتُمُ شَوْكَ السَّعْدَانَ) استفهام تقريرٍ لاستحضار الصُّورة المذكورة.

(قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا) أي الشَّوكة، وفي رواية الكُشميهني (إِلاَّ اللَّهُ) تعالى، قال القُرطبي قيَّدنا «قَدْرُ» عن بعضِ مشايخنا بضم الراء على أن ما استفهامية، وقدر مبتدأ وبنصبها على أنَّ ما زائدة وقدر مفعول يعلم

ج 30 ص 267

(تَخْطَفُ) بفتح الطاء ويجوز كسرها (النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) أي بسبب أعمالهم القبيحة، أو بقدر أعمالهم.

(فَمِنْهُمُ المُؤْمِنُ) بالميم والنون، من الإيمان (بَقِيَ) بالموحدة والقاف، من البقاء، وفي نسخة (بِعَمَلِهِ) ويروى من الوقاية؛ أي يستره عمله، ويروى وكذا في مسلم (أَوِ المُوْبَقُ) بفتح الموحدة؛ أي الهالك وهو الكافر، وقال القاضي عياض قوله (( فمنهم المؤمن بقي عمله ) )روي على ثلاثة أوجه

أحدها المؤمنُ بقي بعمله، بالميم والنون، وبقي بالباء والقاف.

والثَّاني الموثق، بالمثلثة والقاف؛ أي من الوثاق.

والثَّالث الموبق يعني بعمله، فالموبق بالباء الموحدة والقاف، ويَعني بفتح المثناة التحتية وبعدها العين ثم النون.

قال القاضي هذا أصحها، أو كذا قال صاحب «المطالع» هذا الثالث هو الصَّواب، قال وفي «بقي» على الوجه الأوَّل ضبطان أحدهما بالباء الموحدة، والثَّاني بالمثناة التحتية، والموبق من وبق إذا هلك، وأوبقته ذنوبه أهلكته، والضَّمير في «منهم» للنَّاس.

(وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ) بالخاء المعجمة والدال المهملة؛ أي المتقطِّع الذي يقطعه كلاليب الصِّراط حتَّى يهوي إلى النَّار، قيل كالخَردلة، من خردلت اللَّحم فصَّلته، وخردلت الطَّعام أكلت خياره، قاله صاحب «العين» .

وقال غيرُه خردلتُه صرعتُه، فمعنى المخردل المصروع، وهذا الوجه يُوافق معنى الحديث، كما قاله ابن بطَّال. وقال السَّفاقسي وهو أنسبُ بسياق الخبر، وقال الكرماني ويقال بالذال المعجمة أيضًا، والجردلة _ بالجيم _ الإشراف على الهلاك، وهذا كلُّه شكٌّ من الرُّواة.

(أَوِ الْمُجَازَى) بضم الميم وفتح الجيم والزاي بينهما ألف، من الجزاء، وفي مسلم (( ومنهم المجازى حتى يُنْجَى ) ) (أَوْ نَحْوُهُ) هذا شكٌّ من الرَّاوي أيضًا (ثُمَّ يَتَجَلَّى) بتحتية ففوقية فجيم فلام مشددة مفتوحات، كذا في الفرع كأصله مصحَّح عليه؛ أي يتبين.

قال الحافظُ العسقلاني ويحتمل أن تكون بالخاء المعجمة؛ أي يخلى عنه فيرجعُ إلى معنى ينجو.

(حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) أي أتمَّ، وقال ابنُ المُنيِّر الفراغ إذا أضيفَ إلى الله تعالى معناه القضاء، وحلوله بالمقضي عليه، والمراد إخراج الموحِّدين وإدخالهم الجنَّة واستقرار أهل النَّار في النَّار (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) بضم أوله وكسر ثالثه (بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ) عزَّ وجلَّ(شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ،

ج 30 ص 268

مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)قيل هذا تكرار لقوله «لا يشرك بالله» ، وأُجيب بأن فائدته تأكيد الإعلام بأن تعلُّق إرادة الله بالرَّحمة ليس إلَّا للموحِّدين (فَيَعْرِفُونَهُمْ في النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني (تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ) أي موضع أثر السُّجود، وهو الجبهةُ، وقيل الأعظم السَّبعة ورجَّحه النَّووي، قيل قال الله تعالى {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ} [التوبة 35] . وأُجيب بأنَّه نزل في أهل الكتاب مع أنَّ الكيَّ غير الأكل.

فإن قلت ذكر مسلم مرفوعًا (( أنَّ قومًا يُخرجون من النَّار يحترقون فيها إلَّا دارات الوجوه ) )وهو كما قال القاضي عياض يدلُّ على أنَّ المراد بأثر السُّجود الوجه خاصَّة، ويؤيِّده أنَّ في بقيَّة الحديث أنَّ منهم من غاب في النَّار إلى نصفِ ساقيه. وفي مسلم من حديث سمُرة (( وإلى ركبتيه ) ). وفي رواية هشام بن سعد في حديث أبي سعيد (( وإلى حقويه ) )لكن حمله النَّووي على قومٍ مخصوصين من جملة الخارجين من النَّار بأنهم لا يَسْلم منهم من النَّار إلَّا دارة الوجوه، وأمَّا غيرهم فتسلم جميع الأعضاء [2] منهم على العمومِ بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عامٌّ، وذلك خاصٌّ فيُعمل بالعام إلَّا ما خُصَّ.

ونقل بعضُهم أنَّ علامتهم الغُرَّة، ويضافُ إليها التَّحجيل وهو في اليدين والقدمين ممَّا يصل إليه الوضوء، فيكون أشمل ممَّن قال أعضاء السُّجود لدخولِ جميع اليدين والرجلين لا يختصُّ بالكفين والقدمين، ولكن ينقص منه الرُّكبتان، وما استدل به من بقيَّة الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار؛ لأنَّ تلك الأحوال الأخرويَّة خارجة عن قياس أحوال أهل الدُّنيا، ودلَّ التَّنصيص على دارات الوجوه أنَّ الوجه كله لا تُؤثر فيه النَّار إكرامًا لمحل السُّجود، ويحتملُ الاقتصار عليها لشرفها.

(فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) حال كونهم (قَدِ امْتَحَشُوا) بالحاء المهملة والشين المعجمة، وهو بفتح التاء والحاء، هكذا هو في الرِّوايات، وكذا نقله القاضي عن متقني شيوخهم، قال وهو وجه الكلام، وكذا ضبطه الخطَّابي والهروي وقالا معناه احترقوا، وروي على صيغة المجهول.

وفي «الصَّحاح» المحش إحراقُ النَّار الجلدَ، وفيه لغة أمحشته النَّار، وامتحش الجلد احترق.

وقال الدَّاودي امتحشوا ضمروا ونقصوا كالمحترقين،

ج 30 ص 269

وحاصله أنَّه احترقَ جلدهُم وظهرَ عظمهم.

(فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضم التحتية وفتح الصاد (مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، بزرُ البقول والعشب من بزورِ الصَّحراء تنبتُ في جوانب السَّيل والبراري، وجمعها حِبَب _ بكسر الحاء وفتح الباء _ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة، ما يحمله السَّيل من طين ونحوه؛ أي محمول السَّيل، والتَّشبيه إنَّما هو في سرعة النَّبات وطراوتهِ وحسنه، وفي رواية يحيى بن عمارة (( إلى جانب السَّيل ) )، والمراد أنَّ الغثاء الذي يجيءُ به السَّيل يكون فيه الحِبَّة، فتقع في جانب الوادي فتصبح من يومها نابتة.

(ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ) زاد أبو ذرٍّ (مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) وفي حديث حذيفة في «أخبار بني إسرائيل» [خ¦3452] (( أنَّه كان نبَّاشًا ) )، وعند الدَّارقطني في «غرائب مالك» أنَّه رجل من جُهينة، وعند السُّهيلي اسمه هنَّاد (فَيَقُولُ أَيْ) بسكون الياء (رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي) بالقاف والشين المعجمة والموحدة مفتوحات؛ أي آذاني وأهلكني، هكذا معناه عند الجمهور من أهل اللُّغة، وقال الدَّاودي معناه غَيَّرَ جِلْدي وصورتي (رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذال المعجمة وبعد الكاف همزة، كذا في جميع الرِّوايات، ومعناه لَهُبها واشتعالها وشدَّة لفحها، والأشهر في اللُّغة مقصور بلا همز، وقيل القصر والمد لغتان، يقال ذكت النَّار تذكو ذكاءً اشتعلتْ وأذكيتها أنا، وقيل في رواية أبي ذرٍّ بغير همز.

(فَيَدْعُو اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (هَلْ عَسَيْتَ) بفتح التاء على الخطاب، ويقال بفتح السين وكسرها، وهما لغتان قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح، وهو الأصح الأشهر في اللُّغة، وقال الخليل لا يُستعمل منه مستقبلٌ (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) بضم الهمزة وكسر الطاء وبفتح التاء على البناء للمفعول، وذلك إشارة إلى صرف وجهه من النَّار، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح الهمزة والطاء وبضم التاء على التَّكلم وبالكاف (أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني .

ج 30 ص 270

(مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (أَنْ يَسْكُتَ) حياءً (ثُمَّ يَقُولُ أَيْ رَبِّ قَدِّمْنِي) بسكون الميم بعد كسر الدال المشددة (إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لَهُ أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَدًا؟) أي غير صرف وجهك عن النَّار.

(وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ) فعل تعجُّب من الغدر، ونقض العهد وترك الوفاء بالعهد (فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (حَتَّى يَقُولَ) أي الله عزَّ وجلَّ له (هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي) أي الله عزَّ وجلَّ (مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، انْفَهَقَتْ) بنون ساكنة ففاء فهاء فقاف مفتوحات، من الانفهاق وهو الانفتاح والاتساعُ؛ أي انفتحتْ واتَّسعت (لَهُ الْجَنَّةُ فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْحَبْرَةِ) بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة، قال الكرماني النِّعمة.

وقال ابنُ الأثير الحبرة سعةُ العيش، وكذلك الحبور. وفي مسلم (( فرأى ما فيها من الخير ) )بالخاء المعجمة وبالتحتية. وقال النَّووي هذا هو الصَّحيح المشهور في الروايات والأصول. وحكى القاضي عياض أنَّ بعض رواة مسلم رواه (( الحَبْر ) )بفتح الحاء المهملة وسكون الباء، ومعناه السُّرور، وقال صاحب «المطالع» كلاهما صحيحٌ، والثَّاني أظهر.

(وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ أَيْ رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ) وقد ضُرِب على «فيقول» هذه في الفرع كأصله (وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ لاَ أَكُونَنَّ) بنون التَّأكيد الثَّقيلة، هكذا في رواية المستملي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والكُشميهني (أَشْقَى خَلْقِكَ) قال الكرماني فإن قلت هذا ليس بأشقى؛ لأنَّه خلصَ من العذاب، وزحزح عن النَّار، وإن لم يدخل الجنَّة، قلت يعني أشقى أهل التَّوحيد الذين هم أبناء جنسه فيه، وقيل أشقى خلقك الذين لم يخلَّدوا في النَّار.

وقال الطِّيبي فإن قلت كيف طابق هذا الجواب قوله (( ألست قد أعطيتَ العهود والميثاق ) )، قلت كأنَّه قال يا ربِّ بل أعطيتُ العهودَ والمواثيق، لكن تأمَّلت كرمَك وعفوك،

ج 30 ص 271

وقوله تعالى {وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف 87] . فوقفت على أنِّي لست من الكفَّار الذين أيسوا من رحمتكَ، وطمعتُ في كرمكَ وسعةِ رحمتك، فسألت ذلك، وكأنَّه تعالى رضيَ بهذا القول فضحَك، كما قال

(فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (مِنْهُ) الضَّحكُ محالٌ على الله، ويراد لازمه وهو الرِّضا عنه ومحبَّته إيَّاه (فإذا ضَحِكَ مِنْهُ، قَالَ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (لَهُ تَمَنَّهْ) بهاء السَّكت، وهو أمرٌ من تمنَّى يتمنَّى (فَسَأَلَ رَبَّهُ) عزَّ وجلَّ (وَتَمَنَّى حَتَّى إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ) أي المتمنَّى الفلاني والفلاني يسمِّي له أجناس ما يتمنَّى، وهذا من عظم رحمة الله سبحانه (يَقُولُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) جمع أمنية، ويجوز في الجمع التخفيف والتشديد (قَالَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (ذَلِكَ) أي الذي سألت (لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) أي ومثل ما أُعطي بسؤاله يعطي أيضًا مثله.

قال الدَّماميني في «مصابيحه» فإن قلت قد علم أنَّ الدَّار الآخرة ليست دارَ تكليفٍ، فما الحكمة في تكرارِ أخذ العهود والمواثيقِ عليه، إذ لا يسأل غير ما أعطيه مع أنَّ إخلافه لا أثمَ عليه فيه؟

قلت الحكمةُ فيه ظاهرة، وهي إظهارُ التمنِّي والإحسان إليه مع تذكيرهِ لنقض عهودهِ ومواثيقه، ولا شكَّ أنَّ للمنَّة مع هذه الحالة التي اتَّصف بها العبد وقعًا عظيمًا.

وقال الكلاباذيُّ سكوت هذا العبد أولًا عن السُّؤال يعني قوله في الحديث (( فيسكت ما شاء الله ) )حياءً من ربِّه، والله يحبُّ أن يُسألَ؛ لأنه يحبُّ صوت عبدهِ المؤمن فباسطه أولًا بقوله «لعلَّك إن أُعطيتَ هذا تسأل غيره» ، وهذه حالة المقصِّر فكيف حالة المطيع، وليس نقضُ هذا العبد عهده وتركه ما أقسم عليه جهلًا منه، ولا قلة مبالاة بل علمًا منه بأن نقضَ هذا العهد أولى من الوفاء به؛ لأنَّ سؤاله ربَّه أولى من ترك السُّؤال، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خيرٌ ) )فعملَ هذا العبد على وَفْق هذا الخبر، والتَّكفير قد ارتفعَ عنه في الآخرة.

(قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) الرَّاوي(وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مع أبي هريرة لا يردُّ عليه من حديثه شيئًا حتى إِذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ.

ج 30 ص 272

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا حَفِظْتُ إِلاَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)والجمع بينهما أنَّ اللهَ أَعْلَم أولًا بما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ تكَّرم الله وتفضَّل فزادَ ما في رواية سعيد ولم يسمعه أبو هريرة رضي الله عنهما (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (فَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا) .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث في «الرِّقاق» ، في «باب الصِّراط جسر جهنَّم» [خ¦6573] .

[1] في هامش الأصل في نسخة ولا تتجادلون.

[2] في هامش الأصل في نسخة صحيحة أعضاء السجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت