فهرس الكتاب
7439 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير _ بضم الموحدة وفتح الكاف _ المخزومي المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد، وفي رواية أبي ذرٍّ ثبت (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة، الجُمحي (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ) اللَّيثي مَولاهم المدني (عَنْ زَيْدٍ) هو ابنُ أسلم مولى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) رضي الله عنه (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم
(هَلْ تُضَارُونَ) بضم أوله وتخفيف الراء؛ أي لا يلحقكم ضير، ولا يخالفُ بعضُكم بعضًا ولا تتنازعون، ويروى بالتشديد؛ أي لا يضارَّ أحدكم أحدًا، ويروى بفتح التاء وتشديد الراء، من التَّفاعل (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله «والقمر» (إِذَا كَانَتْ) أي السَّماء (صَحْوًا) أي ذات صحو، وفي «الصَّحاح» أصحَّت السَّماء انقشعَ عنها الغيم، فهي مصحيَّة، وقال الكسائي فهي صحو ولا تقل مصحيَّة (قُلْنَا لاَ، قَالَ فَإِنَّكُمْ لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (إِلاَّ كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا) أي الشَّمس والقمر، وفي رواية أبي ذرٍّ أي الشَّمس، والتَّشبيه المذكور هنا إنَّما هو في الوضوح، وزوال الشَّك لا في المقابلةِ والجهة وسائر الأمور العادية عند رؤيةِ المُحْدَثات.
وقال في «المصابيح» هذا من تأكيدِ المدح بما يشبه الذَّم. انتهى. فهو من باب دعوى الشَّيء ببينة.
(ثُمَّ قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ) أي النَّصارى (مَعَ صَلِيبِهِمْ وَأَهْلُ الأَوْثَانِ) أي المشركون (مَعَ أَوْثَانِهِمْ) بالمثلثة فيهما (وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بكسر الهمزة وإسقاط الفوقية بلفظ الإفراد (حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (مِنْ بَرٍّ) بفتح الموحدة وتشديد الراء، مطيع لربِّه (أَوْ فَاجِرٍ) منهمك في المعاصي والفجور (وَغُبَّرَاتٌ)
ج 30 ص 273
بضم الغين المعجمة وتشديد الموحدة بعدها راء فألف ففوقية، والمجرور معطوف على المجرور، أو هو مرفوع عطف على مرفوع «يبقى» .
قال الكرمانيُّ جمع غابر، وليس كذلك بل هو جمع غُبر، وغبر الشَّيء بقيَّته. وقال ابنُ الأثير الغبرات جمع غبر، والغُبر جمع غابر.
(مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ) بضم الفوقية وفتح الراء (كَأَنَّهَا سَرَابٌ) بالسين المهملة، وهو الذي يتراءى للنَّاس في القاعِ المستوي وسط النَّهار في الحرِّ الشَّديد لامعًا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتَّى إذا جاءهُ لم يجده شيئًا، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالتَّعريف (فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ) وعُزَيْرٌ منصرف، وإن كان فيه العُجمة والعلمية مثل نوح ولوط لسكون وسطه (فَيُقَالُ) لهم (كَذَبْتُمْ) في كون عزير ابن الله لا في عبادة عزير، فإنَّهم كانوا يعبدونه (لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ) قال الكرمانيُّ فإن قلت المرجعُ هو الحكم الموقَع لا الحكم المشار إليه، فالصِّدق والكذبِ راجعان إلى الحكم بالعبادة لا إلى الحكم بكونه ابنًا.
قلت إنَّ الكذبَ راجعٌ إلى الحكم بالعبادة المقيَّدة، وهي منتفيةٌ في الواقع باعتبار انتفاءِ قيدها، أو هو في حكم القضيتين كأنَّهم قالوا عزير ابن الله، ونحن كنَّا نعبدُه فكذَّبهم في القضية الأولى.
وقال البدر الدَّماميني صرَّح أهل البيان بأنَّ مورد الصِّدق والكذب هو النِّسبة التي تضمَّنها الخبر، فإذا قلت زيد بن عامر قائم فالصِّدق والكذبُ راجعان إلى القيام لا إلى بنوة زيد، وهذا الحديث يردُّ عليهم، وحاول بعض المتأخِّرين الجواب بأن قال يُراد كذبتُم في عبادتكُم عزيرًا الموصوف بهذه الصِّفة، فافهم.
(فَمَا تُرِيدُونَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ) لهم (اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ) وفي «تفسير سورة النساء» [خ¦4581] (( فماذا تبغون؟ فقالوا عطشنَا ربَّنا فاسقنا فيُشار ألا تَرِدُون فيحشرون إلى جهنَّم كأنها سرابٌ يحطمُ بعضها بعضًا ) )، فيتساقطون لشدَّة عطشهِم وإفراط حرارتهم في النَّار (ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ) في كون المسيح ابن الله (لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ) زاد أبو ذرٍّ (حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ) لهم (مَا يَحْبِسُكُمْ) بالحاء المهملة والموحدة، من الحبسِ؛ أي عن الذَّهاب، كذا في رواية الكُشميهني وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالجيم واللام؛ أي ما يقعدكم عن الذَّهاب
ج 30 ص 274
(وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ فَيَقُولُونَ فَارَقْنَاهُمْ) أي النَّاس الذين زاغوا عن الطَّاعة في الدُّنيا (وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ) وقال البرماويُّ والعيني كالكرماني أي فارقنا النَّاس في الدُّنيا، وكنَّا في ذلك الوقت أحوج إليهم منَّا في هذا اليوم، فكلُّ واحدٍ من المفضَّل والمفضل عليه واحدٌ، لكن باعتبار زمانين؛ أي نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممَّن كانوا نحتاج إليهم في المعاش لزومًا لطاعتكَ، ومقاطعة لأعدائك أعداء الدِّين، وغرضهم منه التضرُّع إلى الله تعالى في كشفِ هذه الشِّدَّة خوفًا من المصاحبة معهم في النَّار؛ يعني كما لم نكن مصاحبين لهم في الدُّنيا لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة.
(وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِيَلْحَقْ) بالجزم على الأمر (كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَإِنَّا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا) زاد في «النساء» (( الذي كنَّا نعبدُ ) ) [خ¦4581] (قَالَ فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ) تعالى إتيانًا منزهًا عن الحركة وسماتِ الحدوث (فِي صُورَةٍ) أي صفة، وأطلقَ الصُّورة على سبيلِ المشاكلة، واستدلَّ ابن قتيبة بذكر الصُّورة على أنَّ لله صورة لا كالصُّور كما أنا نثبت أنَّه شيء لا كالأشياء. وقال ابن بطَّال تمسَّك به المجسِّمة فأثبتوا لله صورة، ولا حجَّة لهم لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلًا على معرفته، كما يسمَّى الدَّليل والعلامة صورة، أو هي صورة الاعتقاد.
(غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّة) يعني فقالوا «فإذا رأينا ربنا عرفناه» ؛ يعني لست أنت ربنا لِمَا رأوا عليه من صفةِ المخلوق، قيل يحتمل أن يشيرَ بذلك إلى ما عرفوه حين أخرجَ ذريَّة آدم من صلبه، ثم أنساهم ذلك في الدُّنيا، ثمَّ يُذكِّرهم بها في الآخرة (فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا، فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ) أي علامة (تَعْرِفُونَهُ) بها (فَيَقُولُونَ السَّاقُ) بالسين المهملة والقاف، فهذا يحتمل أنَّ الله عرَّفهم على ألسنة الرُّسل من الملائكة أو الأنبياء أنَّ الله جعل لهم علامة بحلية السَّاق، وهو كما قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في تفسير {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم 42] ؛ أي الشِّدَّة والاضطراب تقول قامت الحرب على ساق، وهذا مَثَلٌ يضربه العرب لشدَّة الأمر المهول [1] ، وقيل هو النُّور العظيم كما رُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقيل هو جماعة من الملائكة، يقال ساق من النَّاس، وقيل هو ساق يخلقها الله خارجة عن السُّوق المعتادة، وقيل جاء السَّاق بمعنى النَّفس؛ أي يتجلَّى لهم ذاته.
وقيل هو ما يتجدَّد للمؤمنين من الفوائد والألطاف، كما قال ابن فورك أو رحمة للعالمين نقمة لغيرهم، كما قاله المهلَّب.
(فَيَكْشِفُ) أي الله تعالى (عَنْ سَاقِهِ) أي تتجلَّى لهم ذاته، وهذا هو الظَّاهر(فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ
ج 30 ص 275
وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً)أي ليراه النَّاس (وَسُمْعَةً) ليسمعهم [2] (فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ) قال العيني لفظة «كي» هنا بمنزلة لام التَّعليل في المعنى والعملِ، دخلت على «ما» المصدرية بعدها «أن» مضمرة تقديره يذهبُ لأجل السُّجود. قال النَّووي وهذا السُّجود امتحان من الله تعالى لعباده.
(فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا) الطَّبق فقار الظَّهر؛ أي صار فقارهُ واحدة كالصَّفيحة فلا يقدر على السُّجود، وقيل الطَّبق عَظْمٌ رقيق يفصل بين كلِّ فقارين، وقال ابن بطَّال تمسَّك به من أجاز تكليف ما لا يُطاق من الأشاعرةِ والمانعون تمسَّكوا بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286] .
ورُدَّ عليهم بأنَّ هذا ليس فيه تكليفِ ما لا يُطاق، وإنَّما هو خزي وتوبيخ إذا أدخلوا أنفسهم بزعمهم في جملة المؤمنين السَّاجدين في الدُّنيا، وعلم الله منهم الرِّياء في سجودهم، فدُعوا في الآخرة إلى السُّجود كما دُعي المؤمنون المحقُّون، فيتعذَّر السُّجود عليهم ويعودُ ظهورهم طبقًا واحدًا، ويظهرُ الله تعالى عليهم نفاقهم، فأخبرهُم وأوقع الحجَّة عليهم.
(ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ) بكسر الجيم وفتحها، حكاهما ابن السِّكيت والجوهري، والكسر في الفرع والذي في «اليونينية» هو الفتح (فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء (قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَدْحَضَةٌ) بفتح الميم وسكون الدال وفتح الحاء المهملتين والضاد المعجمة المفتوحة، من دحضت رجله دحضًا زلقت، ودحضت الشَّمس عن كبد السَّماء زالت، ودحضت حجَّته بطلت (مَزِلَّةٌ) بفتح الميم وكسر الزاي ويجوز فتحها وبتشديد اللام، من زلَّت الأقدام سقطت.
وقال الكرماني يعني المزلقة؛ أي موضعٌ تزلق فيه الأقدام، ومدحضةٌ محل ميل الشَّخص، وهما متقاربان، وفي رواية الكُشميهني بضم التحتية؛ أي .
(عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ) جمع خُطاف _ بالضم _، وهو الحديدةُ المعوجة، كالكَلوب يختطف بها الشَّيء (وَكَلاَلِيبُ) جمع كلوب، وقد مرَّ تفسيره [خ¦7437] (وَحَسَكَةٌ) بفتح الحاء والسين المهملة والكاف، نبات له ثمر خشن يتعلَّق بأصواف الغنم.
وقال ابنُ الأثير هي شوكةٌ صلبة معروفة، وقيل نباتٌ مفروش في الأرض ذو شوك يتشوَّك فيه كلُّ من مرَّ به، وربَّما اتخذ مثله من حديد، وهو من آلات الحرب. وقال الجوهري الحسك حسك السَّعدان، والحسكة ما يعمل من حديد على مثاله.
(مُفَلْطَحَةٌ) بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام وفتح الطاء والحاء المهملتين وهاء تأنيث؛ أي عريضة، وقال الأصمعيُّ واسعة الأعلى دقيقة الأسفل،
ج 30 ص 276
هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني بتقديم الطاء وتأخير الفاء واللام قبلها، من طلفحه إذا أرقَّه، والطَّلافح العراض والأول هو المعروف في اللُّغة يعني عريض، يقال فلطح القرض إذا بسطه وعرَّضه.
(لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ) بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون التحتية وبالفاء ممدودًا، ويروى على وزن كَرِيمة، وهي المنعطفة (تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا) أي يمرُّ المؤمن عليها (كَالطِّرْفِ) بكسر الطاء، وهو الكريمُ من الخيل وبالفتح البصر بمعنى كلمح البصر، وهذا هو الأولى لئلا يلزم التِّكرار.
(وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ) جمع أجواد، جمع جوادن وهو فرسٌ بَيِّن الجود رائع؛ أي الفرس السَّابق الجيِّد (وَالرِّكَابِ) بكسر الراء، الإبل واحدتها الرَّاحلة من غير لفظها (فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ) بفتح اللام المشددة (وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة آخره شين معجمة؛ أي مخموش ممزوق، قاله الكرماني من الخمش _ بالمعجمتين _، وهو تمزيقُ الوجه بالأظافير.
(وَمَكْدُوسٌ) بميم مفتوحة فكاف ساكنة فدال مهملة مضمومة بعدها واو ساكنة فسين مهملة؛ أي مصروع، ويروى بالشين المعجمة؛ أي مدفوع مطرودٌ، ويروى بالمهملات من كردست الدَّواب إذا ركب بعضها بعضًا (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) والحاصل أنهم ثلاثة أقسام قسم مُسَلَّم لا يناله شيء أصلًا، وقسم يخدشُ ثمَّ يَسْلم ويخلص، وقسم يسقطُ في جهنَّم (حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ) أي آخر النَّاجين (يُسْحَبُ) بضم أوله وفتح ثالثه على البناء للمفعول. (سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ) خبر «ما» ، والخطاب للمؤمنين (لِي مُنَاشَدَةً) بالنصب على التمييز؛ أي مطالبة (فِي الْحَقِّ) ظرف له (قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ) جملة حالية من أشد، وقوله (مِنَ الْمُؤْمِنِ) صلة «أشد» (يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ) متعلِّق «بمناشدة» (وَإِذَا) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالفاء (رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا [3] فِي إِخْوَانِهِمْ) متعلِّق «بمناشدة» أيضًا، وقال الكرماني أي ليس طلبكم منِّي في الدُّنيا في شأن حقٍّ يكون ظاهرًا لكم أشدُّ من طلبِ المؤمنين من الله في الآخرة في شأنِ نجاة إخوانهم من النَّار، والغرض شدَّة اعتناء المؤمنين بالشَّفاعة لإخوانهم، وجمع الضَّمير والمؤمن مفرد باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني .
قال الكرمانيُّ وكان القياس أن يقال «إذا رأوا» بدون الواو، لكن قوله «في إخوانهم» مقدَّم عليه حكمًا، وهذا خبر مبتدأ محذوف؛ أي وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم وما بعده استئناف كلام وهو قوله
(يَقُولُونَ) كذا قال
ج 30 ص 277
الكرماني، وقال العيني الذي يظهر من حلِّ التركيب أن يقول جزاء إذا رأوا نجاة أنفسهم يقولون (رَبَّنَا إِخْوَانُنَا الَّذِيْنَ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا) وقال الطِّيبي هذا بيان لمناشدتهم في الآخرة (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ) صيغة أمر للجماعة، من الإخراج (وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) تكريمًا لها (فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ، وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، فَيُخْرِجُونَ) بضم الياء، من الإخراج (مَنْ عَرَفُوا) من النَّار (ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ) الله عزَّ وجلَّ (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ) فيه أنَّ الإيمان يزيد وينقص (فَأَخْرِجُوهُ) منها (فَيُخْرِجُونَ) منها (مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَقُولُ) عزَّ وجلَّ لهم (اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، قال ابنُ الأثير سئل ثعلب عنها فقال إن مائة نملة وزن حبَّة، والذَّرة واحدة منها، وقيل الذَّرة ليس لها وزن، ويراد بها ما يُرى في شعاع الشَّمس الداخل في النَّافذة (فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا) منها.
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (فَاقْرَؤوا {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} ) أي يضاعف ثوابها، وأنَّث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنث، قيل والتَّجزي المذكور هنا شيءٌ زائد على مجرَّد الإيمان الذي هو التَّصديق الذي لا يتجزَّى، فالزائد عليه يكون بعمل صالح كذكر خفي أو عمل من أعمال القلبِ من شفقة على مسكين، أو خوف منه تعالى، أو نيَّة ذلك أو غير ذلك، والله تعالى أعلم.
(فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ) عزَّ وجلَّ، قال الحافظُ العسقلاني قرأت في «تنقيح الزركشي» أن قوله (( فيقول ) )زيادة ضعيفة؛ لأنها غير متَّصلة قال وهذا غلطٌ منه فإنها متَّصلة هنا (بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ) تعالى (أَقْوَامًا) وهم الذين معهم مجرَّد الإيمان، ولم يأذن فيهم بالشَّفاعة حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضم الفوقية وكسر المهملة بعدها معجمة؛ أي احترقوا (فَيُلْقَوْنَ) بضم التحتية وسكون اللام وفتح القاف.
(فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ) جمع فُوَّهة _ بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة _ على غير قياس، كذا سُمِع من العرب، وأفواه الأزقة
ج 30 ص 278
والأنهار أوائلها، والمراد هنا مفتتح مسالك قصور الجنَّة (يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ «ماء» (فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ) تثنية حافة بتخفيف الفاء، وهي الجانب؛ أي في جانبي النَّهر.
(كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، اسم جامع لحبوب البقول (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) أي ما يحمله السَّيل من نحو طين، فإذا اتَّفق فيه الحبَّة واستقرَّت على شطِّ مجرى السَّيل تنبت في يوم وليلة، فشُبِّه به لسرعة نباته وحسنه ونضارته (قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ، إِلَى) وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى) جهة (الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى) جهة (الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ) بياضًا ونضارة.
(فَيُجْعَلُ) بضم التحتية وفتح العين (فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ) أراد أشياء من الذَّهب تُعلَّق في أعناقهم كالخواتم علامة يُعرفون بها، وهم كاللآلئ في صفائهم (فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلاَءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ) أي في الدُّنيا (وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ) فيها بل برحمته تعالى، وبمجرَّد الإيمان دون أمرٍ زائد عليه من الأعمالِ والخيرات.
(فَيُقَالُ لَهُمْ) إذا نظروا في الجنَّة إلى أشياء ينتهي إليها بصرهُم (لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) وعُلِم منه أنَّ شفاعة الملائكة والنَّبيين والمؤمنين فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطَّلع عليه إلَّا الله، وفيه أن جماعة من مذنبي هذه الأمَّة يعذَّبون بالنَّار، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة والرحمة خلافًا لمن نفى ذلك عن هذه الأمَّة، وتأوَّل ما ورد بضروب متكلفة، والنصوص الصَّريحة متظافرة متظاهرة بثبوت ذلك، وأنَّ تعذيب الموحِّدين بخلاف تعذيب الكفَّار لاختلاف مراتبهم من أخذ النَّار بعضهم إلى السَّاق، وأنها لا تَأكل أثر السُّجود، وأنَّهم يموتون على ما ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ (( يموتون فيها إماتة ) )فيكون عذابهم فيها إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنَّة سريعًا كالمسجونين بخلاف الكفَّار الذين لا يموتون أصلًا ليذوقوا العذاب، ولا يحيون حياة يستريحون بها على أنَّ بعض أهل العلم أوَّل حديث أبي سعيد بأنَّه ليس المراد أن يحصل لهم الموت حقيقة، وإنَّما هو كنايةٌ عن غيبة إحساسهم في ذلك الموقف، أو كنى عن النَّوم بالموت، وقد سمَّى الله تعالى النَّوم وفاة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث في «تفسير سورة النساء» [خ¦4581] لكن باختصار.
[1] في هامش الأصل في نسخة أي عن شدة الأمر المهول.
[2] في هامش الأصل في نسخة ليسمعه الناس.
[3] في هامش الأصل في نسخة صحيحة شفعوا.