7517 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن يحيى الأويسي قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ) هو ابنُ بلال (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن أبي نَمِرْ _ بفتح النون وكسر الميم آخره راء _
ج 30 ص 366
المدني التَّابعي. وهو أكبر من شريك بن عبد الله النَّخعي القاضي.
وقال النَّووي جاء في رواية شريك أوهامٌ أنكرها العلماء من جملتها أنَّه قال ذلك قبل أن يُوحى إليه، وهو غلطٌ لم يُوافَق عليه. وأيضًا العلماء أجمعوا على أنَّ فرض الصَّلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي؟
(أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ) هو أنسٌ، وفي رواية أبي ذرٍّ والأصيلي رضي الله عنه (يَقُولُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ) بضم الهمزة (بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ إِنَّهُ جَاءَهُ) بكسر الهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بإسقاط الضمير (ثَلاَثَةُ نَفَرٍ) كذا في الفرع كأصله.
قال الحافظ العسقلاني في رواية الكُشميهني بدل (( أنَّه جاءه ) ).
قال والأوَّل أولى، والنَّفر الثَّلاثة لم أقف على أسمائهم صريحًا، لكنَّهم من الملائكة، لكن في رواية ميمون بن سِيَاه عن أنس عند الطَّبري «فأتاه جبريل وميكائيل» .
(قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهْوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ) أي محمد، وقد رُوي أنَّه كان نائمًا معه حينئذٍ عمه حمزة بن عبد المطلب، وابن عمِّه جعفر بن أبي طالب (فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني أي أحد النَّفر الثَّلاثة.
(خُذُوا خَيْرَهُمْ) للعروج به إلى السَّماء (فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) أي فكانت تلك القصَّة الواقعة تلك اللَّيلة ما ذُكر هنا، فالضمير المستتر في (( فكانت ) )لمحذوف، وكذا خبر كان؛ أي لم يقع شيءٌ آخر فيها (فَلَمْ يَرَهُمْ) صلى الله عليه وسلم بعد ذلك (حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى) لم يعيِّن المدَّة التي بين المجيئين فيحمل على أنَّ المجيء الثَّاني كان بعد الوحي إليه. وحينئذٍ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدَّةٌ، فلا فرق بين أن تكون تلك المدَّةُ ليلةً واحدةً، أو ليالي كثيرةً، أو عدَّة سنينٍ [1] . وبهذا يحصل الجواب عمَّا استشكله الخطَّابي، وابنُ حزم، وعبد الحق، والقاضي عياض، والنَّووي من قوله (( قبل أن يوحى إليه ) ). وأنَّ شريكًا تفرَّد به، وخالف الإجماع في دعواه أنَّ المعراج كان قبل البعثة، وهو غلطٌ منه؛ لأنَّ المجمَع عليه أنَّ فرض الصَّلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحي، وبما ذُكِرَ من أنَّه إذا كان بين المجيئين مدة، واحتمل أن تكون تلك المدَّة عدَّة سنينٍ [وبهذا] يرتفعُ الإشكال عن رواية شريك، ويحصل الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة فسقط تشنيع الخطَّابي وغيره على شريك، وقال الكرماني ثبت في الرِّوايات الأُخر أنَّ الإسراء كان في اليقظة. وأجاب بقوله إن قلنا بتعدُّده فظاهر، وإن قلنا باتِّحاده؛ فيمكن أن يقال كان في أوَّل الأمر، وآخره في النَّوم، وليس فيه ما يدلُّ على كونه نائمًا في القصَّة كلِّها، وفيه بعد
ج 30 ص 367
لا يخفى. ومن القوم من أجراه على ظاهره ملتزمًا بأنَّ الإسراء كان مرَّتين قبل النُّبوَّة وبعدها، حكاه في «المصابيح» .
وأمَّا دعواهم تفرَّد شريك، فقال الحافظ العسقلاني إنَّه قد وافقه كثير بن خُنِيس _ بالخاء المعجمة وبالنون _ مصغرًا عن أنسٍ رضي الله عنه، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيدٍ الأموي في كتاب «المغازي» من طريقه، وكان مجيء الملائكة له صلى الله عليه وسلم. (فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُهُمْ) الثَّابت في الرِّوايات أنَّه كان في اليقظة، فإن قلنا بالتَّعدُّد؛ فلا إشكال كما مرَّ (فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى احْتَمَلُوهُ) أي حتىَّ احتمل هؤلاء النَّفر الثَّلاثة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلاَّهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ) عليه السلام (فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ) بفتح اللام وتشديد الموحدة، وهو موضع القلادة من الصَّدر، ومن هنا تنحر الإبل. وقال الدَّاودي «إلى لبَّته» إلى عانته؛ لأنَّ اللُّبَّة العانة.
وقال ابن التين وهو الأشبه، وفيه الرَّدُّ على من أنكر شقَّ الصَّدر عند الإسراء، وزعم أنَّ ذلك إنَّما وقع وهو صغيرٌ، وثبت ذلك في غير رواية شريكٍ في «الصَّحيحين» من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه [خ¦349] ، ووقع الشَّقُّ أيضًا عند البَعثة، كما أخرجه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» ، وأبو نُعيم، والبيهقي في «دلائل النبوة» ، ولكلٍّ حكمة.
(حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ) أي بيد جبريل (حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ) تهيؤًا للتَّرقِّي إلى الملأ الأعلى، وثبوتًا في المقام الأسنى، وتقويًا لاستحلاء الأسماء الحسنى (ثُمَّ أُتِيَ) صلى الله عليه وسلم (بِطَسْتٍ) بفتح الطاء وكسرها، ويقال بالإدغام طسٍّ، وهو الإناء المعروف (مِنْ ذَهَبٍ) وكان إذ ذاك لم يُحرَّم استعماله (فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو، وهو إناءٌ يشرب فيه، وهو يقتضي أن يكون غير الطِّست، وأنَّه كان داخل الطِّست.
(مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً) قال الحافظ قوله (( محشوًا ) )حال من الضَّمير في الجار والمجرور، والتقدير بطست كائنٍ من ذهب، فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور، وأمَّا (( إيمانًا ) )فعلى التَّمييز.
وتعقَّبه العيني فقال فيه نظرٌ، والَّذي يقال إنَّ «محشوًا» حال من التَّور الموصوف بقوله (( من ذهب ) ). وأمَّا (( إيمانًا ) )فمفعول قوله (( محشوًا ) )؛ لأنَّ اسم المفعول يعمل عمل فعله، و «حكمةً» عطف عليه.
ويحتمل أن يكون أحد الإناءين أعني الطِّست والتَّور فيه ماء زمزم، والآخر المحشوُّ بالإيمان، وأن يكون التَّور ظرف الماء وغيره، والطَّست؛
ج 30 ص 368
لِمَا يصبُّ فيه عند الغسل صيانة له عن التَّبدد في الأرض.
فإن قيل الإيمان والحكمة معنيان فكيف يُحشى بهما؟ فالجواب إنَّ معناه أنَّ الطَّست كان فيه شيءٌ يحصل به كمال الإيمان، فالمراد سببهما مجازًا.
(فَحَشَا بِهِ) بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة على البناء للفاعل، وفيه ضميرٌ يرجع إلى جبريل عليه السلام، وقوله (صَدْرَهُ) منصوب على المفعولية (وَلَغَادِيدَهُ) بفتح اللام وبالغين المعجمة وبالدَّالَين المهملتين بينهما تحتية ساكنة، جمع لغدود. وقال الجوهري اللَّغاديد اللَّحمات التي بين الحنك وصفحة العنق، واحدها لغدود أو لغديد، ويقال له أيضًا لغد، وجمعه ألغاد. وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بضم الحاء وكسر الشين على البناء للمفعول، و «صدرُه» ، و «لغاديدُه» برفعهما.
وفسَّر اللغاديد بقوله (يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي ثمَّ أركبه البراق إلى بيت المقدس (ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) بفتح العين والراء؛ أي صعد به (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) فإن قيل كيف كان مجيئه من عند بئر زمزم بعد الشَّقِّ والإطباق إلى السَّماء الدُّنيا؟
فالجواب إن كانت القصَّة متعدِّدة فلا إشكال، وإن كانت متَّحدةً ففي الكلام حذف تقديره ثم أركبه البراق إلى البيت المقدَّس، ثمَّ أُتِيَ بالمعراج، ثمَّ عُرِج به.
(فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ، قَالُوا وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مَعِي مُحَمَّدٌ) صلى الله عليه وسلم (قَالَ) أي قائلهم (وَقَدْ بُعِثَ) إليه للإسراء وصعود السَّماوات، وليس المراد الاستفهام عن أصل البعثة والرِّسالة، فإنَّ ذلك لا يخفى عليه إلى هذه المدَّة؛ لأنَّ أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت الأعلى، وهذا هو الصَّحيح.
(قَالَ) جبريل عليه السلام (نَعَمْ، قَالُوا فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ) وسقطت الفاء من «فيستبشر» في رواية الأَصيلي، وزاد (لاَ يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا) وفي رواية الأَصيلي (يُرِيدُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ) أي على لسان من شاء كجبريل عليه السلام (فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ) عليه السلام (فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَذَا أَبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ) كذا في رواية الأَصيليِّ، وفي رواية غيره (عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الاِبْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ) بفتح الهاء (يَطَّرِدَانِ) بتشديد الطاء المهملة؛ أي يجريان. فإن قيل هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإنَّ فيه بعد ذكر سدرة المنتهى
ج 30 ص 369
(( فإذا في أصلها أربعة أنهار ) ) [خ¦3887] . فالجواب أنَّ أصل نبعها من تحت سدرةٍ، ومقرُّهما في السَّماء الدُّنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام (مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا) بضم العين والصاد المهملتين؛ أي أصلهما. قال الكرماني وهو مرفوعٌ بالبدليَّة، فالنِّيل نهر مصر، والفرات بالفاء وبالتاء الممدودة في الخط وصلًا ووقفًا، نهرٌ عليه ريف العراق.
(ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ) أي الدُّنيا (فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ، عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ) أي في النَّهر، وفي رواية الأَصيلي (فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي بالذال المعجمة؛ أي جيد الرَّائحة إلى الغاية شديد ذكاء الرِّيح (قَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ) بالخاء المعجمة والموحدة المفتوحتين مهموزٌ؛ أي ادَّخَرَ لك، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بالحاء المهملة والموحدة وبعد الألف كاف به (رَبُّكَ) فإن قيل الكوثر في الجنة، والجنَّة في السَّماء السَّابعة؛ لِمَا روى أحمد عن حميدٍ الطَّويل عن أنسٍ رفعه (( دخلت الجنَّة فإذا فيها بنهرٍ حافتاه خيام اللُّؤلؤ، فضربت بيدي مجرى مائه، فإذا مسك أذفر، فقال جبريل عليه السلام هذا الكوثر أعطاك الله تعالى ) ).
فالجواب أنَّه يمكن أن يكون في هذا الموضع شيءٌ محذوفٌ، تقديره ثمَّ مضى به من السَّماء الدُّنيا إلى السَّابعة، فإذا هو بنهرٍ، وفيه تأمُّلٌ.
(ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية أبي ذرٍّ والأَصيلي (الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قَالُوا وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالُوا مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) جبريل (وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) ويروى .
(فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ) جبريل (إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَأَوْعَيْتُ) بفتح الهمزة والعين، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (مِنْهُمْ إِدْرِيسَ) وفي رواية الأَصيلي وأبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي .
(فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ) قيل مرَّ في آخر «كتاب الفضائل» [خ¦3887] (( أنَّ موسى كان في السَّادسة، وإبراهيم في السابعة ) ). وأُجيب بأنَّ النَّووي قال إن كان الإسراء مرَّتين، فلا إشكال، وإن كان مرَّةً واحدةً، فلعلَّه وجده في السَّادسة، ثمَّ ارتقى هو أيضًا إلى السَّابعة.
(بِتَفْضِيلِ كَلاَمِ اللَّهِ) أي
ج 30 ص 370
بسبب أنَّ له فضلًا بكلام الله إيَّاه (فَقَالَ مُوسَى رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ) بضم التحتية وفتح الفاء (عَلَيَّ) بتشديد الياء (أَحَدٌ) كذا في رواية الكُشميهني «أن يُرفع» على البناء للمفعول، و «أحد» بالرفع به، وفي رواية غيره على البناء للفاعل، خطابًا لله عزَّ وجلَّ، و بالنصب مفعوله.
قال ابن بطَّال فهم موسى عليه السلام من اختصاصه بكلام الله عزَّ وجلَّ له في الدُّنيا دون غيره من البشر بقوله تعالى {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف 144] أنَّ المراد بالنَّاس هنا البشر كلُّهم، فلمَّا فضَّل الله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بما أعطاه من المقام المحمود وغيره ارتفع على موسى وغيره بذلك.
(ثُمَّ عَلاَ بِهِ) جبريل (فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى) أي منتهى علم الملائكة، أو منتهى صعودهم، أو أمر الله تعالى، أو أعمال العباد، ولم يجاوزها أحدٌ إلَّا نبينا صلى الله عليه وسلم (وَدَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ) دنو قربٍ ومكانةٍ، لا قرب مكان ولا قرب زمان، إظهارًا لعظم منزلته وحظوته عند ربِّه تعالى، وفي رواية أبي ذرٍّ (فَتَدَلَّى) أي طلب زيادة القرب.
وحكى مكيٌّ والماوردي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو الرَّبُّ دنا من محمَّدٍ فتدلَّى إليه؛ أي أمره وحكمه.
(حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ) والقاب ما بين مقبض القوس والسِّيه _ بكسر السين وتخفيف التحتية _، وهي ما عُطِف من طرفها، ولكلِّ قوسٍ قابان، و (( قاب قوسين ) )بالنِّسبة له صلى الله عليه وسلم عبارةٌ عن نهاية القرب ولطف المحلِّ وإيضاح المعرفة، وبالنِّسبة إلى الله عزَّ وجلَّ إجابته وترفيع درجته (أَوْ أَدْنَى) أي أقرب.
وقال الخطابي ليس في هذا الكتاب أبشع مذاقًا منه؛ لقوله (( ودنا الجبَّار فتدلَّى ) )، فإنَّ الدُّنوِّ يُوجب تحديد المسافة، والتَّدلِّي يوجب التَّشبيه بالمخلوق الَّذي يعلو من فوق إلى أسفل.
ولقوله الآتي (( وهو مكانه ) )لكن إذا اعتبرَ النَّاظرُ لا يُشكل عليه، فإنَّه كان في الرُّؤيا؛ فبعضها مَثَلٌ ضُرِب؛ ليتأوَّل على الوجه الَّذي يُجب أن يصرف إليه معنى التَّعبير في مثله.
ثمَّ إنَّ القصَّة إنَّما حكاها أنسٌ بعبارته من تلقاء نفسه لم يَعْزُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله.
فحاصل الأمر في النَّقل أنَّها من جهة الرَّاوي إمَّا من أنسٍ، وإمَّا من شريكٍ، فإنَّه كثير التَّفرُّد بمناكير الألفاظ الَّتي لا يُتابعه عليها سائر الرُّواة. انتهى.
قال الحافظ العسقلاني وما نفاه من أنَّ أنسًا لم يُسند هذه القصَّة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن تكون مرسلَ صحابيٍّ، فإمَّا أن يكون تلقَّاها عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابيٍّ تلقَّاها عنه، ومثل ما اشتملت
ج 30 ص 371
عليه لا يُقال بالرَّأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لِمَا ذكره تأثير لم يُحمل حديث أحدٍ روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدِّثين قاطبةً، فالتَّعليل بذلك مردودٌ.
ثمَّ إنَّهم أوَّلوا التَّدلِّي فقيل تدلَّى جبريل عليه السلام بعد الارتفاع حتَّى رآه النَّبي صلى الله عليه وسلم متدليًا كما رآه مرتفعًا. وقيل تدلَّى محمَّدٌ شاكرًا لربه على كرامته، ولم يثبت في شيءٍ صريحًا أنَّ التَّدلِّي مضافٌ إلى الله تعالى، ثمَّ أوَّلوا مكانه بمكان النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولقد أطال الكلام الحافظ العسقلاني في هذا المقام بما لا مزيد عليه.
(فَأَوْحَى اللَّهُ) عزَّ وجلَّ، زاد أبو الوقت وأبو ذرٍّ عن الكُشميهني (فِيمَا أَوْحَى) وفي رواية غير أبي ذرٍّ زيادة ، ولأبي ذرٍّ والأَصيلي وأبي الوقت بكسر الحاء، (خَمْسِينَ صَلاَةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ) صلى الله عليه وسلم.
(حَتَّى بَلَغَ مُوسَى) عليه السلام (فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ) له (يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟) أي أمرك وأوصاك (قَالَ عَهِدَ إِلَيَّ) أن أصلِّي (خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) وآمرَ بها أمتي (قَالَ لَهُ) موسى (إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ) إلى ربِّك (فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ) أي وعن أمتك (فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ) الَّذي قاله موسى عليه السلام من الرُّجوع ليخفِّف.
(فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ) بفتح الهمزة وتخفيف النون الساكنة مفسِّرة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالتحتية بدل النون، وهما بمعنىً (إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ) جبريل (إِلَى الْجَبَّارِ) تعالى (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَهْوَ مَكَانَهُ) أي في المقام الأول الَّذي قام فيه قبل هبوطه (يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا، فَإِنَّ أُمَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا) أي المأمور به من الخمسين صلاة.
(فَوَضَعَ) تعالى (عَشْرَ صَلَوَاتٍ) من الخمسين (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ) عزَّ وجلَّ (حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ رَاوَدْتُ) أي راجعت (بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى) أي أقل (مِنْ هَذَا) القدر (فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني .
وفي (( تفسير ابن مردويه ) )من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنسٍ رضي الله عنه (( فُرِض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما ) ).
(فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا) والأجسام بالميم، والأجساد بالدال، سواءٌ والجسم والجسد جميع الشَّخص، والأجسام أعمُّ من البدن؛ لأنَّ البدن [2]
ج 30 ص 372
من الجسد ما سوى الرَّأس والأطراف، وقيل البدن أعالي الجسد دون أسافله.
(فَارْجِعْ) إلى ربك (فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ) أي في كلِّ ذلك (يَلْتَفِتُ) بتحتية فلام ساكنة، وفي رواية الأَصيلي وأبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بفوقية بعد التحتية وتشديد الفاء (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ فَقَالَ يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ، أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ) وفي رواية الأصيلي وأبي ذرٍّ عن الكُشميهني .
(فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقَالَ الْجَبَّارُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ لَبَّيْكَ) ربِّ (وَسَعْدَيْكَ، قَالَ إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَلَيْكَ) أي وعلى أمَّتك (فِي أُمِّ الْكِتَابِ) وهو اللَّوح المحفوظ، قيل ما تقول في النُّسخ، فإنَّه تبديل القول؟ وأجيب بأنَّ هذا ليس تبديلًا، بل هو بيان انتهاء الحكم.
(قَالَ فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَهْيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ) أي وعلى أمتك (فَرَجَعَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَى مُوسَى فَقَالَ كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا قَالَ مُوسَى قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ) من المراودة وهي المراجعة؛ أي راجعت (بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ) وقوله (( راودتُ ) )يتعلق «بقد» ، والقسم بينهما مقحم؛ لإرادة التأكيد.
(ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ) بهمزة وصل وفتح اللام وسكون الفاء بعدها فوقية.
وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بهمزة قطع وكسر اللام وحذف الفوقية.
قال الدَّاودي لا يثبت هذا؛ لتواطؤ الرِّوايات على خلافه، وما كان موسى عليه السلام ليأمره بالرجوع بعد أن يقول الله تعالى له ذلك.
(قَالَ لَهُ) جبريل (فَاهْبِطْ بِسْمِ اللَّهِ) وليس القائل (( اهبط ) )موسى عليه السلام، وإن كان هو ظاهر السِّياق، وبذلك جزم الدَّاودي.
(قَالَ فَاسْتَيْقَظَ) صلى الله عليه وسلم (وَهْوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي والحال أنَّه في المسجد الحرام.
قال القرطبي يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومةٍ نامها بعد الإسراء؛ لأنَّ الإسراء لم يكن طول ليلته، وإنَّما كان في بعضها، ويحتمل أن يكون أنَّه أفاق ممَّا كان فيه مما خامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم 18] ، فلم يرجع إلى حال بشريته إلَّا وهو في المسجد الحرام.
وأمَّا قوله
ج 30 ص 373
في أوَّله (( بينا أنا نائم ) )فمراده في أول القصَّة، وذلك أنَّه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه الملك فأيقظه. وفي قوله في الرِّواية الأخرى (( بينا أنا بين النَّائم واليقظان أتاني الملك ) ) [خ¦3207] إشارةٌ إلى أنَّه لم يكن استحكمه في نوم، وهذا كلُّه يبتني على توحُّد القصَّة، وإلَّا فمتى حُمِلت على التَّعدد بأن كان المعراج مرَّةً في المنام، وأخرى في اليقظة، فلا يحتاج إلى ذلك.
تنبيه قيل اختصَّ موسى عليه السلام بهذا دون غيره ممَّن لقيه النَّبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الأنبياء عليهم السلام؛ لأنَّه أوَّل من تلقَّاه عند الهبوط، ولأنَّ أمَّته أكثر من أمة غيره، ولأنَّ كتابه أكبر الكتب المنزلة قبل القرآن تشريعًا وأحكامًا؛ إذ الإنجيل مثلًا أكثره مواعظ، أو لأنَّ أمَّة موسى كانوا كُلِّفوا من الصَّلوات ما ثَقُل عليهم، فخاف موسى عليه السلام على أمة محمَّدٍ مثل ذلك، وإليه الإشارة بقوله (( فإني بلوتُ بني إسرائيل ) ).
فإن قلت في حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه أنَّه لقيه في الصُّعود في السَّادسة [خ¦3887] .
فالجواب أنَّه يحتمل أنَّ موسى عليه السلام صعد إلى السَّابعة من السَّادسة، فلقيه النَّبي صلى الله عليه وسلم في الهبوط في السَّابعة، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( وموسى في السَّابعة بتفضيل كلام الله ) ).
وقد مضى الحديث في أوائل «كتاب الصلاة» [خ¦349] ، وفي «بدء الخلق» [خ¦3207] ، وفي أوائل «البعثة» [خ¦3887] ، وفي «صفة النبي صلى الله عليه وسلم» [خ¦3570] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» .
[1] في هامش الأصل وقيل سبع سنين وقيل ثمان، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة. منه.
[2] في هامش الأصل في نسخة الأبدان.