880 - (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابن المديني، وفي رواية ابن عساكر (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وبضم العين وتخفيف الميم، وقد مرَّ في كتاب «الإيمان» [خ¦36] .
(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجَّاج (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) على صيغة اسم الفاعل من الانكدار، هو ابن عبد الله بن ربيعة التَّابعي.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة وفتح اللام (الأَنْصَارِيُّ) التَّابعي (قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (قَالَ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والتَّعبير بلفظ الشَّهادة لتأكيد الرِّواية، وتحقيق القضيَّة. ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وواسطي ومدني، وفيه لفظ الشَّهادة، وقد أخرجه متنه مسلم وأبو داود في «الطَّهارة» .
(قَالَ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) أي كالواجب كما مرَّ [خ¦878] (عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ) أي بالغ وهو مجاز؛ لأنَّ الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أنَّ الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل سواء كان يوم الجمعة أو لا (وَأَنْ يَسْتَنَّ) عطف على معنى الجملة السَّابقة، و «أن» مصدريَّة، والتَّقدير والاستنان وهو الاستياك مأخوذ من السنِّ يقال سننت الحديد حككتُه على المسنِّ، وقيل له الاستنان؛ لأنَّه إنَّما يستاك على الأسنان، وحاصله دلك السنِّ بالسِّواك.
(وَأَنْ يَمَسَّ) عطف على «وأن يستنَّ» وهو بفتح الميم على الأفصح وجاء بضمها (طِيبًا إِنْ وَجَدَ) متعلقِّ بـ «يمسَّ» ؛ أي إن وجد الطِّيب يمسَّه، ويحتمل تعلُّقه بـ «أن يستنَّ» ، وفي رواية مسلم (( ويمسُّ من الطِّيب ما يقدر عليه ) )، وفي رواية له (( ولو من طيب المرأة ) ).
وقال القاضي عياض
ج 5 ص 14
يحتمل «ما يقدر عليه» إرادة التَّأكيد ليفعل ما أمكنه، ويحتمل إرادة الكثرة والأوَّل أظهر، ويؤيِّده قوله (( ولو من طيب المرأة ) )لأنَّه يكره استعماله للرَّجل وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، فإباحته للرَّجل لأجل عدم غيره يدلُّ على تأكُّد الأمر في ذلك.
(قَالَ عَمْرٌو) هو ابن سُليم المذكور راوي الخبر، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور إليه (أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ) أي حتمًا أو كالواجب في التأكُّد (وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ) أي هكذا مذكور في الحديث في سلك الواجب، وفيه إشارة إلى أنَّ العطف لا يقتضي التَّشريك من جميع الوجوه، فكان القدر المشترك تأكيد الطَّلب للثَّلاثة، وكأنَّه جزم بوجوب الغسل دون غيره للتَّصريح به في الحديث، وتوقَّف فيما عداه لوقوع الاحتمال فيه.
قال الخطَّابي ذهب مالك إلى إيجاب الغسل، وأكثر الفقهاء إلى أنَّه غير واجب، وتأوَّلوا الحديث على معنى التَّرغيب فيه والتوكيد لأمره؛ يعني أنَّه مؤكَّد كالواجب.
واستدلُّوا فيه بأنَّه قد عطف عليه الاستنان والطِّيب ولم يختلفوا أنَّهما غير واجبين وكذلك المعطوف عليه، وذكر الطَّحاوي والطَّبري أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا قرن الغُسل بالطِّيب يوم الجمعة وأجمع الجميع على أنَّ تارك الطِّيب يومئذ غير حَرِج إذا لم يكن له رائحة كريهة يؤذي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأنَّ مخرجهما من الشَّارع واحد، وكذا الاستنان بالإجماع أيضًا وإن كان العلماء يستحبُّون ذلك لمن قدر عليه كما يستحبُّون اللِّباس الحسن.
وقال ابن الجوزي يحتمل أن يكون قوله (( وأن يستنَّ. .. إلى آخره ) )من كلام أبي سعيد رضي الله عنه خلطه بكلام النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والله أعلم.
وقال النَّووي هذا الحديث ظاهر في أنَّ الغُسل مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أو لا، وحديث (( إذا جاء أحدكم ) ) [خ¦877] في أنَّه لمن أرادها سواء البالغ والصَّبي، فيقال في الجمع بينهما أنَّه مستحبٌّ للكلِّ ومتأكد في حقِّ المريد، وآكد في حقِّ البالغ ونحوه، ومذهبنا المشهور أنَّه مستحبٌّ لكلِّ مريد أتى، وفي وجهٍ للذُّكور خاصَّة، وفي وجهٍ لمن يلزمه الجمعة، وفي وجهٍ لكلِّ أحد.
ففي «المصنَّف» وكان ابن عمر رضي الله عنهما يجمِّر ثيابه كل جمعة، وقال معاوية بن قُرَّة أدركت ثلاثين من مُزَينة كانوا يفعلون ذلك.
وحكاه مجاهد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعن أبي سعيد وابن مغفل وابن عمر رضي الله عنهم نحوه. وخالف ابن حزم حيث ذكر فرضيَّة الغسل على الرِّجال والنِّساء وقال وكذلك الطِّيب والسِّواك، وشرع الطِّيب؛ لأنَّ الملائكة على أبواب المساجد
ج 5 ص 15
يكتبون الأوَّل فالأوَّل فربَّما صافحوه أو لمسوه، واختلف في الاغتسال في السَّفر فممَّن يراه عبد الله بن الحارث وطلق بن حبيب وأبو جعفر محمَّد بن علي بن الحسين وطلحة بن مُصرِّف.
وقال الشَّافعي ما تركته في حضر ولا سفرٍ وإن اشتريته بدينار، وممَّن كان لا يراه علقمة وعبد الله بن عمر وابن جبير بن مطعم ومجاهد وطاوس والقاسم بن محمَّد والأسود وإياس بن معاوية.
وفي كتاب ابن التِّين عن طلحة وطاوس ومجاهد أنَّهم كانوا يغتسلون للجمعة في السَّفر، واستحبَّه أبو ثور.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (هُوَ) أي أبو بكر بن المنكدر المذكور في إسناد الحديث (أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) لكنَّه أصغر منه، ومحمَّد أيضًا يكنى بأبي بكر، ولكن سمِّي بمحمَّد وأبو بكر أخوه لم يسمَّ، وهو معنى قوله (وَلَمْ يُسَمَّ) على البناء للمفعول (أَبُو بَكْرٍ هَذَا) أي الرَّاوي للحديث المذكور.
والحاصل أنَّ كلاًّ من الأخوين المذكورين يكنى بأبي بكر، ولكن الامتياز بينهما بتصريح اسم أحدهما وهو محمَّد، وأيضًا هو يكنى بكنية أخرى هي أبو عبد الله وهو معنى قول البخاري الآتي «وكان محمَّد بن المنكدر يكنى بأبي بكر وأبي عبد الله» ، وأخوه كنيته اسمه، وليس له كنية غيرها.
(رَوَاهُ) أي الحديث المذكور (عَنْهُ) أي عن أبي بكر بن المنكدر، ويروى (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) بضم الموحدة مصغرًا، هو ابن عبد الله الأشج _ بالشين المعجمة والجيم _ (وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ وَعِدَّةٌ) أي عدد كثير من النَّاس.
قال الحافظ العسقلانيُّ وكأنَّ المراد أنَّ شعبة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن أبي بكر بن المنكدر، بل رواه عنه أيضًا بُكير وسعيد بن أبي هلال، لكن فرَّق بين روايتيهما فرواية بُكير موافقة لرواية شعبة في إسقاط الواسطة بين عَمرو بن سُليم وبين أبي سعيد، كما أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي من طريق عَمرو بن الحارث أنَّ سعيدَ بن أبي هلال وبُكير بن الأشج حدَّثا عن أبي بكر بن المنكدر عن عَمرو بن سُليم، عن عبد الرَّحمن بن أبي سعيد الخدريِّ، عن أبيه فذكر الحديث، وقال في آخره (( إلَّا أنَّ بُكيرًا لم يذكر عبد الرَّحمن ) ). وكذلك أخرج أحمد من طريق ابن لهيعة عن بُكير ليس فيه عبد الرَّحمن انتهى.
(وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ) وقد سقط في رواية ابن عساكر من قوله «قال أبو عبد الله إلى هنا» .