فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 11127

881 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سُمَيٍّ) بضم المهملة وفتح الميم (مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ)

ج 5 ص 16

فعَّال بمعنى ذي كذا؛ أي بيَّاع السَّمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنِ اغْتَسَلَ) يدخل فيه بعمومه كل من يصح منه التقرُّب سواء كان ذكرًا أو أنثى حرًّا أو عبدًا (يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ) بنصب اللام على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي غسلًا كغسل الجنابة. ويشهد بذلك رواية ابن جريج عن سميِّ عند عبد الرَّزَّاق «فاغتسلَ أحدُكم كما يغتسلُ من الجنابة» .

واختلفوا في معنى غسل الجنابة فقال قوم إنَّه حقيقة حتَّى يستحب أن يواقع زوجته ليكون أغضُّ لبصره وأسكن لنفسه من غير أن تمتدَّ عينه إلى شيءٍ يراه، قالوا ويشهد لذلك حديث أوس الثَّقفي قال سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثمَّ بكَّر وابتكرَ ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ كان له بكلِّ خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها ) )رواه أبو داود وغيره. وقال التِّرمذي حديث أوس حديثٌ حسن.

وقالوا معنى قوله «غسَّل» ، وطء امرأته قبل الخروج إلى الصَّلاة، يقال غسل الرَّجل امرأته وغسَّلها مشددًا ومخففًا إذا جامعها. وفحلٌ غُسَلة؛ إذا كان كثير الضِّراب، والأكثرون على أنَّ التَّشبيه في قوله (( غسل الجنابة ) )للكيفية لا للحكم.

(ثُمَّ رَاحَ) أي ذهب أوَّل النَّهار، وزاد أصحاب «الموطَّأ» عن مالك في السَّاعة الأولى، وصحَّح النَّووي أنَّها من طلوع الفجر؛ لأنَّه أوَّل اليوم شرعًا، لكن يلزم منه أن يكون التأهُّب للجمعة قبل الفجر.

وقال الشَّافعي يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر فأشعر بأنَّ الأُولى تقع بعد ذلك.

(فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً) أي تصدَّق ببدنة متقرِّبًا إلى الله تعالى، وقيل المراد أنَّ للمبادر في أوَّل ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثَّواب ممَّن شرع له القربان؛ لأنَّ القربان لم تشرع لهذه الأمَّة على الكيفية التي كانت للأمم الماضية.

وقيل ليس المراد بالحديث إلَّا بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأنَّ نسبة الثَّاني من الأوَّل نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلًا، ويدلُّ عليه أنَّ في مرسل طاوس _ رواه عبد الرَّزَّاق _ كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة.

والبدنة تطلقُ على الإبل والبقر، وخصَّها مالك بالإبل، ولكن المراد هاهنا من البَدَنة الإبل بالاتفاق؛ لأنَّها قوبلت بالبقرة ويقع على الذَّكر والأنثى.

وقال بعضُهم المراد بالبدنة هنا النَّاقة بلا خلاف، وفيه نظر، فكأنَّه غرَّه لفظ الهاء وحَسِبَ أنَّه للتأنيث وليس كذلك فإنَّه للوحدة كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس، سمِّيت بذلك لعظم بدنها.

وقال الجوهريُّ البدنة ناقةٌ أو بقرةٌ تنحر بمكَّة سمِّيت بذلك؛ لأنَّهم كانوا يسمِّنونها. وحكى النَّووي عن الأزهريِّ قال البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم.

ج 5 ص 17

قال العيني هذا غلط، والظَّاهر أنَّه من النسَّاخ؛ لأنَّ المنقول الصَّحيح عن الأزهري أنَّه قال البدنة لا تكون إلَّا من الإبل، وأمَّا الهدي فمن الإبل والبقر والغنم.

(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً) التاء فيها للوحدة. قال الجوهري البقر اسم جنس، والبقرة تقع على الذَّكر والأنثى، وإنَّما دخلت الهاء دلالة على أنَّه واحد من الجنس، والبقرات جمع بقرة، والباقر جماعة البقر مع رعاتها، وأهل اليمن يسمُّون البقرة باقورة، وهو مشتقٌّ من البقر وهو الشَّق، فإنَّها تبقر الأرض؛ أي تشقَّها بالحراثة.

(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا) هو الفحل من الغنم (أَقْرَنَ) وإنَّما وصف به؛ لأنَّه أكمل وأحسن صورة، ولأنَّ القرن يُنتفع به، وفيه فضيلة على الأجم (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً) بتثليث الدال والفصيح هو الفتح.

وحكي عن محمَّد بن حبيب أنَّها بالفتح من الحيوان، وبالكسر من النَّاس. والدَّجاجة تقع على الذَّكر والأنثى، وسمِّي بذلك لإقبالها وإدبارهًا، وجمعها دجاج ودجائج ودجاجات، ذكره ابن سِيْده، وكما جاء الدال مثلثة في المفرد كذلك جاءت مثلثة في الدَّجاج.

(وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً) واحدة البيض، والجمع بيوض، وجاء في الشعر بيضات، وفي رواية الزُّهري (( كالذي يهدي ) ) [خ¦929] بدل قوله (( كأنَّما قرب ) )، واستشكل ذلك في الدَّجاجة والبيضة فإنَّ الهدي لا يكون منهما.

وأُجيب بأنَّه من باب المشاكلة؛ أي من تسمية الشَّيء باسم قرينه، أو المراد بالهدي هنا التصدُّق كما دلَّ عليه لفظ «قرَّب» وهو يجوز بهما.

قال جمهور العلماء المراد بالسَّاعات من أوَّل النَّهار، وبه قال الشَّافعي وابن حبيب من المالكيَّة، وليس المراد بالسَّاعات الفلكيَّة الأربعة والعشرون التي قُسِّم عليها اللَّيل والنَّهار، وإنَّما المراد ترتيب درجات السَّابقين على من يليهم في الفضل؛ لئلا يستوي فيه رجلان جاءا في طرفي ساعة، ولأنَّه لو أريد ذلك لاختلف الأمر في اليوم الشاتي والصَّائف، قاله الرَّافعي.

وقال النَّووي في «شرح المهذَّب» و «شرح مسلم» بل المراد الفلكيَّة وأنَّ من جاء في أوَّل هذه السَّاعة ومن جاء في آخرها يشتركان في تحصيل أصل البدنة، لكن بدنة الأوَّل أكمل من بدنة الأخير، وبدنة المتوسِّط متوسطة فمراتبهم تتفاوت، كما في درجات صلاة الجماعة الكثيرة والقليلة، وحينئذٍ فمراده بساعات النَّهار الفلكيَّة اثنتا عشرة ساعة صيفًا أو شتاء.

ثمَّ ابتداؤها

ج 5 ص 18

إمَّا من طلوع الشَّمس على ما قاله الماوردي موافقة لأهل الميقات فإنَّهم يجعلون ساعات النَّهار ابتداؤها من طلوع الشَّمس، ويجعلون الحصَّة التي من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس من حساب اللَّيل، واستواء اللَّيل والنَّهار عندهم إذا تساوى ما بين المغرب وطلوع الشَّمس، وما بين طلوع الشَّمس وغروبها، فإن أريد السَّاعات على اصطلاحهم فيكون ابتداء الوقت المرغَّب فيه لذهاب الجمعة من طلوع الشَّمس وهو أحدُ الوجهين للشَّافعية.

قيل وهو الأصح ليكون قبل ذلك من طلوع الفجر زمانُ غُسْلٍ وتأهُّب، واستُشكل ذلك بأنَّ السَّاعات ستٌّ لا خمس، والجمع لا تصحُّ في السَّادسة بل في السَّابعة.

نعم عند النَّسائي بإسناد صحيحٍ بعد الكبش بطَّة ثمَّ دجاجة ثمَّ بيضة، وفي أخرى دجاجة ثمَّ عصفورًا ثمَّ بيضة.

ومعلوم أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخرج إلى الجمعة متَّصلًا بالزَّوال وهو بعد اقتضاء السَّاعة السَّادسة، وفي حديث واثلة عند الطَّبراني في «الكبير» مرفوعًا (( إنَّ الله تعالى يبعث الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الأوَّل والثَّاني والثَّالث والرَّابع والخامس والسَّادس، فإذا بلغوا السَّابع كانوا بمنزلة من قرَّب العصافير ) ).

هذا وأمَّا من طلوع الفجر على ما قاله الرُّوياني أنَّ ظاهر كلام الشَّافعي أنَّ التَّبكير يكون من طلوع الفجر وصحَّحه، وكذلك صاحب «المهذَّب» قبله، ثمَّ الرَّافعي والنَّووي، وحكى الصَّيدلاني أنَّه من ارتفاع النَّهار وهو وقت الهجير.

وقال مالك وإمام الحرمين من الشَّافعية والقاضي حسين المراد بالسَّاعات لحظات لطيفةٌ يسيرة بعد الزَّوال، قالوا لأنَّ الرواحَ لغة لا تكون إلَّا بعد الزَّوال، والسَّاعة في اللُّغة الجزء من الزَّمان، وحملها على الزَّمانية التي قسم النَّهار إليها يبعده إحالة الشَّرع عليه لاحتياجه إلى حسابٍ، ولأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إذا كان يوم الجمعة قامَ على كلِّ باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون النَّاس الأوَّل فالأوَّل، فالمتهجِّر إلى الجمعة كالمهدِي بدنة، ثمَّ كالمهدِي بقرة، ثمَّ كالمهدِي شاة، ثمَّ كالمهدِي بطَّة، ثمَّ كالمهدِي دجاجة، ثمَّ كالمهدي بيضة ) ).

فإن قيل قد يستعمل الهاجرة في غير موضعها فيجبُ الحمل عليه جمعًا بين الأدلَّة.

فالجواب أنَّه ليس إخراجها عن ظاهرها أولى من إخراج السَّاعة الأُولى عن ظاهرها، وإذا تساويا على ما زعمت فالمرجَّح عمل النَّاس جيلًا بعد جيل، حيث لم يعرفْ أنَّ أحدًا من الصَّحابة كان يأتي المسجد لصلاة الجمعة عند طلوع الشَّمس، ولا يمكن حملُ حالهم على ترك هذه الفضيلة العظيمة.

ج 5 ص 19

وقال الجمهور إنَّ الرَّواح _ على ما قاله الأزهري _ الذَّهاب مطلقًا سواء كان أوَّل النَّهار أو آخره أو في اللَّيل.

قال شرَّاح الكتاب وهذا هو الصَّواب الذي يقتضيه الحديث على ما سبق، والمعنى لأنَّه لا فضيلة لمن أتى بعد الزَّوال؛ لأنَّه حينئذٍ يكون النِّداء ويحرم التخلَّف بعد النِّداء، ولأنَّ ذكر السَّاعات إنما هو للحث على التبكير إليها والتَّرغيب في فضيلة السَّبق، وتحصيل الصَّف الأوَّل وانتظارها والاشتغال بالتنفُّل والذِّكر ونحو ذلك، وهذا كله لا يحصل بالذَّهاب بعد الزَّوال، والله أعلم.

(فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ) بفتح الضاد وكسرها والفتح أعلى (الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) أي الخطبة وما فيها من المواعظ ونحوها.

وفي رواية الزُّهري (( طووا صحفهم ) )، ولمسلم من طريقه (( فإذا جلسَ الإمام طووا الصُّحف وجاءوا يستمعون الذِّكر ) )فكأنَّهم بخروج الإمام يحضرون من غير طيٍّ، فإذا جلس الإمام على المنبر طووها، ويقال ابتداء طيِّهم الصُّحف عند ابتداءِ خروج الإمام وانتهاؤه بجلوسه على المنبر، وهو أوَّل سماعهم للذِّكر.

وعند أبي نُعيم في «الحلية» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( إذا كان يوم الجمعة بعثَ الله ملائكة بصحفٍ من نورٍ وأقلامٍ من نور ) )ففيه الصُّحف والأقلام.

والمراد بطيِّ الصُّحف طيَّ صحف الفضائل المتعلِّقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة، وإدراك الصَّلاة والذِّكر والدُّعاء ونحو ذلك فإنَّه يكتبه الحافظان قطعًا.

وفي حديث عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عند ابن خُزيمة فتقول بعض الملائكة لبعض ما حبس فلانًا؟ فتقول اللَّهمَّ إن كان ضالًّا فاهده، وإن كان فقيرًا فأغنِهِ، وإن كان مريضًا فعافِهِ.

ثمَّ إنَّ هذه الملائكة المذكورين في الحديث غير الحفظة، ووظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، قاله الماوردي والنَّووي. وقال ابن بَزِيزة لا أدري هم أم غيرهم.

وقال العينيُّ هؤلاء الملائكة يكتبون منازل الجائين إلى الجمعة مختصُّون بذلك؛ لما روى أحمد في «مسنده» عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (( تقعدُ الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الأوَّل والثَّاني والثَّالث _ الحديث _ والحفظةُ لا يفارقون من وكِّلوا عليهم ) ).

وروى أبو داود من حديث عطاء الخراساني قال سمعت عليًّا رضي الله عنه على منبر الكوفة، يقول (( إذا كان يوم الجمعة غدت الشَّياطين براياتها إلى الأسواق فيرمون النَّاس بالتَّرابيث أو الرَّبائث ويثبِّطونهم عن الجمعة، وتغدوا الملائكة فتجلس على أبوابِ المسجد فيكتبون الرَّجل

ج 5 ص 20

من ساعة، والرَّجل من ساعتين حتَّى يخرج الإمام، فإذا جلس الرَّجل مجلسًا يستمكنُ فيه من الاستماع والنَّظر فأنصت ولم يلغُ كان له كِفْلان من الأجر، فإن نأى حيث لا يستمع فأنصتَ ولم يلغُ كان له كفلٌ من أجر، وإن جلس مجلسًا يستمكنُ فيه من الاستماع والنَّظر فلغى ولم ينصتْ كان له كفلٌ من وزرٍ، ومن قال يوم الجمعة لصاحبه مَهْ فقد لغى، ومن لغى فليس له في جمعته تلك شيءٌ )) ، ثمَّ يقول في آخر ذلك سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول ذلك.

ورواه أحمد من رواية الحجَّاج بن أرطاة عن عطاء الخراساني بلفظ «وتقعد الملائكة على أبواب المسجد يكتبون النَّاس على قدر منازلهم السَّابق والمصلِّي والذي يليه حتَّى يخرج الإمام» .

والرَّبائث جمع ربيثة بالمثلثة ما يحبس الإنسان ويشغله، وأمَّا التَّرابيث فقال صاحب «النِّهاية» يجوز أن يكون جمع تربيثة، وهي المرَّة الواحدة من التَّربيث. وقال الخطَّابي وهذه الرِّواية ليست بشيءٍ.

ففي الحديث استحباب الغسل يوم الجمعة، وفيه فضيلة التَّبكير وأنَّ الفضل المذكور إنَّما يحصل لمن جمعهما، وعليه يحمل ما أطلق في باقي الرِّوايات من ترتُّب الفضل على التَّبكير من غير تقييد بالغسل، ولو تعارض الغسل والتَّبكير فمراعاة الغسل على ما قاله الزَّركشي أولى؛ لأنَّه مختلفٌ في وجوبه، ولأنَّ نفعه متعدٍّ إلى غيره بخلاف التَّبكير.

وندبيَّة التَّبكير إنَّما هي لغير الإمام، أمَّا الإمام فيندب له التَّأخير إلى وقت الخطبة لاتباعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائه رضي الله عنهم، قاله الماوردي ونقله في «المجموع» .

وفيه أيضًا أنَّ مراتب النَّاس في الفضيلة على حسب أعمالهم. وفيه أيضًا أنَّ القربان والصَّدقة تقع على القليلِ كالكثير. وفيه أيضًا أنَّ التَّضحية من الإبل أفضل من البقر؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدَّمها أولًا وتلاها بالبقرة، وأجمعوا عليه في الهدايا. واختلفوا في الأضحيةِ فمذهب أبي حنيفة والشَّافعي والجمهور أنَّ الإبل أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الغنم كالهدايا. ومذهب مالك أنَّ الغنم أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الإبل لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] ضحَّى بكبشين وهو فداء إسماعيل عليه السَّلام.

وحجَّة الجمهور حديث الباب على القياس على الهدايا وتضحيته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين لا تدلُّ على الأفضلية بل على الجواز، ولعلَّه لم يجد غيره.

وقد ثبت في «الصَّحيح» أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضحَّى عن نسائه بالبقر [خ¦294] . فإن قيل روى أبو داود وابن ماجه من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه بإسناد صحيحٍ أنَّه قال «خير الأضحية الكبش الأقرن» .

فالجواب أنَّ مراده خير الأضحية

ج 5 ص 21

من الغنم الكبش الأقرن، وقال إمامُ الحرمين البدنة من الإبل، ثمَّ الشَّرع قد يُقيم مقامها بقرة وسبعًا من الغنم، ويظهر ثمرة هذا فيما إذا قال لله عليَّ بدنة، وفيه خلاف الأصح تعيُّن الإبل، وإلَّا فالبقر أو سبع من الغنم، وقيل يتعيَّن الإبل مطلقًا، وقيل يتخيَّر مطلقًا والله أعلم.

تكميل وفي كتاب «التَّرغيب» لأبي الفضل الجوزي من حديث فرات بن السَّائب عن ميمون بن مهران عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( إذا كان يوم الجمعة رفع إلى الملائكة ألوية حمدٍ إلى كلِّ مسجدٍ يُجمَّع فيه، ويحضر جبريل عليه السَّلام المسجد الحرام، مع كلِّ مَلَكٍ كتاب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، معهم أقلامٌ من فضَّة وقراطيس فضَّة يكتبون النَّاس على منازلهم، فمن جاء قبل الإمام كتب في السَّابقين، ومن جاء بعد خروجِ الإمام كُتِبَ شهد الخطبة، ومن جاء حين تقام الصَّلاة كُتِب شهد الجمعة، وإذا سلَّم الإمام تصفَّح الملك وجوه القوم، فإذا فقد منهم رجلًا كان فيما خلا من السَّابقين قال يا ربِّ إنَّا فقدنا فلانًا ولسنا ندري ما خلَّفه اليوم، فإن كنت قبضته فارحمه، وإن كان مريضًا فاشفه، وإن كان مسافرًا فأحسن صحابته، ويؤمِّن مَن معه من الكتَّاب ) ).

[1] من قوله (( قدمها أولًا. .. إلى قوله لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت