فهرس الكتاب

الصفحة 1819 من 11127

1147 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي) ليالي (رَمَضَانَ، فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وأمَّا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي في رمضان عشرين ركعة والوتر. فإسناده ضعيف.

وقد عارضه حديث عائشة رضي الله عنها هذا، وهو في «الصَّحيحين» مع كونها أعلم بحاله صلى الله عليه وسلم ليلًا من غيرها، وسيجيءُ ما يتعلَّق بذلك إن شاء الله تعالى.

(يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي أربع ركعات، وأمَّا ما سبق من أنَّه كان يصلِّي مثنى مثنى؛ فمحمولٌ على وقت آخر، والأمران جائزان، وقد مرَّ ما هو الأفضل في باب كيف كان صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم» [خ¦1137] .

(فَلاَ تَسلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) أي أنهنَّ في نهاية من كمالِ الحسن والطُّول مستغنيات؛ لظهور حسنهنَّ وطولهنَّ عن السُّؤال والوصف.

(ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا) وهذا حجَّة لأصحابنا الحنفيَّة في أنَّ الوتر ثلاث ركعات بتسليمةٍ واحدة؛ لأنَّ ظاهر الكلام يقتضي ذلك، فلا يعدلُ عنه إلَّا بدليل، فإن قيل قد ثبتَ إيتار النَّبي صلى الله عليه وسلم بركعةٍ واحدة. وثبت أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم (( ومن شاء أوترَ بواحدة ) ).

فالجواب أنَّ المراد أنَّ تلك الرَّكعة الواحدة توتر الشَّفع المقدَّم، لا أنَّها مستقلَّة يدلُّ عليه ما رواه المؤلِّف عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦990] أنَّ رجلًا سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة اللَّيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صلاة اللَّيل مثنى مثنى، فإذا خشيَ أحدكم الصُّبح صلَّى ركعة واحدةً توتر له ما قد صلَّى ) )والله أعلم.

ج 5 ص 601

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْتُ) بفاء العطف، وفي رواية بالواو (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار والاستعلام.

(قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ، فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي) فلا أغفل عن أن أوترَ، ولا يُعارَض ذلك بنومه صلى الله عليه وسلم حتَّى فات صلاة الصُّبح وطلعت الشَّمس، كما مضى في باب «الصَّعيد الطَّيب وضوء المسلم» [خ¦344] ؛ لأنَّ طلوع الفجر متعلِّق بالعين لا بالقلب، إذ هو من المحسوساتِ لا من المعقولات.

ثمَّ إنَّ ذلك من خصائصِ الأنبياء عليهم السَّلام، كما ثبت في «الصَّحيح» من قوله صلى الله عليه وسلم (( وكذلك الأنبياءُ تنامُ أعينهم ولا تنام قلوبهم ) ) [خ¦3570] .

وفي الحديث أنَّ عمله صلى الله عليه وسلم كان ديمة في شهر رمضان وغيره، وأنَّه كان إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه.

وفيه جواز تعميمِ الجواب عند السُّؤال عن شيء؛ لأنَّ أبا سلمة إنَّما سأل عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في رمضان خاصَّة، فأجابت عائشة رضي الله عنها بأعمِّ من ذلك، وذلك لئلَّا يتوهَّم السَّائل أنَّ الجواب مختصٌّ بمحل السُّؤال دون غيره، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم (( هو الطَّهور ماؤه ) )لمَّا سأله السَّائل عن حالة ركوب البحر ومع راكبه ماء قليل يخافُ العطش إن توضَّأ، فأجاب بطهوريَّة ماء البحر حتَّى لا يختصَّ الحكم بمن هذه حاله. وفيه أيضًا أنَّ صلاته صلى الله عليه وسلم كانت متساوية في جميع السَّنة.

فإن قيل قد ثبت في «الصَّحيح» من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلَ العشر الأواخر يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره. وفي «الصَّحيح» أيضًا من حديثها رضي الله عنها كان إذا دخل العشر الأواخر [1] أحيا اللَّيل، وأيقظَ أهله وجدَّ وشدَّ المئزر [خ¦2024] ، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يزيد في العشر الأواخر على عادته.

فالجواب أنَّ الزِّيادة في العشر الأواخر تحمل على التَّطويل دون الزِّيادة في العدد. وأمَّا ما يقال من أنَّ الرِّوايات اختلفت عن عائشة رضي الله عنها في عدد ركعات صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدارِ ما يجمعه منها بتسليم؛ ففي حديث الباب (( إحدى عشرة ركعة ) )، وفي رواية هشام بن عروة، عن أبيه (( كان يصلِّي من اللَّيل ثلاث عشرة ركعة يُوتر من ذلك بخمسٍ لا يجلس في شيء إلَّا في آخرها ) ) [خ¦1170] . وفي رواية مسروق أنَّه سألها عن صلاة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

ج 5 ص 602

فقال (( سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر ) ) [خ¦1139] .

وفي رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها أنَّه كان يصلِّي من اللَّيل تسعَ ركعات. رواه البخاري [2] ، والنَّسائي وابن ماجه. وفي رواية (( كان يسلِّم بين كلِّ ركعتين ويوتر بواحدة ) ). وفي أخرى (( يوتر من ذلك بخمسٍ لا يجلسُ في شيءٍ إلَّا في آخرها ) )، وفي أخرى (( يصلِّي تسع ركعات لا يجلس فيها إلَّا في الثَّامنة ) ).

فالجمع بين هذا الاختلاف أنَّ من عدَّها ثلاث عشرة أراد مع ركعتي الفجر، وأمَّا رواية «سبع وتسع» فهي في حالة كبره صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وأمَّا الاختلاف في مقدار ما يجمعه منها بتسليم، فذلك محمول على أنَّه فعل ذلك في أوقات مختلفة لبيان الجواز.

وأمَّا الاختلاف في الأحاديث الواردة في هذا الباب من الأصحاب رضي الله عنهم فقد روى زيد بن خالد وابن عبَّاس وجابر وأمُّ سلمة رضي الله عنهم ثلاث عشرة.

والفضل بن عبَّاس، وصفوان بن المعطَّل، ومعاوية بن الحكم، وابن عمر، وابن عبَّاس في إحدى الرِّوايتين عنه رضي الله عنهم إحدى عشرة.

وأنس رضي الله عنه ثمان ركعات.

وحذيفة رضي الله عنه سبع ركعات.

وأبو أيُّوب رضي الله عنه أربع ركعات.

وعليٍّ رضي الله عنه ستَّ عشرة وهي أكثرها.

فذلك الاختلاف بحسب ما شاهد الرُّواة عنه، فربَّما زاد وربَّما نقص وربَّما فرَّق قيام اللَّيل مرَّتين أو ثلاثًا كما ثبت في رواية. ومن عدَّ ذلك تسعًا أسقط الوتر، ومن زاد على ثلاث عشرة فيكون قد عدَّ سنَّة العشاء أو ركعتي الفجر أو عدَّهما جميعًا، وعليه يحمل ما رواه ابن المبارك في «الزُّهد والرِّقاق» في حديث مرسل (( أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي من اللَّيل سبع عشرة ركعة ) )، والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا كراهية النَّوم قبل الوتر لاستفهام عائشة رضي الله عنها عن ذلك، كأنَّه تقرَّر عندها منع ذلك، فأجابها بأنَّه صلى الله عليه وسلم ليس هو في ذلك كغيره، لكن كراهية ذلك فيمن لم يثقْ بانتباهه في آخر اللَّيل كما سبق.

وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «أواخر الصَّوم» [خ¦2013] ، وفي «صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم» أيضًا [خ¦3569] . وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي.

[1] من قوله (( يجتهد فيه. .. إلى قوله العشر الأواخر ) )ليس في (خ) .

[2] [خ¦1139] من طريق مسروق بلفظ سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت