فهرس الكتاب

الصفحة 1832 من 11127

1155 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكير أبو زكريا (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد، فقيه مصر (عَنْ يُونُسَ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري.

(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الْهَيْثَمُ) بفتح الهاء وسكون التحتانية وفتح المثلثة وفي آخره ميم (ابْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وبالنونين بينهما ألف.

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُصُّ) أي حال كونه يذكر الأخبار والحكايات، والقصُّ في اللُّغة البيان (فِي) جملة (قِصَصِهِ) بكسر القاف، جمع قصَّة، ويجوز الفتح، وهي لغة القرآن؛ أي في جملة مواعظه التي كان يذكر بها أصحابه، والجار والمجرور يتعلَّق بقوله «سمع» .

وقوله (وَهُوَ يَذْكُرُ) جملة حاليَّة أيضًا، والحال أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه يذكر (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقوله (إِنَّ أَخًا لَكُمْ) هو المسموع للهيثم، والقائل لهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنَّ الهيثم سمع أبا هريرة رضي الله عنه وهو يعظُ، وانجرَّ كلامه إلى أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما قاله من قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ أخًا لكم ) ).

(لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ) يعني الباطل من القول والفحش، وإنَّما قال ذلك حين أنشد عبد الله بن رواحة الأبيات المذكورة،

ج 5 ص 620

فدلَّ ذلك على أنَّ حسن الشِّعر محمود كحسن الكلام، فظهر من ذلك أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتَّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا ) ) [خ¦6154] إنَّما يراد به الشِّعر الذي فيه الباطل والهجر من القول؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد نفى عن ابن رواحة _بقوله هذه الأبيات _ قول الرَّفث، فإذا لم يكن في الرَّفث فهو في حيِّز الحقِّ، والحقُّ مرغوبٌ فيه مأجورٌ عليه صاحبه.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس في سياق الحديث ما يُشعِر بأنَّ ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم، بل الظَّاهر أنَّه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.

وتعقَّبه العيني بأنَّ من يستخرج المراد من معنى التَّركيب على وفق ما يقتضيه من حيث الإعراب يعلم أنَّ القائلَ هو النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة رضي الله عنه ناقل له، وأنَّه مَدْحٌ من النَّبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة، وبيان أنَّ من الشِّعر ما هو حسن، وأنَّ كلَّ الشِّعر ليس بمذموم.

(يَعْنِي) أي قال الهيثم أو الزُّهري يعني (بِذَلِكَ) أي بقوله «إنَّ أخًا لكم» (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ) بفتح الراء وتخفيف الواو وبالمهملة، ابن ثعلبة بن امرئ القيس بن عَمرو الأنصاري الخزرجي البدري من بني الحارث، يكنى أبا محمَّد، ويقال أبا رواحة، ويقال أبا عمرو، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج؛ أي الخزرجيَّة، شهد بدرًا وأُحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا الفتح وما بعده، فإنَّه استشهد في غزوة مؤتة، وكان أحد الأمراء فيها، وكان ذلك سنة ثمان من الهجرة، وكان هو أوَّل خارج إلى الغزوات، وآخر قادم، قال يمدح النَّبي صلى الله عليه وسلم

(وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ) أراد به القرآن والجملة حالية (إِذَا) وفي نسخة (انْشَقَّ مَعْرُوفٌ) فاعل «انشقَّ» (مِنَ الْفَجْرِ) بيان للمعروف.

(سَاطِعُ) صفة لمعروف، وهو من سطع الصُّبح إذا ارتفع، وكذا سطعت الرَّائحة والغبار، والمعنى أنَّه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الفجر السَّاطع (أَرَانَا) من الإراءة، وفي رواية من الإنارة (الْهُدَى) مفعول ثان لأرانا (بَعْدَ الْعَمَى) أي بعد الضَّلالة، فالعمى مستعار لها.

(فَقُلُوبُنَا بِهِ) أي بالنَّبي صلى الله عليه وسلم (مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ) أي أنَّ الذي قاله من المغيَّبات (وَاقِعُ يَبِيتُ) حال كونه (يُجَافِي) أي يباعد ويرفع (جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ) ومجافاته جنبه عن الفراش كناية عن صلاته باللَّيل.

(إِذَا اسْتَثْقَلَتْ

ج 5 ص 621

بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ) جمع مضجع، وكأنَّه لمَّح به إلى قوله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة 16] أي ترتفع وتتنحي جنوبهم عن الفراش، ومواضع النَّوم داعين ربَّهم عابدين له لأجل خوفهم من سخطه، وطمعهم في رحمته.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما تتجافى جنوبهم لذكر الله كلَّما استيقظوا ذكروا الله إمَّا في الصَّلاة، وإمَّا في قيام، أو قعود، أو على جنوبهم فهم لا يزالون يذكرون الله.

وعن مالك بن دينار سألت أنسًا رضي الله عنه عن قوله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} فقال أنس رضي الله عنه كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلُّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} .

وعن أبي الدَّرداء والضَّحاك أنَّها صلاة العشاء والصُّبح في جماعة.

ثمَّ إنَّ البيت الأخير من هذه الأبيات الثَّلاثة فيه معنى التَّرجمة؛ لأنَّ التَّعار هو السَّهر والتقلُّب على الفراش، وكان ذلك إمَّا للصَّلاة أو للذِّكر أو لقراءة القرآن، ففي البيت الأوَّل إشارة إلى علمه صلى الله عليه وسلم، وفي الثَّالث إلى عمله، وفي الثَّاني إلى تكميله الغير فهو صلى الله عليه وسلم كامل مكمَّل.

فائدة وقعت لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه في هذه الأبيات قصَّة أخرجها الدَّارقطني من طريق سلمة بن وهران عن عكرمة قال كان عبد الله بن رواحة مضجعًا إلى جنب امرأته، فقام إلى جاريته فرأت امرأته إيَّاه عليها، وجحد ذلك والتمست منه القراءة؛ لأنَّ الجنب لا يقرأ، فقال هذه الأبيات. فقالت آمنت بالله وكذبت بصري، فأعلم النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك فضحك حتَّى بدتْ نواجذه.

ورجال إسناد هذا ما بين مصري وأيلي ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الأدب» أيضًا [خ¦6151] .

(تَابَعَهُ) أي يونس بن يزيد (عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، هو ابن خالد الأيلي في روايته عن ابن شهاب الزُّهري، عن الهيثم، ورواية عُقيل هذه أخرجها الطَّبراني في «الكبير» من طريق سلامة بن روح، عن عمِّه عقيل بن خالد، عن ابن شهاب فذكر مثل رواية يونس.

(وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، هو محمَّد بن الوليد الحمصي (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن المسيَّب (وَالأَعْرَجِ) هو عبد الرَّحمن بن هرمز كلاهما.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، وأشار المؤلِّف بهذا إلى أنَّ في الإسناد المذكور اختلافًا على الزُّهري، فإنَّ يونس وعُقيلًا اتَّفقا على أنَّ شيخ الزُّهري فيه هو الهيثم بن أبي سنان، وخالفهما الزُّبيدي حيث جعل شيخ الزُّهري فيه سعيد بن المسيب وعبد الرَّحمن بن هرمز.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يبعد أن يكون الطَّريقان صحيحين، فإنَّهم حفَّاظ ثقات،

ج 5 ص 622

والزُّهري صاحب حديث مُكثِر، ولكن ظاهر صنيع البخاري ترجيح رواية يونس لمتابعة عُقيل له بخلاف طريق الزُّبيدي، وهذا المعلَّق وصله البخاري في «التَّاريخ الصَّغير» ، والطَّبراني في «الكبير» أيضًا من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه ولفظه إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول في قصصه إنَّ أخاكم كان يقول شعرًا ليس بالرَّفث، وهو عبد الله بن رواحة ... فذكر الأبيات.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو يبيِّن أنَّ قوله في الرِّواية الأولى (( إنَّ أخًا لكم ) )من كلام أبي هريرة رضي الله عنه موقوفًا بخلاف ما جزم به ابن بطَّال.

وتعقَّبه العيني بأنَّه يحتمل أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لما كان في أثناء وعظه أجرى ذكر ما قاله صلى الله عليه وسلم في مدح عبد الله بن رواحة، ولكنَّه طوى إسناده إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما كانت الصَّحابة رضي الله عنهم يفعلون هكذا، فمثل هذا وإن كان موقوفًا في الصُّورة ففي الحقيقة هو موصول، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت