فهرس الكتاب

الصفحة 1852 من 11127

1170 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) منها الرَّكعتان الخفيفتان اللَّتين يفتتح بهما صلاته، فلا يعارض ما مضى من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها لم يكن يزيد على إحدى عشرة، وقد تقدَّم طريق الجمع بينهما هناك [خ¦1139] .

ج 5 ص 643

(ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنَّة الفجر يقرأ فيهما {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} على ما رواه مسلم، أو يقرأ {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة 136] في الرَّكعة الأولى، وقوله تعالى {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} [آل عمران 53] في الرَّكعة الثَّانية على ما رواه أبو داود، وسيجيء إن شاء الله تعالى عن قريب.

قيل لا مطابقة بين هذا الحديث وبين التَّرجمة حتَّى قال الإسماعيليُّ كان حقُّ هذه التَّرجمة أن تكون تخفيف ركعتي الفجر.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ولمَّا ترجم به المصنِّف وجه وجيه، وهو أنَّه أشار إلى خلاف من زعم أنَّه لا يقرأُ في ركعتي الفجر أصلًا، وهو قولٌ محكيٌّ عن أبي بكر الأصم، وإبراهيم ابن عُلَيَّة، فنبَّه على أنَّه لا بدَّ من القراءة، ولو وصفت الصَّلاة بكونها خفيفة فكأنَّها أرادت قرأ الفاتحة فقط، أو قرأها مع شيءٍ يسير غيرها، واقتصر على ذلك؛ لأنَّه لم يثبتْ عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيما، انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا كلام ليس له وجه أصلًا من وجوه

الأوَّل أنَّ قوله أشار إلى خلاف من زعم أنَّه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا رجم بالغيب، فليت شعري بماذا أشار بما يدلُّ عليه الحديث، أو بالخارج، فالأوَّل لا يصحُّ؛ لأنَّ الكلام ما سيق له، والثَّاني لا وجه له؛ لأنَّه لا يفيد مقصوده.

الثَّاني أنَّ قوله فنبَّه على أنَّه لا بدَّ من القراءة غير صحيح؛ لأنَّه يقال أي شيء يدلُّ على أنَّه لا بدَّ منها، وكون عائشة رضي الله عنها وصفت الرَّكعتين المذكورتين بالخفَّة لا يستلزم أنَّه لا بدَّ أن يقرأ فيهما، بل هو محتملٌ للقراءة وعدمها.

الثَّالث أنَّ قوله فكأنَّها أرادت قرأ الفاتحة فقط، أو قرأها مع شيء يسير غيرها، كلام واهٍ؛ لأنَّه يُقال أيُّ دليل يدلُّ بوجه من وجوه الدَّلالات على أنَّها أرادت قراءة الفاتحة فقط، أو قراءتها مع شيءٍ يسير غيرها.

الرَّابع أنَّ قوله لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما يقتضي أن لا يترجم بقوله ما يقرأ في ركعتي الفجر؛ لأنَّ السُّؤال بكلمة «ما» عن الماهيَّة، وماهية القراءة في ركعتي الفجر يكون بيانها بتعيينها، وليس في الحديث ما يعين ذلك، انتهى. وفيما ذكره من الوجوه نظرٌ لا يخفى على المتأمِّل حقَّ التأمُّل.

وقال الكرماني قوله «خفيفتين» هو محلُّ التَّرجمة إذ يعلم من لفظ «الخفَّة» أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ فيهما إلَّا الفاتحة فقط، أو مع أقصر قصار المفصَّل، انتهى.

وتعقَّبه العيني أيضًا بأنَّه من أن يعلم من لفظ «الخفَّة» أنَّه صلى الله عليه وسلم

ج 5 ص 644

قرأ فيهما، وإذا سلَّمنا أنَّه قرأ فيهما فمن أين يعلم أنَّه قرأ الفاتحة وحدها، أو مع شيءٍ من قصار المفصَّل. فإن قيل المعهود شرعًا وعادة أن لا صلاة إلَّا بالقراءة؟

فالجواب أنَّه ذهب جماعة منهم أبو بكر بن الأصم وابن عُلَيَّة وطائفة من الظَّاهرية أن لا قراءة في ركعتي الفجر، واحتجُّوا في ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها الذي يأتي عن قريب، وفيه حتَّى إنِّي لأقول هل قرأ بأمِّ القرآن، سلَّمنا أن لا صلاة إلَّا بالقراءة، ولا يعتبر باختلافهم، ولكن تعيين قراءة الفاتحة فيهما من أين حصل. فإن قالوا بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب ) ) [خ¦756] .

قلنا يعارضه ما روى في صلاة المسيء حيث قال له (( فكبِّر، ثمَّ اقرأ ما تيسَّر من القرآن ) ) [خ¦757] ، فهذا ينافي تعيين قراءة الفاتحة في الصَّلاة مطلقًا، إذ لو كانت قراءتها متعيَّنة لأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، بل هو صريحٌ في الدَّلالة على أنَّ الفرض مطلق القراءة كما ذهب إليه إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله.

هذا ويمكن أن يوجِّه المطابقة بين حديث الباب وبين التَّرجمة بأنَّ كلمة «ما» في الأصل للاستفهام عن ماهية الشَّيء مثلًا إذا قلت ما الإنسان؟ كان معناه ما ذاته وحقيقته، فجوابه حيوان ناطق، وقد يستفهم بها عن صفة الشَّيء، كما في قوله تعالى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه 17] .

وهاهنا أيضًا كلمة «ما» للاستفهام عن صفة القراءة في ركعتي الفجر هل هي قصيرة أم طويلة؟ فقوله (( خفيفتين ) )يدلُّ على أنَّها كانت قصيرة إذ لو كانت طويلة لما وصفت عائشة رضي الله عنه بقولها «خفيفتين» .

وأمَّا تعيين هذه القراءة فيهما فقد عُلِم بأحاديث أخرى

منها ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه التِّرمذي بسنده إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال رمقت النَّبي صلى الله عليه وسلم شهرًا فكان يقرأ في ركعتي الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقال حديث حسنٌ.

ومنها حديث عائشة رضي الله عنها رواه ابن ماجه بإسناد قويٍّ عن عبد الله بن شقيق عنها رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي ركعتين قبل الفجر، وكان يقول نعم السُّورتان يُقرأ بهما في ركعتي الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) )

ومنها (( ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه أخرجه التِّرمذي أيضًا عنه قال ما أُحصي ما سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الرَّكعتين بعد المغرب، وفي الرَّكعتين قبل صلاة الفجر بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) ).

ومنها ما رواه أنس رضي الله عنه أخرجه البزَّار عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) ). ورجال إسناده ثقاتٌ.

ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ) ).

ج 5 ص 645

ولأبي هريرة رضي الله عنه حديث آخر رواه أبو داود عنه (( أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر {قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران 84] الآية في الرَّكعة الأولى، وقوله تعالى {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران 53] أو {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة 119] ) )شكَّ الدَّراوردي.

ومنها ما رواه ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي عنه قال (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر {قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران 84] وقوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران 64] الآية ) ).

وفي رواية عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقرأَ في ركعتي الفجر {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة 136] التي بالبقرة، والأخرى التي في آل عمران.

ومنها ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من رواية طلحة بن خداش عنه أنَّ رجلًا قام فركع ركعتي الفجر فقرأ في الأولى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} حتَّى انقضت السُّورة فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( هذا عبد عرف ربَّه، وقرأ في الآخرة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتَّى انقضت السُّورة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عبدٌ آمن بربِّه ) )قال طلحة فأنا أحبُّ أن أقرأَ بهاتين السُّورتين في هاتين الرَّكعتين.

ورجال إسناد حديث الباب ما بين بخاري ومصري _ بالميم _ ومكِّي، وفيه رواية تابعي عن تابعي. وقد أخرج متنه مسلم في الصَّلاة، وكذا أبو داود والنَّسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت