1319 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم الفراهيدي البصري (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بفتح الشين المعجمة، سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل الكوفي.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الصَّحابة رضي الله عنهم ولم يسمَّ، وجهالة الصَّحابي لا تضر؛ لأنَّ كلَّهم عدول، وقد سبق في باب «وضوء الصِّبيان» من كتاب «الصَّلاة» ، قبل كتاب الجمعة [خ¦857] بلفظ (( من مرَّ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ).
وللتِّرمذي حدَّثنا الشَّعبي أخبرنا من رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(أَتَى) وفي رواية (عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ) بتنوين «قبرٍ» موصوف بـ «منبوذ» ؛ أي معتزل ومنفرد عن القبور، ويروى بإضافة «قبر» إلى «منبوذٍ» ؛ أي قبر لقيط، وسمي بذلك لأنَّه رمي به.
(فَصَفَّهُمْ) على القبر (وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) قال الشَّيباني (قُلْتُ) أي للشَّعبي يا أبا عمرو (مَنْ حَدَّثَكَ) أي بهذا (قَالَ) حدَّثني (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله «فصفَّهم» ، كما أنَّها في الحديث السَّابق في قوله «فصفوا» [خ¦1318] على ما سبق بيانه، والظَّاهر أنَّ الأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا.
وقد وقع في الحديث الآتي و «نحن صفوف» [خ¦1320] ، وذلك لأنَّ فيه دَلالة على أنَّ للصُّفوف على الجنازة تأثيرًا، ولو كان الجمع قليلًا أو كثيرًا، لكن لو صفُّوا صفًا واحدًا لوسعهم، وذلك لأنَّ الظَّاهر أن الذين خرجوا معه صلى الله عليه وسلم كانوا عددًا كثيرًا، وكان المصلَّى فضاء لا يضيق بهم لو صفوا صفًا واحدًا، ومع ذلك فقد صفَّهم صفوفًا.
وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصَّحابي المقدَّم ذكره [خ¦1317] ، وكان يصف من يحضر الصَّلاة على الجنازة ثلاثة صفوف قلُّوا أو كثروا.
وفي الحديثين المذكورين دلالة على أنَّ تكبيرات الجنازة أربع، وبه احتجَّ جماهير العلماء منهم محمَّد بن الحنفيَّة، وعطاء بن أبي رباح ومحمَّد بن سيرين والنَّخعي وسويد بن غفلة والثَّوري وأبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد.
ويحكى ذلك عن عمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب
ج 6 ص 359
وأبي هريرة وعقبة بن عامر رضي الله عنهم.
وذهب قومٌ إلى أنَّ التَّكبير على الجنائز خمس، منهم عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن جبل، وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وهو مذهب الشِّيعة والظَّاهرية.
وقال الحازميُّ وممَّن رأى التَّكبير على الجنازة خمسًا ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم.
وقالت فرقة يكبِّر سبعًا، روي ذلك عن زرِّ بن حُبيش.
وقالت فرقةٌ يكبِّر ثلاثًا روي ذلك عن أنس وجابر بن زيد رضي الله عنهما. وحكاه ابنُ المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» حدَّثنا ابنُ فضيل، عن يزيد، عن عبد الله بن الحارث قال صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة رضي الله عنه فكبَّر عليه تسعًا، ثمَّ جيء بأخرى فكبَّر عليها سبعًا، ثمَّ جيء بأخرى فكبَّر عليه خمسًا حتَّى فرغَ منهنَّ غير أنَّهن وتر.
وقال ابنُ قدامة لا يختلف المذهب أنَّه لا يجوز الزِّيادة على سبعِ تكبيرات ولا النقص من أربع، والأولى أربع لا يزاد عليها. واختلفتْ الرِّوايات في ما بين ذلك، فظاهر كلام الخرقي أنَّ الإمام إذا كبَّر خمسًا تابعه المأموم ولا متابعة في زيادة عليها. ورواه الأثرم عن أحمد.
وروى حرب عن أحمد إذا كبَّر خمسًا لا يكبِّر معه، ولا يسلِّم إلا مع الإمام، وممَّن لا يرى متابعة الإمام في زيادة على أربع الثَّوري ومالك وأبو حنيفة والشَّافعي، واختاره ابن عقيل، واحتجَّ الذين ذهبوا إلى أنَّ التَّكبير على الجنازة خمس بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أخرجه مسلم من حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم يكبِّر على جنائزنا أربعًا، وأنَّه كبَّر على جنازة خمسًا فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبِّرها. وأخرجه الأربعة أيضًا والطَّحاوي.
وبحديث حذيفة بن اليمان أخرجه الطَّحاوي بسنده إلى يحيى بن عبد الله التَّيمي قال صلَّيت مع عيسى مولى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه على جنازة فكبَّر عليها خمسًا، ثمَّ التفت إلينا فقال ما وهمت ولا نسيت، ولكنِّي كبَّرت كما كبَّر مولاي ووليَّ نعمتي _ يعني حذيفة بن اليمان رضي الله عنه _ صلَّى على جنازة فكبَّر عليها خمسًا، ثمَّ التفت إلينا فقال ما وهمتُ ولا نسيتُ، ولكنِّي كبَّرت كما كبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبحديث عَمرو بن عوف رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه من رواية كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر خمسًا، واسم جدِّه عَمرو بن عوف المزني رضي الله عنه.
والجواب عن الأحاديث التي فيها
ج 6 ص 360
التَّكبير على الجنازة بأكثر من أربع أنَّها منسوخة.
قال الطَّحاوي بإسناده عن إبراهيم قال قبضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والنَّاس مختلفون في التَّكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلًا يقول سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبِّر سبعًا، وآخر يقول سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبِّر خمسًا، وآخر يقول سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبِّر أربعًا إلَّا سمعته.
فاختلفوا في ذلك فكانوا على ذلك حتَّى قبضَ أبو بكر رضي الله عنه، فلمَّا ولي عمر رضي الله عنه ورأى اختلاف النَّاس في ذلك شقَّ عليه جدًّا، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنَّكم معاشر أصحاب رسول الله متى تختلفون [على الناس] يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع النَّاس عليه، فانظروا أمرًا تجتمعون عليه فقالوا نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين فأشر علينا، فقال عمر رضي الله عنه بل أشيروا عليَّ، فإنَّما أنا بشر مثلكم فراجعوا الأمر بينهم، فأجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التَّكبير على الجنائز مثل التَّكبير في الأضحى والفطر أربع تكبيرات، فأجمع أمرهم على ذلك.
فهذا عمر رضي الله عنه قد ردَّ الأمر في ذلك إلى أربع تكبيرات بمشورة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وهم حضروا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه حذيفة وزيد بن أرقم رضي الله عنهما، فكان عندهم ذلك أولى ممَّا قد كانوا فعلوا، فذلك نسخ لما كانوا قد فعلوا؛ لأنَّهم مأمونون على ما قد فعلوا، كما كانوا مأمونين على ما قد رووا.
فإن قيل كيف يثبت النَّسخ بالإجماع، والنَّسخ لا يكون إلَّا في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع لا يكون إلَّا بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم.
فالجواب أنَّه قد جوَّزه بعض مشايخنا بطريق الإجماع بناء على أنَّ الإجماع يوجب علم اليقين كالنَّص، فيجوز أن يثبت به ما يثبت بالنَّص، والإجماع في كونه حجَّة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النَّسخ يجوز بالخبر المشهور فجوازه بالإجماع أولى.
على أنَّ ذلك الإجماع منهم إنَّما كان على ما استقرَّ عليه آخر أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي قد رفع كل ما كان قبله ممَّا يخالفه، فصار الإجماع مظهرًا لما قد كان في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى قال بعضهم إنَّ حديث النجاشي هو النَّاسخ؛ لأنَّه مخرَّج في «الصَّحيحين» من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، قالوا
ج 6 ص 361
وأبو هريرة رضي الله عنه متأخِّر الإسلام، وموت النَّجاشي كان بعد إسلام أبي هريرة رضي الله عنه.
وممَّا يؤيِّد هذا ما رواه قاسم بن أصبغ من حديث أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، عن أبيه قال (( كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يكبِّر على الجنائز أربعًا وخمسًا وستًّا وسبعًا وثمانيًا حتَّى مات النَّجاشي، فخرج إلى المصلَّى فصفَّ النَّاس من وراءه فكبَّر عليه أربعًا، ثمَّ ثبت النَّبي صلى الله عليه وسلم على أربع حتَّى توفَّاه الله عزَّ وجلَّ ) ).