1390 - 1391 -(حَدَّثَنَا
ج 6 ص 568
مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ)التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح اليشكُري (عَنْ هِلاَلٍ) هو ابنُ حميد الجهني، ويقال ابنُ أبي حميد، ويقال ابن عبد الله، وزيد في رواية (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير.
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) وفي رواية (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) وفي بعض الطُّرق الاقتصار على قوله «لعن اليهود» ، وحينئذٍ فقوله (( قبور أنبيائهم مساجد ) )، واضح فإنَّ النَّصارى لا يقولون بنبوَّة عيسى عليه السَّلام، بل يدعون البنوَّة أو الألهيَّة أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، بل ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبر، وأمَّا على هذه الرِّواية
فإمَّا أن يكون الضَّمير يعودُ إلى اليهود فقط بدليل الرِّواية الأخرى، وإمَّا أن يكون المراد من أمروا بالإيمان بهم من الأنبياء السَّابقين كنوح وإبراهيم عليهم الصَّلاة والسَّلام، قالت عائشة رضي الله عنها
(لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وقوله (خَشِيَ) على البناء للفاعل؛ أي خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَوْ خُشِيَ) على البناء للمفعول، والخاشي الصَّحابة، أو عائشة رضي الله عنهم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشَّكُّ من الرَّاوي (أَنَّ يُتَّخَذَ) على البناء للمفعول؛ أي قبره (مَسْجِدًا) .
(وَعَنْ هِلاَلٍ) يعني بالإسناد المذكور (قَالَ كَنَّانِي) بفتح الكاف وتشديد النون؛ أي جعلني ذا كنية، أو نسبني إليها، واختلف في كنيته، فقيل أبو أميَّة، وقيل أبو الجهم، وقيل أبو عَمرو وهو المشهور.
(عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) فاعل «كناني» (وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُولَدْ لِي) أي ولد؛ لأنَّ الغالب أنَّ الإنسان لا يكنَّى إلا باسم أوَّل أولاده، ولعلَّ غرض البخاري بذلك هو التَّنبيه على لقاء هلال عروة.
وفي الحديث جواز التَّكنية سواء جاء للمكنَّى ولد أو لا، وقد كنَّى الشَّارع عائشة رضي الله عنها بابن أختها عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما.
(حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزي المجاور بمكَّة، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بالمثناة التحتية وبالشين المعجمة، الكوفي المقرئ المحدِّث، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة (عَنْ سُفْيَانَ) هو ابن دينار الكوفي (التَّمَّارِ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد الميم،
ج 6 ص 569
وهو من كبار أتباع التَّابعين، وقد لحق عصر الصَّحابة رضي الله عنهم، ولم تُعرف له رواية عن صحابي.
وفي «تاريخ البخاري» سفيان بن زياد ويقال ابن دينار التمَّار العصفري، وزعم الباجي أنَّ بعضهم فرَّق بين ابن زياد وبين ابن دينار، وزعم أنَّه هو المذكور عند البخاري في «الصَّحيح» وكل منهما كوفي عصفري، ولم يروِ البخاري من ابن دينار التمَّار إلا هذا، وقد وثَّقه ابن معين وغيره.
(أَنَّهُ حَدَّثَهُ) أي أن سفيان التمَّار حدَّث أبا بكر بن عيَّاش (أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا) بضم الميم وتشديد النون المفتوحة؛ أي مرتفعًا مثل سنام البعير. وروى ابن أبي شيبة وزاد (( وقبَريْ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مسنَّمين ) ). ورواه أبو نُعيم في «المستخرج» «وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كذلك» .
وقال إبراهيم النَّخعي أخبرني من رأى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه مسنَّمة ناشزة من الأرض عليها مرمر أبيض. وقال الشَّعبي رأيت قبور شهداء أُحد مسنَّمة، وكذا فُعِل بقبر ابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم.
وقال اللَّيث حدَّثني يزيد بن أبي حبيب أنَّه يستحب أن تُسنَّم القبور ولا ترفع ولا يكون عليها تراب كثير، وهو قول أبي حنيفة وأتباعه، والثَّوري ومالك وأحمد والمزني وجماعة من الشَّافعية لهذا الحديث، ولأنَّها أمنع من الجلوس عليها.
وقال أشهب وابن حبيب أحب إليَّ أن يسنَّم القبر وإن رفع فلا بأس. وقال طاوس كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئًا حتَّى يعلم أنَّه قبر.
وادعى القاضي حسين اتِّفاق أصحاب الشَّافعي على التسنيم، وردَّ عليه بأنَّ جماعة من قدماء الشَّافعية استحبوا التَّسطيح، وبه جزم الماوردي وآخرون.
وفي «التَّوضيح» وقال الشَّافعي تسطَّح القبورُ ولا تُبْنى ولا تُرْفع، تكون على وجه الأرض نحوًا من شبرٍ، قال وبلغنا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سَطَّح قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه الحصباء، ورشَّ عليه الماء وإن مقبرة الأنصار والمهاجرين مسطَّحة. وروي عن مالك مثله.
واحتجَّ الشَّافعي أيضًا بما روى أبو داود عن القاسم بن محمَّد قال دخلتُ على عائشة رضي الله عنها فقلت يا أمَّاه اكشفِي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشفت لي عن ثلاثة قبور
ج 6 ص 570
لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحةٍ ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدَّمًا وأبو بكر رضي الله عنه رأسه بين كتفي النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رضي الله عنه عند رجلي النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله «لا مشرفة ولا لاطئة» ؛ أي لا مرتفعة كثيرًا ولا لاصقة بالأرض، يقال لطئ _ بكسر الطاء وفتحها _؛ أي لصق.
وقال صاحب «الهداية» ويسنَّم القبر من التَّسنيم وهو رفعه من الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلًا، وفي «ديوان الأدب» يقال قبر مسنَّم؛ أي غير مسطَّح، وبه قال موسى بن طلحة أيضًا.
واختاره أبو علي الطَّبري وأبو علي بن أبي هريرة والجويني والغزالي والرَّوياني والسَّرخسي مع من تقدَّم ذكرهم آنفًا. والجواب عمَّا رواه الشَّافعي أنَّه ضعيف ومرسل، وأمَّا ما رواه أبو داود فرواية البخاري تعارضها، على أنَّ المراد من المشرفة هي المبنية التي يطلب بها المباهاة.
وكذلك ما في رواية التِّرمذي عن أبي الهياج الأسدي أنَّه قال لي علي رضي الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلَّا سوَّيته، ولا تمثالًا إلَّا طمسته.
وقال التِّرمذي حديث عليٍّ حسنٌ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض، وقال الشَّافعي أكره أن يرفع [1] القبر إلَّا بقدر ما يُعرف أنَّه قبر؛ لئلا يُوطأ ولا يجلس عليه، انتهى قول التِّرمذي.
فإن قيل قال البيهقيُّ والبغوي ورواية القاسم بن محمَّد أصح وأولى أن تكون محفوظة.
فالجواب ما قاله العيني أن هذه كبوةٌ منهما، وإلَّا فمن يرجِّح رواية أبي داود على رواية البخاري في «صحيحه» .
وقد قال صاحب «المغني» رواية البخاري أصحُّ وأولى، على أنَّك قد عرفت ما المراد من المُشْرِفة المذكورة في رواية أبي داود، والله أعلم.
وقال شمس الأئمَّة السَّرخسي التَّربيع من شعارِ الرَّافضة، وقال ابنُ قدامة التَّسطيح شعار أهل البدع فكان مكروهًا.
وقال المزني في كتاب «الجنائز» إذا ثبت أحدُ الخبرين المسطَّح أو المسنَّم، فأشبه الأمرين بالميِّت ما لا يشبه المصانع ليجلس عليه، والمسطَّح يشبه ما يصنع للجلوس وليس المسنَّم كذلك، وقد نهى عن الجلوس على القبر.
وفي التَّسنيم منع الجلوس عليه فهو آمن من أن يُجلَس عليه، وأشبه بأمر
ج 6 ص 571
الآخرة، ولكن لا يزاد فيه أكثر من ترابه ويعلم ليُعرَف فيُدْعَى له.
فائدة ذكر الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن محمود بن النَّجار في كتابه «الدرَّة الثَّمينة في أخبار المدينة» أنَّ قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما في «صفة بيت عائشة رضي الله عنها» قال وفي البيت موضع قبر في السَّهوة المشرفة.
قال سعيد بن المسيَّب فيه يدفن عيسى بن مريم عليهما السَّلام، وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال يدفن عيسى عليه السَّلام مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فيكون قبره رابعًا.
وعن عثمان بن نسطاس قال رأيت قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا هدمه عمر بن عبد العزيز مرتفعًا نحو أربعة أصابع، ورأيت قبر أبي بكر رضي الله عنه وراء قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه أسفل منه.
وعن عَمْرة عن عائشة رضي الله عنها قالت رأس النَّبي صلى الله عليه وسلم ممَّا يلي المغرب، ورأس أبي بكر رضي الله عنه عند رجليه صلى الله عليه وسلم، وعمر رضي الله عنه خلف ظهر النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وعن نافع بن أبي نُعيم قبر النَّبي صلى الله عليه وسلم أمامهما إلى القبلة مقدمًا، ثمَّ قبر أبي بكر رضي الله عنه حذاء منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر عمر رضي الله عنه حذاء منكب أبي بكر رضي الله عنه، وذكرت في صفة قبورهم أقوال غير ما ذكر، والله أعلم.
وقد استدلَّ جماعة على فضيلة الشَّيخين رضي الله عنهما بقرب طينهما رضي الله عنهما من طينه صلى الله عليه وسلم.
وفي «الحلية» لأبي نُعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من مولود إلَّا وقد ذرَّ عليه من تراب حفرته ) )وقال هذا حديث غريب.
وفي «نوادر الأصول» للحكيم أبي عبد الله التِّرمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (( إنَّ الملَك الموكل بالرَّحم يأخذ النُّطفة فيعجنها بالتُّراب الذي يُدفن في بقعته، فذلك قوله تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه 55] ) ).
وعند التِّرمذي أبي عبد الله قال محمَّد بن سيرين لو حلفتَ حلفتَ صادقًا بارًا أنَّ الله تعالى خلق نبيَّه صلى الله عليه وسلم ولا أبا بكر ولا عُمر رضي الله عنهما إلَّا من طينةٍ واحدةٍ، ثمَّ ردَّهم إلى تلك الطِّينة.
وفي «الصَّحيح» من حديث جُندب بن سفيان يرفعه (( إذا أرادَ الله قبضَ عبدٍ بأرضٍ جعله له حاجة فيها ) ).
(حَدَّثَنَا) بالجمع، وفي رواية بالإفراد (فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، هو ابن أبي المَغْراء _ بفتح الميم وسكون الغين المعجمة
ج 6 ص 572
وبالراء وبالمد ويقصر _ أبو القاسم الكوفي، مات سنة خمس وعشرين ومائتين قال
(حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) وفي رواية بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الراء، وقد مرَّ في باب «مباشرة الحائض» [خ¦302] (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير، قال (لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ) وفي رواية (الْحَائِطُ) أي حائط حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) بن مروان الأموي، وَلِيَ الأمرَ بعد والده عبد الملك بن مروان الأموي سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولد عبد الملك، وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر، وكانت وفاته يوم السَّبت منتصف جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين بدمشق، وصلَّى عليه عمر بن عبد العزيز وحُمِل على أعناق الرِّجال، ودفن بمقابر باب الصَّغير، وقيل بباب الفراديس، ثمَّ بعد وفاته بُويع بالخلافةِ لأخيه سليمان بن عبد الملك، وكان سليمان بالرَّملة.
والسَّبب في ذلك ما رواهُ أبو بكر الآجري من طريق شُعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال كان النَّاس يصلُّون إلى القبرِ، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتَّى لا يصلِّي إليه أحد، فلمَّا هُدِمَ بَدَتْ قَدَمٌ بساقٍ وركبةٍ ففزعَ عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة فقال هذا ساقُ عمر وركبته رضي الله عنه، فسرِّي عن عمر بن عبد العزيز.
وروى الآجري من طريق مالك بن مغول عن رجاء بن حيوةَ، قال كتب الوليدُ بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، وكان قد اشترى حجر أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم أن أهدمها، ووسَّع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية، ثمَّ أمر بهدمها فما رأيتُ باكيًا أكثر من يومئذٍ، ثمَّ بناه كما أراد، فلمَّا أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأوَّل ظهرتِ القبور الثَّلاثة، وكان الرَّمل الذي عليها قد انهارَ ففزعَ عمر بن عبد العزيز، وأرادَ أن يقومَ فيسوِّيها بنفسه، فقلت له أصلحَك الله إنَّك إن قمتَ قام النَّاس معك، فلو أمرت رجلًا أن يصلحَها ورجوت أنَّه يأمرني بذلك، فقال يا مُزاحم؛ يعني مولاه، قمْ فأصلحها قال رجاء فكان قبر أبي بكر رضي الله عنه عند وسط النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رضي الله عنه خلف أبي بكر رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكنَ الجمع وإلَّا فحديث القاسم أصحُّ.
وأمَّا ما أخرجه أبو يَعلى من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها «أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه، وعمر رضي الله عنه عن يساره» فسندهُ ضعيفٌ.
(أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ) أي ظهرتْ (لَهُمْ قَدَمٌ) أي بساق وركبة، كما مرَّ في رواية أبي بكر الآجري،(فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا
ج 6 ص 573
يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ لاَ وَاللَّهِ، مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا هِيَ إِلاَّ قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)فسرِّي عن عمر بن عبد العزيز، كما تقدَّم في رواية الآجري.
(وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير هو بالإسناد المذكور، وقد أخرجه المؤلِّف من وجه آخر في «الاعتصام» مسندًا عن هشام [خ¦7327] . وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبدة، عن هشام وزاد فيه (( وكان في بيتها موضع قبر ) ).
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَوْصَتْ) ابن أختها أسماء (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما لاَ تَدْفِنِّي مَعَهُمْ) أي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما (وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي) أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهم.
(بِالْبَقِيعِ) وإنَّما قالت ذلك مع أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد خوفًا أن يجعل لها مزية فضل كما سيأتي في آخر الحديث.
وفي «التَّكملة» لابن الآبار من حديث محمَّد بن عبد الله العمري حدَّثنا شعيب بن طلحة من ولد أبي بكر، عن أبيه، عن جدِّه، عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت للنَّبي صلى الله عليه وسلم إنِّي لا أراني إلَّا سأكون بعدك، فتأذن لي أن أدفنَ إلى جانبك، قال (( وأنَّى لك ذلك الموضع، ما فيه إلَّا قبري وقبر أبي بكر وعمر، وفيه عيسى بن مريم عليهما السَّلام ) ).
فإن قلت ظاهر حديث الباب يُعارض قولها لما طُلِبَ منها أن يدفنَ عمر رضي الله عنه معهما أردتُ لنفسي.
فالجواب أنَّه قيل إنَّما قالت ذلك قبل أن يقعَ لها ما وقع في قضية الجمل، فاستحيتْ بعد ذلك أن تدفن هناك، أو ظنَّت أولًا أنَّها كانت لا تسعُ إلَّا قبرًا واحدًا، فلمَّا دُفِن ظهر لها أنَّ هناك وسعًا لقبر آخر، وإذا صحَّ ما رواه ابن الآبار فهو جواب قاطع، والله أعلم.
(لاَ أُزَكَّى) بضم الهمزة وفتح الزاي والكاف، على البناء للمفعول؛ أي لا يثني عليَّ (بِهِ) أي بسبب الدَّفن معهم (أَبَدًا) حتَّى يكون لي بذلك مزيَّة فضل، مع احتمال أن لا أكون في نفس الأمر كذلك، وهذا من كمال تواضعها رضي الله عنها وعن أبيها.
فائدة في «الإكليل» عن وردان وهو الذي بنى بيت عائشة رضي الله عنها لمَّا سقط شقه الشَّرقي أيَّام عمر بن عبد العزيز أنَّ القدمين لما بدتا قال سالم بن عبد الله أيُّها الأمير هذان قدما جدي وجدك عمر رضي الله عنه.
وقال أبو الفرج الأموي في «تاريخه» ورد أنَّ هذا هو أبو امرأة أشعب الطمَّاع.
وفي «الطَّبقات»
ج 6 ص 574
قال مالك قُسِم بيت عائشة رضي الله عنها ثنتين قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة رضي الله عنها وبينهما حائط، فكانت عائشة رضي الله عنها ربما دخلت جنب القبر فضلًا، فلمَّا دفن عمر رضي الله عنه لم تدخله إلَّا وهي جامعة عليها ثيابها.
وقال عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي زيد لم يكن على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم على بيت النَّبي صلى الله عليه وسلم حائط، فكان أوَّل من بنى عليه جدارًا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه. قال عبيد الله كان جداره قصيرًا، ثمَّ بناه عبد الله بن الزُّبير، وزاد فيه.
وفي «الدُّرة الثَّمينة» لابن النَّجار سقط جدار الحجرة ممَّا يلي موضع الجنائز في زمان عمر بن عبد العزيز فظهرت القبور، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذ، فأمر عمر بقباطي يُستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فلمَّا بدت القدمان قام عمر فزعًا، فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وكان حاضرًا أيُّها الأمير لا تفزع فهما قدما جدِّك عمر رضي الله عنه ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال عمر يا ابن وردان غطِّ ما رأيت ففعل.
وفي رواية أنَّ عمر أمر أبا حفصة مولى عائشة رضي الله عنها وناسًا معه فبنوا الجدار، وجعلوا فيه كوة، فلمَّا فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر فقمَّ ما سقط على القبر من التُّراب، وبنى عمر على الحجرة جائزًا في سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها، فلما ولي المتوكِّل أزَّرها بالرخام من حولها، فلما كان في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة في خلافة المقتفي جدد التأزير وجعل لها قامة وبسطةً وعمل لها شباكًا من الصَّندل والآبنوس، وأداره حولها مما يلي السقف.
ثمَّ إنَّ الحسن بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير المصريين عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض مرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر.
ثمَّ جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الإبريسم البنفسجي، وعلى دوران جاماتها مرقوم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ونفَّذت تلك إلى مشهد علي رضي الله عنه وعلقت هذه.
ثمَّ إن النَّاصر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسم الأسود، وطرَّزها وجاماتها أبيض فعلقت فوق تلك، والله أعلم.
[1] قوله (( القبر فوق الأرض، وقال الشافعي أكره أن يرفع ) )ليس في (خ) .