1477 - (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقي، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة
ج 7 ص 247
التحتية، وهو إسماعيل بن إبراهيم البصري، وعليَّة اسم أمه، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة، ممدودًا البصري (عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو آخره عين مهملة وهو غير منصرف، واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي، قاضي الكوفة، نُسِبَ إلى جده.
وثَّقه ابن معين والنَّسائي والعجلي وإسحاق بن إبراهيم، ورماه الجوزجاني بالتشيُّع لكن احتجَّ به الشَّيخان والتِّرمذي له عنده حديثان، وفي رواية عن الكُشْمِيْهني .
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) مولاه واسمه وَرَّاد بفتح الواو وتشديد الراء آخره دال مهملة (قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان (إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله عنه (أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا) قال النَّووي الرِّضا والكراهة من الله أمره ونهيه أو ثوابه وعقابه (قِيلَ وَقَالَ) هما إمَّا فعلان وإمَّا مصدران يقال قلت قولًا وقالا، وعلى الثاني يكونان منونين، وكتبا بغير ألف على لغة ربيعة، وقال ابن السِّكيت هما اسمان لا مصدران.
وقال الخطَّابي إمَّا أن يراد بهما حكاية أقاويل النَّاس والبحث عنها، كما يقال قال فلان كذا، وقيل له كذا، من غير ضرورة وقصد ثواب، فإنَّها تُقْسِي القلوبَ، وهو من التجسُّس المنهيِّ عنه، وإمَّا أن يراد بهما ما كان من أمر الدِّين ينقله بلا حجَّة وبيان يقلِّد ما يسمعه ولا يحتاط فيه كأن يقول قال الحكماء كذا، وقال أهل السنَّة كذا، من غير بيان ما هو الحقُّ والأقوى.
وقال ابن الجوزي المراد به حكاية شيء لا يعلم صحَّته، فإنَّ الحاكي يقول قيل وقال. وعن مالك هو من الإكثار من الكلام والإرجاف نحو قول القائل أعطى فلان كذا، ومنع من كذا، والخوض فيما لا يعني، وقال في «المحكم» القول في الخير، والقيل والقال في الشرِّ.
(وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) وفي رواية وهو أن يتركه من غير حفظه له، فيضيع أو يتركه حتَّى يفسد أو يرميه
ج 7 ص 248
إذا كان يسيرًا تكبُّرًا عن تناوله أو يرضى بالغبن الفاحش، أو ينفقه في البناء واللِّباس والمطعم بإسراف، أو ينفقه في المعاصي، أو يسلِّمه لخائن أو غير رشيد أو مبذِّر، أو يموه الأواني بالذَّهب أو يذَهِّب سقفَ بيته وجدرانه، أو يطرِّز الثياب به، فإنَّه من التَّضييع الفاحش؛ لأنَّه لا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله.
ومنه قسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة، ومنه التصدُّق وإكثاره وعليه دين لا يرجو له وفاء. ومنه سوء القيام على ما يملكه كالرَّقيق والحيوان إذا لم يتعده ضاع. ومنه أن يتخلَّى الرَّجل من كل ماله وهو محتاج إليه غير قوي على الصَّبر. وقد يحتمل أن يُؤَوَّل معنى الإضاعة على العكس مما تقدَّم بأن يقال إضاعته حبسه عن حقِّه، والبخل به على أهله كما قال الشاعر
~ومَا ضَاعَ مالٌ أَورَثَ المَجدَ أهلَهُ ولكِنَّ أَمْوالَ البَخِيلِ تضِيعُ
وقال الدَّاودي إضاعة المال تؤدِّي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة، وكان الشَّارع يتعوَّذ من الفقر وفتنتهِ. وقال المهلَّب يريد السَّرف في إنفاقهِ، وإن كان فيما يحلُّ، ألا ترى أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ردَّ تدبير المعدم؛ لأنَّه أسرفَ على ماله فيما يحل ويؤجر فيه، لكنَّه أضاعَ نفسه وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره.
(وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) للنَّاس في أخذ أموالهم صدقة، وهذا هو موضع التَّرجمة، ويحتمل أن يكون المراد سؤال المرء عمَّا نهى عنه من المتشابهات التي تعبَّدنا بظاهرها، أو المراد السُّؤال من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أمور لم يكن لهم حاجة إليها.
وقال الخطَّابي المسألة في كتاب الله تعالى على ضربين
أحدهما محمود؛ كقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية [البقرة 215] ونحوه من الأشياء المحتاج إليها في الدِّين، ولهذا قال تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} الآية [النحل 43] .
والآخر مذموم؛ كقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح} الآية [الإسراء 85] ونحوه مما لا ضرورة فيه لهم إلى علمه، ولهذا قال تعالى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية [المائدة 101] .
وقال النَّووي يحتمل أن يراد بكثرة السُّؤال سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره؛ لأنَّه يتضمَّن الحرج في حقِّ المسئول عنه، فإنَّه لا يريد إخباره بأحواله، فإن أخبر شقَّ عليه، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. وذكر عن مالك في كثرة السُّؤال وجهان
ج 7 ص 249
الأوَّل سؤال سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنَّه قال (( ذروني ما تركتُكُم ) ).
والثَّاني سؤال النَّاس، وهو الذي فهمه البخاري وبوَّب عليه. وقال ابن التِّين فيه وجوه
أحدها التعرُّض لما في أيدي النَّاس من الحطام بالحرص والشَّره، وهو تأويل البخاري.
ثانيها سؤال المرء عمَّا نُهِيَ عنه من تشابه الأمور على مذهب أهلِ الزَّيغ والشَّك ابتغاء الفتنة.
وثالثها [1] ما كانوا يسألون الشَّارع عن الشَّيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه فتنزلُ البلوى بهم كالسائل عمَّن يجد مع امرأته رجلًا، وأشدُّ النَّاس جرمًا في الإسلام من سألَ عن أمر لم يكن حرامًا، فحَرُم من أجل مسألته، وفي الحديث الدَّلالة على الحَجْرِ.
واختلف العلماءُ في وجوب الحَجْر على البالغ المضيِّع لماله جمهور العلماء يوجبون الحجر عليه، وروي ذلك عن عليٍّ وابن عبَّاس وابن الزُّبير وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمَّد والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال النَّخعي وابن سيرين وأبو حنيفة وزفر لا حَجْر على البالغ؛ لحديث الذي يُخْدَعُ في البيوع، ولم يمنعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من التصرُّف. وفيه فضل الكفاية على الفقر والغنى؛ لأنَّ ضياع المال يؤدِّي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السُّؤال، وربَّما يخشى من الغنى الفتنة، قال تعالى {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى} الآية [العلق 6 - 7] . والفقر والغنى محنتان وبليَّتان كان الشَّارع يتعوَّذ منهما، ومن عاش فيهما بالاقتصاد فقد فاز في الدُّنيا والآخرة، وفيه الكتاب بالسُّؤال عن العلم والجواب عنه.
وفيه قبول خبر الواحد، وقبول الكتاب وهو حجَّة في الإجازة، وفيه أخذ بعض الصَّحابة عن بعض. وفيه أنَّ قلَّة السُّؤال لا تدخل تحت النَّهي خصوصًا إذا كان مضطرًا يخاف على نفسه التَّلف بتركها، بل السُّؤال في هذه الحالة واجب؛ لأنَّه لا يحل له إتلاف نفسه وهو يجد السَّبيل إلى إحيائها.
[1] من قوله (( سؤال المرء. .. إلى قوله الفتنة وثالثها ) )ليس في (خ) .