1478 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بضم الغين المعجمة وفتح الراء الأولى مصغَّرًا، ابن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف القرشي (الزُّهْرِيُّ) بضم الزاي وسكون الهاء، وقد مرَّ في باب ما ذكر في ذهاب موسى في كتاب العلم [خ¦74] .
قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف
ج 7 ص 250
الزُّهري نزيل بغداد (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين.
(عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه (قَالَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا) هو دون العشرة من الرِّجال ليس فيهم امرأة، وحذف مفعول أعطى للتعميم (وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ) أي في الرَّهط، والجملة حالية (قَالَ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ) أي من الرَّهط، ويروى .
(رَجُلًا) هو جعيلُ بن سراقة، فيما ذكره الواقدي، وروى ابن إسحاق في «مغازيه» عن محمَّد بن إبراهيم التَّيمي قال قيل يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصين، والأقرع بن حابس مائة مائة وتركت جُعَيلًا قال (( والذي نفسي بيده لجُعَيل بن سراقة خير من طِلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكنِّي أتألَّفهما وأَكِلُ جُعَيلًا إلى إيمانه ) )وهذا مرسل حسن.
(لَمْ يُعْطِهِ) أي شيئًا (وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ) أي أفضل الرَّهط وأصلحهم (إِلَيَّ) أي في اعتقادي. قال سعد (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ) أي أيُّ شيء حصل لك أعرضت به عن فلان فلا تعطيه (وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا) بضم الهمزة؛ أي لأظنُّه، ويروى بفتح الهمزة؛ أي لأعلمه.
قال النَّووي ولا يضم على معنى أظنُّه؛ لأنَّه قال غلبني ما أعلم، ولأنَّه راجع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا لما كرر المراجعة.
وتُعُقِّب بأنَّ ما أعلم؛ معناه ما أظنُّ؛ كقوله تعالى {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} الآية [الممتحنة 10] ، والمراجعة لا تدلُّ على الجزم؛ لأنَّ الظنَّ يلزم اتباعه اتِّفاقًا وحلف على غَلَبَةِ ظنِّه.
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوْ مُسْلِمًا) بإسكان الواو على الإضراب عن قوله كأنه قال بل مسلمًا؛ لأنَّه لا يقطع بإيمانه، فإنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأولى أن يعبِّر بالإسلام وليس ذلك حكمًا بعدم إيمانه، بل نهيًا عن الحكم بالقطع به.
(قَالَ) سعد (فَسَكَتُّ) بتشديد التاء المضمومة (قَلِيلًا) أي سكوتًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 251
(أَوْ مُسْلِمًا) ويروى .
(قَالَ فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ) ويروى بالميم بدل الفاء (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ أَوْ مُسْلِمًا) ويروى أيضًا (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) مفعوله الثاني محذوف؛ أي الشَّيء.
(وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملة حالية (خَشْيَةَ) مفعول له لقوله لأعطي (أَنْ يُكَبَّ) بضم أوله وفتح الكاف مجهولًا (فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ) وهذا الحديث قد مضى في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة من كتاب الإيمان [خ¦27] .
ومطابقته للتَّرجمة من حيث إنَّ الرَّجل الذي تركه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعطه شيئًا ترك السُّؤال أصلًا مع مراجعة سَعْدٍ رضي الله عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسببه ثلاثَ مرات.
(وَعَنْ أَبِيهِ) عطف على قوله عن أبيه؛ أي وحدَّثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن سَعْد بن أبي وقَّاص (يُحَدِّثُ هَذَا) الحديث، ويروى فهو مرسلٌ؛ لأنَّه لم يذكر سعدًا، لكن قال الكِرمانيُّ إنَّ الإشارة في قوله (هذا) إلى قول سعدٍ فهو متَّصل (فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ) أي في جملة حديثه.
(فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ بِجُمْع) بالباء الجارة وضم الجيم وسكون الميم؛ أي ضرب بيده حال كونها مجموعة (بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي) وفي بعض الروايات بالفاء على صيغة الماضي من الجمع، وفي بعضها من التَّجميع، فيكون قولُه بين اسمًا لا ظرفًا، كقوله تعالى {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} الآية [الأنعام 94] على قراءة الرفع، ويروى بالميمين.
قال ابن قُرْقول أي حيث يجتمعان كمَجْمَع البحرين، فيكون لفظ مجمع مضافًا إلى بين.
(ثُمَّ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَقْبِلْ) بفتح الهمزة وكسر الموحدة أمرٌ من الإقبال، وفي رواية بكسر الهمزة وفتح الموحدة أمرٌ من القبول؛ أي اِقبل ما أنا قائلٌ لك ولا تعترض عليه.
ويؤيِّده ما في رواية مسلم (( أقِتَالًا ) )؛ أي سعد؛ أي أتقاتل قتالًا؛ أي تعارضني فيما أقول مرَّة بعد مرَّة كأنَّك تقاتل.
وهذا يشعر بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كره منه إلحاحه عليه في المسألة كأنَّه لمَّا قال له ذلك تولَّى ليذهب فأمره بالإقبال ليبين له وجه الإعطاء والمنع، فقال (أَيْ سَعْدُ) منادى مفرد مبني على الضَّم، وأيْ حرف نداء (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الحديث؛ أي أعطيه لأتألفه ليستقرَّ الإيمان في قلبه وكأنَّه عَلِمَ أنَّه إن لم يعْطِه قال قولًا أو فعل فعلًا دخل به النَّار فأعطاه شفقةً عليه، ومنع الآخر عِلْمًا منه برسوخ الإيمان في صدره ووثوقًا على صبره.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) جرى البخاريُّ على عادته في إيراد تفسير اللَّفظة الغريبة إذا وافق ما في الحديث ما في القرآن ( {فَكُبْكِبُوا} ) في سورة الشُّعراء معناه (قُلِبُوا) بضم القاف وكسر اللام وضم الموحدة، وفي رواية بضم الكاف والموحدة من الكب، وهو الإلقاء على الوجه.
(مُكِبًّا) في سورة الملك في قوله تعالى {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} الآية [الملك 22] يقال (أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ) أي هو لازمٌ (فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ) أي إذا كان متعدِّيًا ويسمَّى واقعًا (قُلْتَ كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ وَكَبَبْتُهُ أَنَا) يريد أن أكبَّ لازم وكبَّ
ج 7 ص 252
متعدٍّ، وهذا من النَّوادر حيث كان ثلاثيُّه متعديًا والمزيدُ فيه لازمًا.
وفي الحديث الشَّفاعة للرَّجل من غير أن يسألها ثلاثًا، وفيه النَّهي عن القطع لأحدٍ من النَّاس بحقيقة الإيمان، وأنَّ الحرص على هداية غير المهتدي آكد من الإحسان إلى المهتدي، وفيه الأمر بالتَّعفف والاستغناء وترك السُّؤال.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري هكذا وقع عند أبي ذَرٍّ تقديم قوله قال أبو عبد الله ... إلى آخره على قوله حدَّثنا إسماعيل (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ) سنًّا (مِنَ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ) أي صالح (قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما يعني أدرك السَّماع منه، وأمَّا الزُّهري فاختلف في لقيه له، والصَّحيح أنَّه لم يلقه، وإنَّما يروى عن ابنه سالم عنه.
والحديثان اللَّذان وقع في رواية معمر عنه أنَّه سمعهما من ابن عمر فقد ثبت ذكر سالم بينهما في رواية غيره، ومثل هذا جاء عن أحمد وابن معين.
وقال عليُّ بن المديني كان أسنَّ من الزُّهري فإنَّ مولد الزُّهري سنة خمسين، وقيل بعدها، ومات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل سنة أربع.
وأمّا صالح بن كيسان فمات سنة أربعين ومائة، وقيل قبلها، وذكر الحاكم في مقدار عمره شيئًا تعقَّبوه عليه، وهو أنَّه كان عمره مائة وستين سنة.