1520 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) بن عبد الله العَيْشي، بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله بن عبد الرَّحمن الطَّحان، قال (أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين المهملة وسكون الميم وفتح الراء وآخره هاء، القصَّاب.
(عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) بن عبيد الله، التَّميمية القرشيِّة، وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزُّبير ألف ألف درهم، ماتت بعد نيف ومائة، وهي بنت أمِّ كلثوم بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، فتكون روايتها عن خالتها الصِّدِّيقة رضي الله عنهما.
(عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها (أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلاَ نُجَاهِدُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ) أي لا تجاهدون (لَكِنَّ) بكسر الكاف ومد اللام بلفظ الاستدراك.
وقوله (أَفْضَلَ الْجِهَادِ) بالنصب اسمها، وقوله (حَجٌّ مَبْرُورٌ) خبرها، والمستدرك منه يستفاد من السِّياق كأنَّه قيل ليس لَكُنَّ الجهاد، ولكن أفضل الجهاد في حقِّكنَّ حجٌّ مبرور، ويروى بقصر اللام وضم الكاف، فيكون خطابًا لهنَّ، فالمعنى لا؛ أي ليس الجهاد أفضل لَكُنَّ، بل لَكُن أفضلُ الجهاد حجٌّ مبرور.
وفي لفظ النَّسائي (( ألا نخرج فنجاهد معك، فإنِّي لا أرى عملًا في القرآن العظيم أفضل من الجهاد فقال لكنَّ أفضل الجهاد وأجمله حجُّ البيت
ج 7 ص 385
حجٌّ مبرور )) ، وفي رواية ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها (( قلت يا رسول الله هل على النِّساء جهاد؟ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهنَّ جهاد لا قتال فيه الحجُّ والعمرة ) )، وعنده أيضًا عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( الحجُّ جهاد كل ضعيف ) ).
وفي رواية النَّسائي، بسندٍ لا بأس به، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( جهاد الكبير والصَّغير والضَّعيف والمرأة الحج والعمرة ) )، وإنَّما قيل للحجِّ جهاد؛ لأنَّه يجاهد نفسه بالكفِّ عن شهواتها ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كلِّ ناحية وفجٍّ عميق.
والحديث أخرجه المؤلِّف في الجهاد أيضًا [خ¦2784] ، وأخرجه النَّسائي وابن ماجه كما عرفت.
قال المهلَّب في هذا وفي إذن عمر رضي الله عنه لهنَّ بالحجِّ إبطال إفك الشِّيعة وكذب الرافضه فيما اختلقوه من الكذب من أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأزواجه «هذه، ثمَّ ظُهور الحُصُر» وهذا ظاهر الاختلاق؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضَّهن على الحجِّ وبشَّرهن أنَّه أفضل جهادهن، وإذْنُ عمر لهنَّ، وسَيْرُ عثمان معهنَّ، حجةٌ قاطعة على ما كُذِبَ به على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمر أمِّ المؤمنين، وكذا قولهم إنَّه قال لها (( تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة ) )، فإنَّه لا يصح. انتهى.
فقوله وأذن عمر لهنَّ وسير عثمان معهنَّ. أراد به الحديث الذي رواه البخاري في باب حجِّ النِّساء في أواخر كتاب الحجِّ [خ¦1860] قال قال لي أحمد بن محمَّد حدَّثنا إبراهيم، عن أبيه، عن جدِّه «أَذن عمر رضي الله عنه لأزواج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر حجَّة حجَّها فبعث معهنَّ عثمان بن عفان وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهم» .
هذا، وقال العيني إنكار المهلَّب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( هذه ثمَّ ظهور الحُصْر ) )لا وجه له، فإنَّ أبا داود رواه في «سننه» ، وقال حدَّثنا عبد الله بن محمَّد قال حدَّثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن أبي واقد اللَّيثي، عن أبيه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لأزواجه في حجَّة الوداع (( هذه ثمَّ ظهور الحُصْر ) ).
قال ابن الأثير وفي الحديث أفضل الجهاد وأجمله حجٌّ مبرور، ثمَّ لزوم الحصر، وفي رواية أنَّه قال لأزواجه (( هذه ثمَّ لزوم الحُصُر ) )؛ أي أنكنَّ لا تعدنَ تخرجنَ من بيوتكنَّ وتلزمنَ الحصرَ هي جمع الحَصِير الذي يُبْسط في البيت، وتضم الصاد وتسكن تخفيفًا.
وأمَّا حديث (( تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة ) )فليس بمعروف، والمعروف أنَّ هذا قاله للزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه
ج 7 ص 386
والله أعلم.
وقال المهلَّب أيضًا قوله (( لَكُنَّ أفضل الجهاد حجٌّ مبرور ) )تفسير قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ} الآية [الأحزاب 33] بأنَّ هذا الأمر ليس للوجوب كما زعم من أراد تنقيص أمِّ المؤمنين رضي الله عنها في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأوَّلوها؛ لأنَّه قال (( لكُنَّ أفضل الجهاد حجٌّ مبرور ) )، فدلَّ أنَّ لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، وقد قالت حفصة رضي الله عنها قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ستَّ غزوات وقالت «كنَّا نداوي الكَلْمَى ونقومُ على المرضى» وهو في الصَّحيح. وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه فأيَّتهن خرج سهمها غزا بها.
وقال ابن بطَّال وإنَّما جعل الجهاد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أفضل من الحجِّ؛ لأنَّ ذلك كان في أوَّل الإسلام، ثمَّ فشا الإسلام وصار الجهاد من فروض الكفاية، فالحجُّ حينئذٍ أفضل، فإنْ حَلَّ العدو ببلدة، واحتيج إلى دفعه، وكان له ظهور وقوَّة وخيف منه، فُرِضَ الجهاد على الأعيان، وكان أفضل من الحجِّ.