فهرس الكتاب
1647 - (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فَرْقد البلخي، أبو السَّكن، ولفظ المكِّي اسمُه على صورة النِّسبة وليس بمنسوبٍ إلى مكَّة (عنِ ابنِ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بنُ دِينارٍ، قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (قَالَ قَدِمَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ تَلاَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما.
( {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الآية [الأحزاب 21] ) وهذه الأحاديث الثَّلاثة عن ابن عمر رضي الله عنهما دلَّت على أنَّ العمرة عبارةٌ عن الطَّواف بالبيت سبعًا، والصَّلاة بركعتين خلف المقام، والسَّعي
ج 8 ص 107
بين الصَّفا والمروة فيصعد الصَّفا حتَّى يرى البيت، ويستقبله ويمكث فيه قدر ما يقرأ سورة من المفصل، وإن لم يمكث يجزئه، وكبَّر وهلَّل وسبَّح وصلَّى عليه صلى الله عليه وسلم ورفع يديه، ودعا ما شاء، ولَبَّى، ثمَّ نزل من الصَّفا فصعد المروة، وفعل عليها ما فعل على الصَّفا، يفعل هكذا سبع مرَّات.
وفي «التَّوضيح» واجبات السَّعي عندنا أربعة
الأوَّل قطع جميع المسافة بين الصَّفا والمروة، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصحَّ سعيه، ولو كان راكبًا اشترط أن يسيِّر دابته حتَّى تضع حافرها على الجبل، وإن صعد على الصَّفا والمروة فهو أكمل، وكذا فعله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والصَّحابة رضي الله عنهم بعده، وليس هذا الصُّعود فرضًا ولا واجبًا، بل هو سنَّة متأكِّدة، وبعضُ الدَّرج مستحدثٌ، فالحذر من أن يُخَلِّفَها وراءَه؛ فلا يصحُّ سعيُه حينئذٍ.
وينبغي أن يصعد على الدرج حتَّى يستيقن، ولنا وجهٌ شاذٌّ أنَّه يجب الصُّعود على الصَّفا والمروة قدرًا يسيرًا، ولا يصحُّ سعيه إلَّا بذلك ليستيقن قطع جميع المسافة كما يلزمه غسل جزءٍ من الرَّأس في غسلُ الوجه ليستيقن استيعاب الوجه بالغسل.
ثانيها التَّرتيب فلو بدأ بالمروة لم يجزه؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به ) ).
وقال صاحب «التَّوضيح» قال في «المحيط» من كتب الحنفية لو بدأ بالمروة وختم بالصَّفا أعاد شوطًا ولا يجزئه ذلك، والبداءة بالصَّفا شرط، ولا أصلَ لما ذَكَرَه الكِرماني من أنَّ التَّرتيب في السَّعي ليس بشرط، حتَّى لو بدأ بالمروة وأتى الصَّفا جاز، وهو مكروهٌ لترك السنَّة، فيستحبُّ إعادة ذلك الشَّوط.
هذا، واعلمْ أنَّ الكرماني له كتاب في (المناسك) ذَكَرَ هذا فيه، وكيف يقول صاحب «التَّوضيح» ، ولا أصلَ لما ذكره الكِرماني بل له أصل، وهو أنَّه يحتجُّ بقوله صلى الله عليه وسلم (( ابدءوا بما بدأ الله به ) )وكيف يُستدلُّ بخبر الواحد على إثبات الفرضيَّة، والحديث إنَّما يدلُّ على أنَّه سنَّة.
وقد عَمِلَ الكِرماني به حيث قال ولو بدأ بالمروة يكون مكروهًا لتركه السنَّة حتَّى يستحبُّ إعادته، وهذا هو الأصل في الاستدلال بخبر الواحد، وكذا الجواب عمَّا قيل.
وحُكِيَ عن أبي حنيفة أنَّه لا يجب التَّرتيب، ويجوز البداءة بالمروة والحديث حجَّة عليه، وأراد بالحديث قوله صلى الله عليه وسلم (( ابدؤا بما بدأَ الله به ) )رواه جابر، وأخرجه النَّسائي.
الثَّالث أنَّه يحسب من الصَّفا إلى المروة مرَّة، ومن المروة إلى الصَّفا مرَّة حتَّى يتمَّ سبعًا هذا هو الصَّحيح، وفي رواية الطَّحاوي السَّعي من الصَّفا إلى المروة ثمَّ منها إلى الصَّفا شوطٌ واحد.
الرَّابع أنَّه يشترط
ج 8 ص 108
أن يكون السَّعي بعد طواف قدوم أو إفاضة، ولا يتصوَّر وقوعه بعد طواف الوداع فلو سعى وطاف أعاده، وعند غيرنا أعاده إن كان بمكَّة، وإن رجع إلى أهله بعث بدم. وشذَّ إمام الحرمين فقال قال بعض أئمَّتنا لو قدم السَّعي على الطَّواف اعتدَّ بالسَّعي، وهذا غَلَط.
ونقل الماوردي وغيره الإجماع في اشتراط ذلك، وقال عطاء يجوز السَّعي من غير تقدُّم طوافٍ، وهو غريبٌ.
وفي «التَّوضيح» أيضًا الموالاة بين مرات السَّعي سنَّة، فلو تخلَّل شيء يسير أو طويل بينهنَّ لم يضرَّ، وكذا بيْنَه وبين الطَّواف. ويستحبُّ السَّعي على طهارة من الحَدَث والنَّجس ساترًا عورته، والمرأة تمشي ولا تسعى لأنَّه أستر لها.
وقيل إن سعت في الخلوة باللَّيل سعت كالرَّجل، وموضع المشي والعدو معروف فالعدو بين العمودين المعروفين الأخضرين، هكذا اشتهر لكنَّه تغليب فإنَّ أحدهما أحمر أو أصفر على ما قيل، وما عدا ذلك فهو محلُّ المشي، فلو هرول في الكلِّ لا شيء عليه، وكذا لو مشى على هيئته.
وعن سعيد بن جبير قال (( رأيتُ ابن عمر رضي الله عنهما يمشي بين الصَّفا والمروة، ثمَّ قال إن مشيتَ فقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وإن سعيتَ فقد رأيته يَسعى، وأنا شيخٌ كبير ) ). أخرجه أبو داود.
وفي رواية (( كان يقول لأصحابه ارملوا فلو استطعتُ الرَّمل لرملت ) )، وعنه قال (( رأيتُ عمر رضي الله عنه يمشي ) ). أخرجه سعيد بن منصور، وقال ابن التِّين يكره للرَّجل أن يقعدَ على الصَّفا إلا لعذر. وضعَّف ابن القاسم في روايته عن مالك رفع يديه على الصَّفا والمروة.
وقال ابنُ حبيب يَرْفَع، وإذا قلنا يَرْفَع؛ قال ابنُ حبيب يرفعهما حذو منكبيه وبطونهما إلى الأرض، ثمَّ يكبِّر ويُهلِّل ويدعو ويطلب ما شاء من الحوائج الدِّينية والدُّنيوية بشرطه ويلبِّي.
وقال غيره من المتأخِّرين الدُّعاء والتضرُّع إنَّما يكون وبطونهما إلى السَّماء، ولو ترك السَّعي ببطن المسيل ففي وجوب الدَّم قولان عن مالك.