فهرس الكتاب

الصفحة 2706 من 11127

1723 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمن العنزي البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) أي سأله رجل فحُذِفَ السَّائلُ وأقيم المفعول مقامه (فَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ) أي بعد ما دخلت في المساء، وقد يطلق المساء على ما بعد الزَّوال أيضًا.

وقال القسطلاني والمساء من بعد الزَّوال إلى الغروب. انتهى.

وسيأتي الكلام فيه في باب إذا رمى بعدما أمسى إن شاء الله تعالى [خ¦1735] .

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم

ج 8 ص 268

(لاَ حَرَجَ) عليك، قال القسطلاني وخرج بذلك ما بعد الغروب فلا يكفي الرَّمي بعده لعدم وروده، كذا صرَّح به في «الرَّوضة» ، واعترض عليه بأنَّهم قالوا إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده من أيَّام الرمي يقع أداء، وقضيته أن وقته لا يخرج بالغروب.

وأجيب بحمل ما هنا على وقت الاختيار، وهناك على وقت الجواز، وقد صرَّح الرَّافعي بأن وقت الفضيلة لرمي يوم النَّحر ينتهي بالزَّوال، فيكون لرميه ثلاثة أوقات وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز.

وسيأتي التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى في باب إذا رمى بعد ما أمسى [خ¦1735] ، ويبقى وقت الذَّبح للهدي إلى عصر آخر أيَّام التَّشريق كالأضحية، وأما الحلق أو التَّقصير والطواف فلا يوقَّتان؛ لأنَّ الأصل عدم التَّأقيت. نعم يكره تأخيرهما عن يوم النَّحر، وتأخيرهما عن أيَّام التَّشريق أشد كراهة، وخروجه من مكَّة قبل فعلهما أشد.

(قَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ قَالَ لاَ حَرَجَ) ولعلَّ البخاري استظهر بهذه الرِّواية لما وقع في طريق عطاء من الاختلاف كما سبق، فأراد أن يبيِّن أنَّ لحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أصلًا آخر، وفي طريق عكرمة هذه زيادة حكم الرَّمي بعد المساء، فإنَّ فيه إشعارًا بأنَّ الأصل في الرَّمي أن يكون نهارًا.

ثمَّ هذا الحديث أخرجه البخاري من أربعة طرق، ومن ستَّة أوجه كما ترى. وأخرجه النَّسائي في الحج ولفظه (( سئل عمَّن حَلَق قبل أن يذبح، أو ذَبَحَ قبل أن يرمي ) ). وأخرجه أحمد بن حنبل نحو النَّسائي.

وعند مسلم عن طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذَّبح والحلق والرَّمي والتَّقديم والتَّأخير فقال (( لا حرج ) ).

وعند الإسماعيلي سئل عمَّن ذبح قبل أن يحلق، وعمَّن حلق قبل أن يذبح، وحلق قبل أن يرمي أشياء ذكرها قال (( لا حرج ) ).

وعند أبي داود كان يُسْأَل يوم منى فيقول (( لا حرج ) )فسأله رجل فقال إنِّي حَلَقْتُ قبل أن أذبح قال (( اذبح ولا حرج ) )، وقال إنِّي أمسيت ولم أرم قال (( ارم ولا حرج ) ).

وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع منى للنَّاس يسألونه، فجاء رجل فقال يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أنحر فقال (( اذبح ولا حرج ) )، ثمَّ جاءه رجل آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال (( ارم ولا حرج ) )، قال فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قال (( افعل ولا حرج ) ). وأخرجه مسلم من طرق كثيرة.

واعلم أنَّ للعلماء في هذا الباب أقوالًا

فذهب عطاء وطاوس ومجاهد إلى أنَّه إن قدَّم نسكًا على نسك لا حرج عليه، وبه قال الشَّافعي وأحمد وإسحاق. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما من قدَّم من حجِّه شيئًا أو أخَّره فعليه دم، وهو قول النَّخعي والحسن وقتادة. واختلفوا إذا حلق قبل أن يذبح، فقال مالك والثَّوري والأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق

ج 8 ص 269

وأبو ثور وداود وابن جرير لا شيء عليه، وهو نصُّ الحديث.

ونقله ابن عبد البر عن الجمهور منهم عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة قالوا إنَّ أعمال يوم النَّحر في الحج أربعة رمي جمرة العقبة، والذَّبح، والحلق أو التَّقصير، والطَّواف، وترتيبها على ما ذكر سنَّة، فلو حلق أو قصَّر قبل الثَّلاثة الأخر فلا فدية عليه.

وقال المالكيَّة يجب الدَّم إذا قدَّم الحلق على الرَّمي؛ لأنَّه وقع قبل حصول شيء من التحلل. وروى ابن القاسم عن مالك أنَّ في تقديم الإفاضة على الرَّمي الدَّمَ، وحَجُّه مُجْزِئ. وعن مالك لا يجزئه وهو كمن لم يفض.

وقال أصبغ أحب إليَّ أن يعيد، وذلك في يوم النَّحر آكد، ولو حلق قبل النَّحر أو نحر قبل الرَّمي فلا شيء عليه على الأصح، وقال عبد الملك إن حلق قبل النَّحر أهدى. قال الطَّبري والعجب ممَّن يحمل قوله (ولا حرج) على نفي الإثم فقط، ثمَّ يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض مع تعميم الشَّارع الجميع بنفي الحرج. انتهى.

وقال النَّخعي وأبو حنيفة وابن الماجشون عليه دم. وقال أبو حنيفة فإن كان قارنًا فدمان. وقال زفر إن كان قارنًا فعليه ثلاثة دماء دم للقران، ودمان لتقديم الحلق. وقال أبو يوسف ومحمَّد لا شيء عليه، واحتجا بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا حرج ) ).

وفي «التَّوضيح» لابن الملقِّن وقول أبي حنيفة وزفر مخالف للحديث فلا وجه له.

وتعقَّبه العيني ما خالف إلَّا من جازف، فأبو حنيفة رحمه الله احتجَّ بما رواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» حدَّثنا سلام بن المطيع أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( من قدَّم شيئًا من حجه أو أخَّر فليهرق لذلك دمًا ) ).

وأخرجه أيضًا عن سعيد بن جبير وإبراهيم النَّخعي وجابر بن زيد أبي الشَّعثاء نحو ذلك. وأخرج الطَّحاوي عن إبراهيم بن مهاجر نحوه، وأخرجه أيضًا عن ابن مرزوق، عن الخصيب، عن وُهَيبٍ، عن أيُّوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مثله.

وأجاب أبو حنيفة رحمه الله عن حديث الباب ونحوه بأنَّ المراد بالحرج المنفي هو الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية.

وقال الطَّحاوي وهذا ابن عبَّاس رضي الله عنهما أحد من روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه ما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم أو أُخِّر من أمر الحجِّ إلا قال (( لا حرج ) )، فلم يكن معنى ذلك عنده على الإباحة في تقديم ما قدموا، ولا تأخير ما أخروا ممَّا ذكرنا أن فيه الدَّم، ولكن معنى

ج 8 ص 270

ذلك عنده على أن الذي فعلوه في حجَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم كان على الجهل بالحكم فيه كيف هو، فعذرهم لجهلهم وأمرهم في المستأنف أن يتعلَّموا مناسكهم، أو على النسيان لقوله في رواية ابن عمرو بن العاص (( لم أشعر ) )فتدبَّر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت