1737 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) المذكور سابقًا [خ¦1736] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) وفي رواية أبي ذرٍّ .
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) أي حضره حال كونه (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنى على راحلته (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه (فَقَالَ) يا رسول الله (كُنْتُ أَحْسِبُ) بكسر السين أو فتحها؛ أي أظن (أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) الكاف للتشبيه وذا للإشارة، والمعنى كنت أظنُّ مثلًا أنَّ الحلق قبل النَّحر (ثُمَّ قَامَ) إليه رجل (آخَرُ) كذلك.
(فَقَالَ كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) أي أنَّ الرَّمي قبل النَّحر مثلًا فقال الأوَّل (حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ) وقال الثَّاني (نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ) من الأشياء التي كان يحسبها على خلاف الأصل، ووقع ذلك بعبارات مختلفة.
ففي رواية يونس عند مسلم (( لم أشعر أنَّ الرَّمي قبل الحلق فنحرت قبل أن أرمي ) ). وقال آخر (( لم أشعر أن النَّحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر ) ). وفي رواية ابن جريج (( كنت أحسب أنَّ كذا قبل كذا ) ). ووقع في رواية محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهري عند مسلم (( حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر أفضت إلى البيت قبل أن أرمي ) ).
وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرَّمي أيضًا. فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما السُّؤال عن أربعة أشياء الحلق قبل الذَّبح، والذَّبح قبل الرَّمي، والحلق قبل الرَّمي، والإفاضة قبل الرَّمي، والأوَّليان في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا كما مضى.
وعند الدَّارقطني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا السُّؤال عن الحلق قبل الرَّمي، وكذا في حديث جابر رضي الله عنه. وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند الطَّحاوي.
ج 8 ص 302
وفي حديث علي رضي الله عنه عند أحمد السُّؤال عن الإفاضة قبل الحلق. وفي حديثه عند الطَّحاوي السُّؤال عن الرَّمي والإفاضة معًا قبل الحلق.
وفي حديث جابر رضي الله عنه الذي علَّقه البخاري فيما مضى، ووصله ابن حبَّان وغيره السُّؤال عن الإفاضة قبل الذَّبح. وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود الطَّيالسي السُّؤال عن السَّعي قبل الطَّواف، وهو محمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثمَّ طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنَّه سعى قبل الطواف؛ أي طواف الرُّكن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة أحد إلا عطاء فقال لو لم يطف للقدوم ولا لغيره، وقدَّم السَّعي على طواف الإفاضة أجزأه، أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج عنه.
قال الحافظ العسقلاني وقد تقرَّر من مجموع الأحاديث عدَّة صور، وبقيت عدَّة صور لم يذكرها الرُّواة إما اختصارًا وإما لكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة منها صورة، الترتيب المتفق عليها.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم افْعَلْ) ما ذكر من التقديم والتأخير (وَلاَ حَرَجَ لَهُنَّ) متعلق بقال؛ أي قال لأجل هذه الأفعال (كُلِّهِنَّ) افعل ولا حرج أو متعلق بمحذوف؛ أي قال يوم النَّحر لهن أو متعلَّق بقوله (( لا حرج ) )أي لا حرج لأجلهن عليك، قاله الكِرماني.
وقال الحافظ العسقلاني ويحتمل أن تكون اللام بمعنى عن؛ أي قال عنهن كلِّهن. اهـ. فليتأمَّل.
(فَمَا سُئِلَ) النَّبي صلى الله عليه وسلم (يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) ممَّا قُدِّمَ أو أُخِّرَ من الأمور التي هي وظائف يوم النَّحر (إِلاَّ قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ) وفي رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد فما سمعته سئل يومئذ عن أمر ممَّا ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض وأشباهه إلَّا قال (( افعلوا ذلك ولا حرج ) )، واحْتُجَّ به وبقوله في رواية مالك (( لم أشعر ) )بأنَّ الرُّخصة تختص بمن نسي أو جهل لا من تَعَمَّد.
قال صاحب «المغني» قال الأثرم عن أحمد إن كان جاهلًا أو ناسيًا فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا فلا لقوله في الحديث (( لم أشعر ) ).
وأجاب بعض الشَّافعية بأنَّ التَّرتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسَّهو كالترتيب بين السَّعي والطواف، فإنَّه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السَّعي. وأمَّا ما وقع في حديث أسامة بن شريك فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم ثمَّ طاف طواف الإفاضة.
وقال ابن دقيق العيد ما قاله أحمد قويٌّ من جهة أن الدَّليل دلَّ على وجوب اتباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم في الحجِّ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( خذوا عنِّي مناسككم ) ).
ج 8 ص 303
وهذه الأحاديث المرخِّصة في تقديم ما وَقَعَ عنه تأخيره قَدْ قُرِنَت بقول السَّائل (( لم أشعر ) )، فيختص الحكم بهذه الحالة وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحجِّ. وأيضًا فالحكم إذا رُتِّبَ على وَصْفٍ يمكن أن يكون معتبرًا لم يَجُز اطِّراحُه، ولا شكَّ أنَّ عدم الشُّعور وَصْفٌ مناسبٌ لعدم المؤاخذة، وقد عُلِّقَ به الحكمُ فلا يمكن اطِّراحه بإلحاق العَمْد به؛ إذ لا يُساويه.
وأمَّا التمسك بقول الرَّاوي فما سئل عن شيء. .. إلى آخره بناء على أنَّه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى، فجوابه أنَّ هذا الإخبار من الرَّاوي يتعلَّق بما وقع السُّؤال عنه وهو مطلق بالنِّسبة إلى حال السَّائل، والمطلق لا يدلُّ على أنَّ أحد الخاصَّين سُنَّه، فلا يبقى حجَّة في حال العمد، والله أعلم، وبقيَّة الكلام في هذا الحديث قد تقدَّمت فيما سبق.