1777 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، الضَّحاك بن مخلد، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام (قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أي عن قول ابن عمر
ج 8 ص 388
رضي الله عنهما (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمراتٍ إحداهنَّ في رجب ) ) (قَالَتْ مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجَبٍ) وزادت في الأولى (( قطُّ ) ).
قال الإسماعيليُّ هذا الحديث لا يدخل في باب كم اعتمرَ، وإنَّما يدخل في باب متى اعتمر صلى الله عليه وسلم.
والجواب عنه أنَّه من تعلَّق الحديث السَّابق، وداخل في عداده لإنكار عائشة رضي الله عنها على ابن عمر رضي الله عنهما في كون عمرته في رجب.
وأجاب الحافظ العسقلانيُّ بأنَّ مقصود البخاري بذكر هذا الحديث التَّنبيه على الخلاف في السِّياق. هذا، وقد أورده مختصرًا، وأخرجه مسلم مطولًا فقال حدَّثنا هارون بن عبد الله قال أخبرنا محمد بن بكر البُرْسَاني قال أخبرنا ابن جريج قال سمعتُ عطاء يخبر قال أخبرني عروة بن الزُّبير قال (( كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة رضي الله عنها وأنا أسمع ضربها بالسِّواك تستنُّ قال فقلتُ يا أبا عبد الرَّحمن، اعتمر النَّبي صلى الله عليه وسلم في رجب؟ قال نعم فقلت لعائشة أي أمَّاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرَّحمن؟ قالت وما يقول؟ قلت يقول اعتمرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم في رجبٍ فقالت يغفرُ الله لأبي عبد الرَّحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمرَ من عمرةٍ إلَّا وإنَّه لمعه قال وابن عمر رضي الله عنهما يسمع فما قال لا، ولا نعم ) ).
فإن قيل نفتْ عائشة رضي الله عنها وأثبت ابن عمر رضي الله عنهما، والقاعدة تقديم الإثبات على النَّفي، فهلَّا حكم لابن عمر على عائشة رضي الله عنهم؟
فالجواب أنَّ إثبات ابن عمر رضي الله عنهما كونها في رجب يُعارضه إثبات آخر وهو كونها في ذي القعدة فكلاهما نافٍ لوقت ومثبتٍ لوقت آخر، فعائشة رضي الله عنها وإن نفتْ كونها في رجب فقد أثبتت كونها في ذي القعدة.
وقد اتَّفقت عائشة وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم على نفي الزِّيارة في عدد عمره صلى الله عليه وسلم على أربع، وأثبتت عائشة رضي الله عنها كون الثَّلاثة في ذي القعدة خلا التي في حجَّته فترجَّح إثبات عائشة رضي الله عنها لذلك.
وإثبات ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا كذلك، وانفراد ابنُ عمر رضي الله عنهما بإثبات رجب فكان إثبات عائشة رضي الله عنها مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما أقوى من إثبات ابنِ عمر رضي الله عنهما وحده، وانضمَّ لذلك كون عائشة رضي الله عنها أنكرتْ عليه ما أثبته من الاعتمار في رجب، وسكتَ هو فوجب المصيرُ إلى قول عائشة رضي الله عنها.
وفي الحديث أنَّ الصَّحابي الجليل المكثر، الشَّديد الملازمة للنَّبي صلى الله عليه وسلم قد يخفى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنِّسيان لكونه غير معصومٍ.
وفيه ردُّ بعض العلماء على بعض، وحسن الأدب في الرَّد، وحسن التَّلطف في استكشاف الصَّواب إذا ظنَّ السَّامعُ خطأ المحدِّث.
ج 8 ص 389