فهرس الكتاب

الصفحة 2785 من 11127

1778 - (حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ) غير مصروف أو مصروف، أبو عليٍّ البصري نزيل مكَّة، سكن بها، وهو من أفراد البخاريِّ، ومات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، قال البخاريُّ كان المقرئ يثني عليه.

وقال أبو حاتم منكر الحديث، لكن روى عنه البخاريُّ حديثين فقط أحدهما هذا، وأخرجه أيضًا عن هُدبة وأبي الوليد الطَّيالسي بمتابعته عن همَّام، والآخر في المغازي عن محمد بن طلحة، عن حميد، وله طرقٌ أُخرى عن حميدٍ.

قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بتشديد الميم بعد فتح الهاء، ابن يحيى بن دينار العَوْذيُّ الشَّيباني البصريُّ، مات سنة ثلاث وستين ومائة (عَنْ قَتَادَةَ) هو ابن دعامة (قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا) هو ابن مالك (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَرْبَعٌ) بالرفع؛ أي الذي اعتمره أربع عمر (عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ) بدل من أربع، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنصب فيهما، والحُدَيْبِيَة، بضم الحاء المهملة وفتح الدال وسكون المثناة التحتية وكسر الموحدة وتخفيف المثناة التحتية المفتوحة بعد الباء الموحدة، على الفصيح، وكثيرٌ من المحدِّثين يشدِّدونها.

قال ابن الأثير هي قريةٌ قريبةٌ من مكَّة سمِّيت ببئر هُناك، وقال الصَّغاني الحديبية، بتخفيف الياء، مثال دويهية، بئرٌ على مرحلةٍ من مكَّة ممَّا يلي المدينة.

وقال الخطَّابي سمِّيت الحديبية بشجرة حدباء هناك.

(فِي ذِي الْقَعْدَةِ) سنة ست، نصَّ على ذلك الزُّهري ونافع وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم (حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ) أي منعه المشركون من دخول مكَّة بالحديبية فنحر الهدي بها وحلق هو وأصحابه ورجع إلى المدينة (وَعُمْرَةٌ) بالرفع عطفًا على المرفوع، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنصب عطفًا على المنصوب (مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ) أي قريشًا، وسمِّيت عمرة القضاء والقضيَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قاضى أهل مكَّة عام الحديبية على أن يعتمرَ العام المقبل، لا أنَّها وقعت قضاء عن عمرة الحديبية، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدةً.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما لم تكن هذه العمرة قضاءً ولكن شرطوا على المسلمين أن يعتمروا القابل في الشَّهر الذي صدَّهم المشركون فيه، وهذا مذهب الشَّافعية والمالكيَّة فإنَّهم قالوا لا يجب القضاء على من صُدَّ عن البيت.

وقالت الحنفيَّة هي قضاء عنها، قال الكمال ابن الهمام في «فتح القدير» وتسمية الصَّحابة وجميع السَّلف إيَّاها بعمرة القضاء ظاهر في خلافهُ وتسمية

ج 8 ص 390

بعضهم إيَّاها عمرة القضيَّة لا تنفيه، فإنَّه اتَّفق في الأولى مقاضاة النَّبي صلى الله عليه وسلم أهل مكَّة على أن يأتي من العام المقبل فيدخل مكَّة بعمرة ويقيم ثلاثًا، وهذا الأمر قضية يصحُّ إضافة هذه العمرة إليها، فإنَّها عمرة كانت عن تلك القضيَّة، فهي قضاء عن تلك القضيَّة فيصحُّ إضافتها إلى كلٍّ منهما، فلا تُسْتَلْزِمُ الإضافة إلى القضيَّة نفيَ القضاء، والإضافة إلى القضاء تُفيد ثبوتَه فيَثْبتُ مفيد ثبوته بلا معارضٍ. انتهى.

ثمَّ إنَّ هذه العمرة كانت أيضًا في ذي القعدة سنة سبع وهو متَّفق عليه، قاله نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وسليمان التَّيمي وعروة بن الزُّبير وموسى بن عقبة وابن شهابٍ الزُّهري ومحمَّد بن إسحاق وغيرهم، لكن ذكر ابن حبَّان في «صحيحه» أنَّها كانت في رمضان.

وقال المحبُّ الطَّبري ولم يَنْقُلْ ذلك أحدٌ غيره، والمشهور أنَّها في ذي القعدة، وعند الدَّارقطني خرج معْتَمِرًا في رمضان.

وقال المحبُّ فلعلَّها التي فعلها في شوال وكان ابتداؤها في رمضان، وروى أبو بكر بن أبي داود في «فوائده» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل حجَّته عمرتين أو ثلاثًا إحدى عُمره في رمضان ) ).

ولعلَّه أراد ابتداء إحرامه بها، والصَّحيح المشهور أنَّها كانت في ذي القعدة كما أنَّ الصَّحيح المشهور في عمرة الحديبية التي هي العمرة الأولى أنَّها كانت في ذي القعدة، وإن روى البيهقيُّ من رواية عبد العزيز حدَّثنا محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمرٍ عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة؛ تعني قبل حجَّته ) ).

والحديث عند أبي داود من رواية داود بن عبد الرَّحمن، عن هشام إلَّا أنه قال اعتمر عمرةً في ذي القعدة وعمرةً في شوال.

وروى البيهقيُّ أيضًا من رواية عمر بن ذرٍّ، عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( اعتمر النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عمرٍ كلَّها في ذي القعدة ) ).

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي كأنَّ عائشة رضي الله عنها تريد، والله أعلم بعمرة شوال، عمرة الحديبية، والصَّحيح أنَّها كانت في ذي القعدة كما في حديث أنسٍ رضي الله عنه في الصَّحيح.

وقد اختلف فيه على عروة بن الزُّبير فروى عنه

ج 8 ص 391

ابنه هشام أنَّها كانت في شوَّال، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عنه أنَّها كانت في ذي القعدة. قال البيهقيُّ وهو الصَّحيح، وقد عدَّ النَّاس هذه في عمره صلى الله عليه وسلم وإن كان صُدَّ عن البيت فَنَحَر الهديَ وحَلَق، والله أعلم.

ثمَّ العمرة الثَّانية تسمَّى عمرة القصاص أيضًا؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل في تلك العمرة {الشَّهْرُ الحَرَامُ بالشَّهْرِ الحَرَامِ والحُرُمَات قِصَاصٌ} ، فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشَّهر الحرام الذي صُدَّ فيه.

وقيل يحتمل أن يكون من القصاص الذي هو أخذ الحق فكأنَّهم اقتصُّوا؛ أي أخذوا في السَّنة الثَّانية ما منعهم المشركون من الحقِّ في إكمال عمرتهم.

(وَعُمْرَةُ) بالرفع والنصب، كما مرَّ مضاف إلى (الْجِعْرَانَةِ) فيه لغتان إحداها كسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء المخففة وبعد الألف نون، والثَّانية كسر العين وتشديد الراء، وإلى الأولى ذهب الأصمعيُّ وصوَّبه الخطَّابي، وقال في «تصحيف المحدِّثين» إنَّهم ثقَّلوه وهو مخفَّف.

وحكى القاضي عياض عن ابن المدينيِّ قال أهل المدينة يثقِّلونه، وأهل العراق يخفِّفونه، وهي ما بين الطَّائف ومكَّة، وهي إلى مكَّة أقرب.

(إِذْ) أي حين (قَسَمَ غَنِيمَةَ) منصوب بلا تنوين بلفظ (قسم) ؛ لأنَّه مضاف في نفس الأمر إلى حنين وقوله (أُرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي أظنُّه معترض بين المضاف والمضاف إليه الذي هو قوله (حُنَيْنٍ) وكان الرَّاوي طرأ عليه شكٌّ فأدخل لفظ (أراه) بين المضاف والمضاف إليه.

وقد رواه مسلمٌ عن هُدْبة، عن همَّام بغير شكٍّ فقال (( حيث قَسَمَ غنائمَ حُنين ) )ويوم حنين كانت غزوة هوازن، وحنين وادٍ بينه وبين مكَّة ثلاثة أميال، وكانت في سنة ثمانٍ وهي سنة غزوة الفتح، وكانت غزوة هوازن بعد الفتح في خامس شوَّال، ودخل صلى الله عليه وسلم بهذه العمرة إلى مكَّة ليلًا، وخرج منها ليلًا إلى الجعرانة فبات بها فلمَّا أصبح وزالت الشَّمس خرج في بطن سَرِفَ حتَّى جَامَعَ الطَّريقَ، ومِنْ ثَمَّةَ خَفِيَتْ هذه العمرة على كثيرٍ من النَّاس، قاله القسطلانيُّ.

وقال العينيُّ وكانت هذه العمرة أيضًا في ذي القعدة، قال ذلك عروة بن الزُّبير وموسى بن عقبة وغيرهما، وفي «الصحيح» من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّها كانت في ذي القعدة.

وقال ابن حبَّان

ج 8 ص 392

في «صحيحه» إنَّ عمرة الجِعرانة كانت في شوال، قال المحبُّ الطَّبري ولم يَنْقُل ذلك أحدٌ غيره فيما علمت، والمشهور أنَّها في ذي القعدة قال إنَّ الثَّلاث كلَّها كانت في ذي القعدة.

قال قتادة (قُلْتُ) لأنسٍ رضي الله عنه (كَمْ حَجَّ؟) صلى الله عليه وسلم (قَالَ) حجَّ (وَاحِدَةً) فإن قيل سأل قتادة أنسًا رضي الله عنه كم اعتمر النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب بقوله أربع، وليس في حديثه من رواية حسَّان هذه إلَّا ذكر ثلاث.

فالجواب أنَّه سقط من هذه الرِّواية ذكر العمرة الرَّابعة، ولهذا روى البخاريُّ بعدها رواية أبي الوليد، وفيها ذكر الرَّابعة وهو قوله (( وعُمْرةً مع حَجَّته ) )، على ما سيأتي عن قريبٍ إن شاء الله تعالى [خ¦1779] ، وكذا أخرجه مسلم من طريق عبد الصَّمد، عن هشام، فظهر بهذا أنَّ التَّقصير فيه من حسان شيخ البخاريِّ.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت أين الرَّابعة؟ قلت هي داخلةٌ في الحجِّ؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إمَّا متمتِّع أو قارنٌ أو مُفْرِدٌ، وأفضل الأنواع الإفراد، ولا بدَّ فيه من العمرة في تلك السَّنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك الأفضل. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس ما ادَّعى أنَّه الأفضل مُتَّفَقًَا عليه بين العلماء، فكيف ينسب فعل ذلك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم؟

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ما ادَّعى الكِرمانيُّ الأفضليَّة عند الجميع، وإنَّما مراده أنَّ الإفراد أفضل مطلقًا بناءً على زعمه أو معتقد إمامه فلا يتوجَّه عليه الإنكار، ولكن تَرْديد الكرمانيُّ بقوله إمَّا متمتِّع أو قارن أو مفرد، غيرُ مُوَجَّه، وإن كانوا اختلفوا فيه ولكن أكثرهم على أفضليَّة القِران، وكيف لا، وقد تظاهرت الرِّوايات وتكاثرت عن قومٍ خصوصًا عن أنسٍ رضي الله عنه، بأنَّه صلى الله عليه وسلم دخل في العمرة والحجِّ جميعًا وهو عين القِران، فكان أفضلَ الأنواع القِرانُ.

وقد قال ابنُ حزم ستَّة عشر من الثِّقات اتَّفقوا على أنسٍ رضي الله عنه أنَّ لفظ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إهلالًا بحَجَّة وعُمْرة معًا، وصرَّحوا عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه سمع ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وهم بكر بن عبد الله المزنيُّ، وأبو قلابة، وحُميد الطَّويل وأبو قُزْعَة، وثابت البُناني، وحميد بن هلال، ويحيى بن أبي إسحاق،

ج 8 ص 393

وقتادة، وأبو أسماء، والحسن البصري، ومصعب بن سليم، ومصعب بن عبد الله بن الزَّبرقان، وسالم بن أبي الجَعْد، وأبو قدامة، وزيد بن أسلم، وعليُّ بن زيدٍ.

وقد أخرج الطَّحاوي عن تسعةٍ منهم، ومن جملة من أخرج عنهم الطَّحاوي رواية أبي أسماء، عن أنس رضي الله عنه قال حدَّثنا أبو أميَّة قال حدَّثنا الحسن بن موسى وابن نُفَيْل قالا خرجنا نصرخ بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرةً وقال (( لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ لجعلتها عمرةً ولكنِّي سقت الهديَ وقرنت الحجَّ والعمرة ) )، وأخرجه النَّسائي وأحمد أيضًا نحو رواية الطَّحاوي فهذا يُصَرِّح بأنَّه صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ بلفظه أنَّه كان قارنًا ووافق قولُه فِعْلَه، فدلَّ قطعًا على أنَّ القِران أفضلُ فكيف يدَّعي الكِرمانيُّ وغيرُه ممَّن نحا نحوَه بأنَّ أفضلَ الأنواع الإفرادُ، وليس وراء عبَّادان قرية والوقوف على حظِّ النَّفس مكابرةٌ.

ثمَّ إنَّ هذه العمرة كانت أفعالها في ذي الحجَّة بلا خلاف؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قدم مكَّة في الرَّابع من ذي الحجَّة، وأمَّا إحرامها فالصَّحيح أنَّه كان في ذي القعدة؛ لأنَّهم خرجوا لخمسٍ بقين من ذي القعدة كما في «الصحيح» ، وكان إحرامه فيها من وادي العقيق، كما في «الصحيح» وذاك قبل أن يدخل ذو الحجَّة.

وقيل كان إحرامه لها في ذي الحجة؛ لأنَّ في بعض طرق الحديث خرجنا موافين هلال ذي الحجَّة والصَّحيح الأول، وأسقط بعضهم عمرته هذه فجعلها ثلاث عمرٍ، وهو الذي صحَّحه القاضي عياض، ولا شكَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر عام حجَّة الوداع عمرةً مفردةً لا قَبْلَ الحجَّ ولا بعده، أمَّا قبله فلأنَّه لم يحلَّ حتَّى فرغ من الحجِّ، وأمَّا بعده فلم ينقل أنَّه اعتمر، فلم يبق إلَّا أنَّه قرن الحجَّ بعمرةٍ، وهذا هو الصَّواب؛ جمعًا بين الأحاديث، إلَّا أنَّه أحرم أولًا بالحجِّ، ثمَّ أدخل عليه العمرة بالعقيق لما جاءه جبريل عليه السَّلام وقال صلِّ في هذا الوادي المبارك وقُلْ عمرة في حجَّة، ولهذا اختلفت الصَّحابة في عَدَدِ عُمَره صلى الله عليه وسلم فمن قال (أربعًا) فهذا وجهه.

ويمكن أن يقال أنَّه اعتمر ثلاثًا ومن قال أربعًا تجوَّز بنسبتها إليه في حجَّة الوداع فإنَّه أمر النَّاس بها وعُمِلَتْ بحضرته لا أنَّه صلى الله عليه وسلم اعتمرها بنفسه، كما قاله ابن بطَّال، ومن قال ثلاثًا، أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحجِّ.

ومن قال اعتمر عمرتين،

ج 8 ص 394

أسقط العُمْرَة الأولى، وهي عمرة الحديبية لكونهم صُدُّوا عنها، وأسقط الأخيرة لدخولها في أعمال الحجِّ، وأثبت عمرة القضيَّة وعمرة الجِعرانة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت