1807 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ) بن عبيد الضُّبَعي، بضم المعجمة وفتح الموحدة، البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) تصغير جارية، بن أسماء بن عبيد، وهو عمُّ عبد الله بن محمَّد الرَّاوي عنه، وهو من الألفاظ المشتركة بين الرِّجال والنِّساء (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما (أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطَّاب العَدَوي المدني، والاسم الأوَّل مصغَّر.
وقال الكِرماني وفي بعضها بدل عبيد الله، عبد الله، مُكَبَّرًا، وهو الموافق للرِّواية التي بعدها في باب النَّحر قبل الحلق، وهما أخوان، والمُصَغَّرُ أكبرُ من المُكَبَّر.
(وَ) شقيقه (سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر (أَخْبَرَاهُ) أي نافعًا (أَنَّهُمَا كَلَّمَا) أباهما (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ) هو جيش الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي، وكان نائب عبد الملك بن مروان، وكانوا قد قدموا من الشَّام إلى مكَّة.
(بابْنِ الزُّبَيْرِ) لمقاتلته وهو بها (فَقَالاَ) لأبيهما (لاَ يَضُرُّكَ أَنْ لاَ تَحُجَّ الْعَامَ إِنَّا) وفي رواية (نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَقَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من المدينة حتَّى بلغنا الحديبية (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ) فحلَّ من عمرته.
(وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ) أي ألزمتُ على نفسي (الْعُمْرَةَ) وفي رواية بالتَّنكير، وكأنَّه أراد تعليم من يريد الاقتداء به، وإلا فليس التلفُّظ بشرط (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) هذا للتبرُّك وليس بتعليق؛
ج 8 ص 464
لأنَّه كان جازمًا بالإحرام بقرينة أشهدكم. ويحتمل أن يكون منقطعًا عمَّا قبله، ويكون ابتداء شرط والجزاء قوله
(أَنْطَلِقُ) إلى مكَّة (فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْبَيْتِ) بضم الخاء المعجمة وتشديد اللام المكسورة (طُفْتُ) به، وأتممت النُّسك (وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) بكسر الحاء المهملة على وزن قيل؛ أي مُنِعْتُ من الوصول إليه لأطوف به (فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ) من التَحَلُّلِ من العمرة بالنَّحْر والحَلْق (فَأَهَلَّ) أي ابنُ عمر رضي الله عنهما. (بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) ميقات أهل المدينة (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا شَأْنُهُمَا) أي شأن الحجِّ والعمرة (وَاحِدٌ) في جواز التَّحلل منهما بالإحصار؛ أي في إمكان الإحصار عن كلٍّ منهما، ويؤيِّد الثَّاني قوله في رواية يحيى القطَّان عند مسلم بعد قوله (ما أمرهما إلَّا واحد) (( إن حِيْلَ بيني وبين العُمْرة حيل بيني وبين الحج ) )، فكأنَّه رأى أولًا أنَّ الإحصار عن الحجِّ أشدُّ من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحجِّ وكثرة أعماله، فاختار الإهلال بالعمرة، ثمَّ رأى أنَّ الإحصار بالحجِّ يفيد التَّحلل عنه بِعَمَلِ العُمْرة فقال (( ما أمرهما إلَّا واحد ) ).
(أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ) على نفسي (حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي، فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ) بنصب يوم على الظرفيَّة. وفي رواية أبي ذرٍّ من الدُّخول بالرفع على الفاعلية.
(وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ) قال الكرمانيُّ أي لا يحتاج القارن إلى طوافين، بل يحلُّ بطوافٍ واحد، وهذا هو مذهب الشَّافعية.
وقالت الحنفيَّة إنَّ القارن يحتاج إلى طوافين وسعيين لما قامت دلائل أخرى على ذلك. وقد تقدَّم الكلام فيه في باب (( طواف القارن ) ) [خ¦1638] . وزاد في رواية اللَّيث في أبواب الحجِّ [خ¦164] (( فنَحَرَ وحَلَقَ، ورأى أنْ قدْ قضى طواف الحجِّ والعمرة بطوافه الأوَّل ) ).
قال الحافظ العسقلاني وظاهره أنَّه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة وهو مُشْكِلٌ. ووقع في رواية إسماعيل (( ثمَّ طاف لهما طوافًا واحدًا ورأى أنَّ ذلك مجزئٌ عنه ) )، وقد تقدَّم الكلام فيه أيضًا في ذلك الباب.
وفي الحديث أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس ويحتجُّون به. وفيه أيضًا أنَّ المُحْصَرَ بالعدوِّ بِأَنْ مَنَعَه عن المضيِّ في نُسُكِهِ حجًا كان أو عمرة جاز له التَّحلل بأن ينوي ذلك وينحر هديه، ويحلق رأسَه أو يقصر منه.
وفيه أيضًا جواز إدخال الحجِّ على العمرة، لكن شرطه عند الجمهور أن يكون قبل الشُّروع في طواف العمرة. وعند الحنفيَّة إن كان قبل أربعة أشواط صحَّ. وعند المالكيَّة بعد تمام الطَّواف.
ونقل ابن عبد البر أنَّ أبا ثور شذَّ فَمَنَعَ إِدخالَ الحَجِّ على العمرة قياسًا على منع إدخال العمرة على الحج.
ج 8 ص 465
وفيه أيضًا أنَّ القارن يهدي، وشذَّ ابن حزم فقال لا هدي على القارن. وفيه أيضًا جواز الخروج إلى النُّسك في الطَّريق المظنون خوفه إذا رَجَى السَّلامة، قاله أبو عمر بن عبد البر.
1808 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ المِنْقَريُّ، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء، المذكور في السَّند السَّابق (عَنْ نَافِعٍ أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر رضي الله عنهما، وهو إمَّا سالمٌ أو عبد الله أو عبيد الله.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يظهر لي مَن الذي تولَّى مخاطبته منهم.
(قَالَ لَهُ) أي لأبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لمَّا أراد أن يعتمر عام نزول الحجَّاج بابن الزُّبير (لَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا) المكان أو في هذا العام خوفًا أن يحال بينه وبين البيت بسبب الفتنة، وجواب لو محذوف؛ أي لكان خيرًا أو نحوه. ويجوز أن يكون للتمنِّي فلا يحتاج إلى جواب.
وإنَّما اقتصر المؤلِّف في رواية موسى هذه على الإسناد لنكتة وهي ما ذكره الحافظ العسقلاني من أنَّ قوله في الحديث الأوَّل عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين خرج إلى مكَّة معتمرًا في الفتنة يُشْعِرُ بأنَّه عن نافع عن ابن عمر من غير وساطة.
لكن رواية جويرية التي بعده تقتضي أنَّ نافعًا حمل ذلك عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هكذا. قال البخاري عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء. ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كلاهما، عن عبد الله، أخرجه الإسماعيلي عنهما. وتابعهم معاذ بن المثنَّى، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء. أخرجه البيهقيُّ.
فعقَّبَ المؤلِّفُ روايةَ عبد الله بروايةِ موسى ليُنَبِّه على الاختلاف في ذلك.
قال الحافظ العسقلانيُّ والذي يترجَّح عندي أنَّ ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلَّما به أباهما، وأشارا عليه بالتَّأخير في ذلك العام.
وأمَّا بقيَّة القصَّة فشاهَدَهَا نافعٌ وسَمِعَها من ابن عمر رضي الله عنهما لملازمته إيَّاه، فالمقصود من الحديث موصول. وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر رضي الله عنهما، فقد عُرِفَتْ الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله رضي الله عنه سالم وأخوه عبيد الله، وهما ثقتان لا يُطْعَنُ فيهما.
قال الحافظ ولم أر من نبَّه على ذلك من شرَّاح البخاري. هذا، ووقع في رواية جويرية المذكورة عُبَيدُ الله بن عبد الله
ج 8 ص 466
بالتَّصغير. وفي رواية يحيى بن سعيد القطَّان عند مسلم عبد الله بالتَّكبير. وكذا في رواية عمر بن محمَّد، عن نافع. قال البيهقي عبد الله؛ يعني مكبَّرًا أصحُّ.
قال الحافظ العسقلاني وليس بمستبعد أن يكون كلٌّ منهما كلَّم أباه في ذلك، ولعلِّ نافعًا حَضَرَ كلام عبد الله المُكَبَّر مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبد الله المصغَّر مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبراه بذلك فقصَّ عن كلٍّ ما انتهى إليه علمُه، والله أعلم.