فهرس الكتاب

الصفحة 2957 من 11127

1889 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضم العين، واسمه في الأصل عبد الله القرشي الكوفيُّ، يكنى أبا محمد الهباري، قال البخاري مات في شهر ربيع الأول يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين.

قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) بضم الهمزة، حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 9 ص 143

الْمَدِينَةَ)يوم الإثنين قريبًا من وقت الزَّوال.

قال الواقديُّ لليلتين خلتا من شهر ربيعٍ الأول. وقال ابن إسحاق لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول.

وقد جزمَ به النوويُّ في كتاب «السير من الروضة» وهو المشهور الَّذي عليه الجمهور من السَّنة الأولى من التَّاريخ الإسلامي.

(وُعِكَ) على صيغة البناء للمفعول جواب لما؛ أي حمَّ من الوعك، وهو الحمَّى، والموعوك المحموم.

وقال ابن سِيْدَه الوعك ألمٌ يجدُه الإنسان من شدَّة التَّعب.

وفي «الجامع» وَعَك إذا أخذَتْه الحمَّى، والواعك الشَّديد من الحمَّى، وقد وعكتْه الحمَّى تعكه، إذا دكته.

وفي «المجمل» الوعك الحمَّى، وقيل هو مغث الحمى.

(أَبُو بَكْرٍ) الصديق (وَبِلاَلٌ) رضي الله عنهما (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ) شعر (كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ) بلفظ المفعول؛ أي يقال له صبحك الله بالخير، أو أنعم الله صباحك، أو انعم صباحًا، أو المعنى يسقى صبوحه، وهو شرب الغداة.

(فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى) أي أقرب إليه (مِنْ شِرَاكِ) بكسر الشين، أحد سيور النعل الَّذي يكون على وجهها (نَعْلِهِ) أي والموت قد يفجؤه فلا يمسي حيًا، والبيت من الرَّجز المسدَّس.

(وَكَانَ بِلاَلٌ) رضي الله عنه (إِذَا أُقْلِعَ) على البناء للفاعل، من الإقلاع من الأمر، وهو الكفُّ عنه؛ أي كف (عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ) بفتح العين المهملة وكسر القاف، بمعنى الصَّوت إذا تمنَّى أو بكى.

ويقال أصله أنَّ رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها وصرخَ، فقيل لكلِّ رافع صوته قد رفع عقيرته.

وعن أبي زيد يقال رفع عقيرته إذا قرأَ، أو غنى، ولا يقال في غير ذلك.

وفي «التهذيب» للأزهريِّ أصله أنَّ رجلًا أصيب عضوٌ من أعضائه وله إبلٌ اعتادت حداءه فانتشرتْ عليه إبله، فرفعَ صوته بالأنين لما أصابه من العقرِ في يدهِ، فسمعت له إبله، فحسبته يحدو بها فاجتمعتْ إليه، فقيل لكلِّ من رفع صوته رفعَ عقيرته.

وفي «المحكم» عقيرةُ الرَّجل صوته إذا غنى، أو قرأ، أو بكى، والمعنى هنا رفع صوته باكيًا حال كونه.

(يَقُولُ) شعر (أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي) كلمة (( ألا ) )استفتاحيَّة، ومعنى ليت شعري؛ أي ليتني أشعر (هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً، بِوَادٍ)

ج 9 ص 144

ويروى (وَحَوْلِي إِذْخِرٌ) بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال معجمة ساكنة وآخره راء، الحشيش المعروف، وقد مرَّ تفسيره في باب لا ينفر صيد الحرم [خ¦1833] .

(وَجَلِيلُ) بفتح الجيم وكسر اللام الأولى، نبتٌ ضعيفٌ يُحشى به خِصَاص البيت، ويقال له الثمام أيضًا، والجملة حالية (وَهَلْ أَرِدَنْ) بالنون الخفيفة (يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ) بفتح الميم، وروى ابن قَرْقول كسرها؛ وبفتح الجيم وتشديد النون، اسم موضعٍ عند عكاظ على أميالٍ يسيرة من مكة بناحية مرِّ الظهران.

وقال الأزرقيُّ هي على بريدٍ من مكة، وهي سوق هجر. وقيل كانت سوقًا في الجاهلية.

وقال أبو الفتح يحتمل أن تسمَّى مجنَّة بساتين تتصل بها، وهي الجنان.

ويحتمل أن يكون وزنها فعلة، من مَجَن يَمْجُن سمِّيت بذلك؛ لأنَّ ضربًا من المجون كان بها.

(وَهَلْ يَبْدُوَنْ) بالنون الخفيفة أيضًا؛ أي يظهرن (لِي شَامَةٌ) بالشين المعجمة والميم (وَطَفِيلُ) بفتح المهملة وكسر الفاء، جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مكة.

وقيل طفيل جبلٌ من حدود هَرْشى مشرف هو وشامة على مجنَّة.

وقال الخطابيُّ كنت أحسب أنَّهما جبلان حتَّى أُنبِئْت أنَّهما عينان. وذكر ابن الأثير والصاغانيُّ أنَّ شابة بالباء الموحدة بعد الألف.

قيل إنَّ هذين البيتين اللَّذين أنشدهما بلال رضي الله عنه ليسا لبلال، بل هما لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي، أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة، شرفنا الله تعالى برؤيتها، وقيل لغيره.

وتأمَّل كيف تعزى أبو بكر رضي الله عنه عند أخذ الحمى بما ينزل به من الموت الشَّامل للأهيل والغريب، وبلال رضي الله عنه تمنى الرُّجوع إلى وطنه على عادةِ الغُرباء يظهر لك فضل أبي بكر رضي الله عنه على غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم.

(قَالَ) أي بلال رضي الله عنه، وفي نسخة بواو العطف، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكرَ واقتصرا على قوله (اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) أي أبعدهم من رحمتك (كَمَا أَخْرَجُونَا) أي أبعدونا (مِنْ أَرْضِنَا) مكة (إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ) هو مقصورٌ يُهمز ولا يُهمز، وهو المرض العام كذا قيل.

وقال الجوهريُّ الوباء يمدُّ ويقصر، ويقال الوبا الموت الذَّريع. وقال الأطباء هو عفونةُ الهواء.

(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 9 ص 145

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا) أمر من التَّحبيب، وقوله (الْمَدِينَةَ) مفعوله (كَحُبِّنَا مَكَّةَ، أَوْ) حبًا (أَشَدَّ) من حبنا لمكة (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا) أي في صاع المدينة، وهو كيلٌ يسع أربعة أمداد.

والمدُّ رطل وثلث رطل عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، والأول قول الشافعيِّ، والثاني قول أبي حنيفة.

وقيل إنَّ أصل المدِّ مقدار أن يمدَّ الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا.

وفي رواية ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها (( اللَّهم إنَّ إبراهيم عبدك وخليلك دَعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك به إبراهيمُ لأهل مكة، اللَّهم بارك لنا في مدينتنا ) )الحديثَ.

والمراد أن صاعًا واحدًا في المدينة يكفي من لا يكفيه في غيرها، وقيل يحتمل أن ترجعَ البركة إلى التَّصرُّف بها في التِّجارة وأرباحها، أو المراد البركة في المكيل؛ لاتساع عيشهم عند الفتوح حيث كثر الحمل إلى المدينة، وزاد مدُّهم وصار هاشميًا مثل مدِّ الرسول مرَّتين أو مرة ونصفًا.

وقيل يحتمل أن ترجعَ البركة إلى كثرة ما يُكال بها من غلاتها وثمارها.

(وَصَحِّحْهَا) أي صحَّح المدينة من الأمراض (لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا) أي حمى المدينة، وكانت وبيئة، وخص بهذا في الدُّعاء؛ لأنَّ أصحابه رضي الله عنهم حين قدموا المدينة وعكوا (إِلَى الْجُحْفَةِ) بضم الجيم وسكون المهملة وبالفاء، ميقات أهل مصر.

وذكر ابنُ الكلبي أنَّ العماليق أخرجوا بني عبيد، وهم إخوة عاد من يثرب، فنزلوا الجُحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيلٌ فاجتحفهم فسمِّيت الجُحفة، ومعنى اجتحفَهم سلبَ أموالهم وأخربَ أبنيتهم ولم يبق شيئًا، وإنَّما خصَّ الجُحفة؛ لأنَّها كانت يومئذٍ دار شرك.

وقال الخطابيُّ كان أهلُ الجُحفة إذ ذاك يهودًا، وكان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو على من لم يجبه إلى الإسلام إذا خافَ منه معونة أهل الكفرِ، فسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه.

وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئسَ منهم فقال (( اللَّهمَّ أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسف عليه السلام ) ). ودعا على أهل الجُحفة بالحمَّى؛ ليشغلهم بها، فلم تزل الجحفة من يومئذٍ أكثر بلاد الله حمَّىً، وإنَّه ليتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها عين حم، فقلَّ من شرب منه إلا حمَّ. ولما دعا صلى الله عليه وسلم بذلك الدُّعاء لم يبق أحدٌ من أهل الجُحفة إلا أخذته الحمى.

قال الأصمعيُّ لم يولد أحدٌ بعد ذلك وهو قريبٌ من الجحفة فعاش إلى أن يحتلمَ إلَّا أن يتحوَّل عنها.

ويحتمل أن يكون هذا هو السرُّ في أن الطَّاعون لا يدخل المدينة؛ لأنَّ الطاعون وباء، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد.

فإن قيل نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم على الطَّاعون، فكيف قدموا المدينة

ج 9 ص 146

وهي وبيئة؟.

فالجواب أنَّه كان ذلك قبل النَّهي، أو أنَّ النهي يختصُّ بالطَّاعون ونحوه في الموت الذريع لا المرض وإن عمَّ.

(قَالَتْ) وهو متَّصل بما قبله في رواية عروة؛ أي قال عروة قالت عائشة رضي الله عنها (وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ) و (( أوبأ ) )بالهمز في آخره على وزن (( أفعل ) )التَّفضيل من الوباء؛ أي أكثر وباء، أو أشد من غيرها.

(قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَكَانَ بُطْحَانُ) بضم الموحدة وسكون المهملة وبالحاء المهملة آخره نون، وادٍ في صحراء المدينة (يَجْرِي نَجْلًا) بفتح النون وسكون الجيم، ماءٌ يجري على وجه الأرض. وحكى ابن التين فيه نجَلا، بفتح الجيم أيضًا. قال ابن فارس النَّجَل _ بفتحتين _ سعة العين.

وقال ابنُ السِّكيت النَّجل النَّز حِينَ يظهر وينبع عين الماء. وقال الحربيُّ نجلًا أي واسعًا، ومنه عين نجلاء أي واسعة. وقيل هو الغديرُ الذي لا يزال فيه الماء.

وغرض عائشة رضي الله عنها بذلك بيان السَّبب في كثرة الوباء بالمدينة بأنَّ الماء الَّذي هذه صفته يحدث عنده المرض.

(تَعْنِي) قال الرَّاوي تعني عائشة رضي الله عنها بقولها يجري نجلًا (مَاءً آجِنًا) وهو بالمدِّ بمعنى المتغير الطَّعم واللَّون.

قال القاضي عياض هذا تفسيرٌ خطأ ممَّن فسَّره، فليس المراد هنا الماء المتغير، ورد عليه بأنَّه ليس كما قال، فإنَّ عائشة رضي الله عنها قالت ذلك في مقام التَّعليل؛ لكون المدينة كانت وبيئة، ولا شكَّ أنَّ النَّجْل إذا فسِّر بكونه الماء الحاصل من النَّز فهو بصدد أن يتغير، وإذا تغيَّر كان استعماله ممَّا يحدث الوباء في العادة.

والحديث أخرجهُ مسلمٌ في الحج أيضًا.

وفي الحديث أنَّ الله تعالى هو المالك للنُّفوس يحبِّب إليها ما شاء، ويبغِّض، فأجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فأحبوا المدينة حبًّا دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه.

وفيه ردٌّ على الصُّوفية إذ قالوا إنَّ الوليَّ لا تتم له الولاية إلَّا إذا تمَّ له الرضا بجميع ما نزل به، ولا يدعوا الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملًا.

وفيه حجَّة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدُّعاء مع سابق القدر، والمذهب أنَّ الدُّعاء عبادةٌ مستقلَّة، ولا يُستجاب منه إلَّا ما سبق به التقدير.

وفيه جواز هذا النَّوع من الغناء، وفيه مذاهب فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة

ج 9 ص 147

والشَّعبي والنَّخعي وحماد والثوري وجماعة من أهل الكوفة إلى تحريم الغناء. وذهب آخرون إلى كراهته، نقل ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ونصَّ عليه الشافعي، وجماعةٌ من أصحابه. وحكي ذلك عن مالك وأحمد، وذهب آخرون إلى إباحته، لكن بغير هذه الهيئة التي تعمل الآن، فمن الصَّحابة عمر رضي الله عنه، ذكره أبو عمر في (( التمهيد ) )، وعثمان رضي الله عنه، ذكره الماورديُّ، وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، ذكره ابنُ أبي شيبة، وسعد بن أبي وقاص وابن عمر رضي الله عنهم، ذكرهما ابنُ قتيبة، وأبو مسعود البدريُّ وبلال وخوَّات بن جُبير، ذكرهم البيهقي. وعبد الله بن أرقم ذكره أبو عمر، وجعفر بن أبي طالب ذكره الشَّهرزوري في «عوارفه» .

والبراء بن عازب ذكرهُ أبو نُعيم، وابنُ الزبير ذكره صاحب «القوت» ، وابن جعفر ومعاوية وعمرو بن العاص والنُّعمان بن بشير، وحسان بن ثابت، وخارجة بن زيد وعبد الرَّحمن بن حسان رضي الله عنه، ذكرهم أبو الفرج في «تاريخه» ، وقطبة بن كعب، ذكره الهروي.

ومن التَّابعين جماعة ذكرهم ابنُ طاهر.

وذهبت طائفةٌ إلى التَّفرقة بين الغناء الكثير والقليل، ونُقل ذلك الشَّافعي. وطائفةٌ إلى التَّفرقة بين الرِّجال والنساء، فحرَّموه من النِّساء، وبعضهم حرَّموه من الأجانب دون غيرهم. وقال ابنُ حزم من نوى ترويح القلب؛ ليقوى على الطَّاعة فهو مطيعٌ، ومن نوى به التَّقوية على المعصية فهو عاصٍ، وإن لم ينو شيئًا فهو لغو معفو عنه.

وقال الأستاذ أبو منصور إذا سلم من تضييعِ فرض ولم يترك حفظَ حرمة المشايخ به فهو محمودٌ.

وفيه أنَّ الله تعالى أباحَ للمؤمن أن يسألَ ربَّه صحَّة جسمهِ، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به كسؤاله إيَّاه في الرِّزق، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه.

وفيه تمثل الصَّالحين والفضلاء بالشعر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت