171 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) البزار البغدادي المعروف بصاعقة، وقد مر في باب (( غسل الوجه باليدين من غَرْفة ) ) [خ¦140] (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضَّبِّيُّ البزاز، أبو عثمان سعدُويه الحافظ الواسطي، ساكن بغداد، كان ينزل بالكرخ نحو أصحاب القراطيس، وكان ثقة كثير الحديث، حجَّ ستين حجة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين عن مئة سنة، روى عنه البخاري وأبو داود.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ) بتشديد الموحدة، هو ابن العوَّام بتشديد الواو، أبو سهل الواسطي، ثقة صدوق، وعن أحمد أنه مضطرب الحديث، وقال محمد بن سعد كان يتشيع فأخذه هارون فحبسه زمانًا ثمَّ خلَّى عنه، وأقام ببغداد، مات سنة خمس وثمانين ومئة (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) بفتح المهملة، آخره نون، هو عبد الله بن عون، تابعي، سيد قُرَّاء زمانه، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «ربَّ مُبَلَّغ» [خ¦67] (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) وقد تكرَّر ذكرُه.
(عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك رضي الله عنه، كما في رواية الأَصيلي، ورجالُ هذا الإسناد ما بين بغدادي، وواسطي، وبصري، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، ومع ذلك إسنادهُ نازلٌ؛ لأن البخاري سمع من شيخ شيخه سعيد بن سليمان، بل سمع من أبي عاصم وغيره من أصحاب ابن عون فيقع بينه
ج 2 ص 137
وبين ابن عون واحد، وهنا بينه وبينه ثلاثة أنفس، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي حسن صحيح.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذر (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ) أي أمر الحلاق فحلقه، ففيه تجوُّزٌ، وذلك في حجة الوداع، واختُلِف في الذي حَلَق قيل هو خِراش بن أمية _ بكسر الخاء المعجمة آخره شين معجمة أيضًا _، وقيل مَعْمَر بن عبد الله، وهو الصحيح كما ذكره البخاري، وكان خراش هو الحالق بالحُدَيْبية.
(كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري النجَّاري بالجيم المشددة، زوج أم سُليم والدة أنس رضي الله عنهم، شَهِد العقبة وبدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو نقيب، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «صوت أبي طلحة في الجيش خَيْرٌ من فئة» ، رُوِيَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وتسعون حديثًا، للبخاري منها ثلاثة أحاديث، مات بالمدينة على الأصح سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه، وقيل مات في الشام، وقيل في البحر.
(أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي عوانة في (( صحيحه ) ) «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشِّق الأيمن، ثمَّ حلق الشق الآخر فأمره أن يَقْسِمَه بين الناس» ، ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين بلفظ لما رمى الجَمْرَة ونَحَرَ نُسُكَه ناول الحالِقَ شِقَّه الأيمن فحلقه، ثمَّ دعا أبا طلحة فأعطاه إياه، ثمَّ ناوله الشق الأيسر فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال «اقسمه بين الناس» .
وله من رواية حفص بن غياث، عن هشام «أنه قَسَم الأيمن فيمن يليه» ، وفي لفظ «فوزَّعه بين الناس الشعرة والشعرتين، وأعطى الأيسر أم سُليم» ، وفي لفظ «أبا طلحة» ، ولا تناقض في هذه الروايات أن يُجْمَع بينهما بأنه ناول أبا طلحة كلًا من الشِّقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة، بأمره، بين الناس، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته، بأمره عليه السلام أيضًا، زاد أحمد في رواية له «لتجعله في طِيبها» .
وفي الحديث استحباب البداءة بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وفيه المواساة بين
ج 2 ص 138
العطية والهبة، وفيه أن المواساة لا تستلزم المساواة، وفيه تَنْفِيلُ من يتولى التفرقة على غيره، وفيه أن حلق الرأس سنة أو مستحب اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الشَّعَر طاهرٌ وبه قال الجمهور كما مر تفصيله، وفيه التبرُّك بشعره صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز اقتناء الشعر، والله أعلم.