172 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وبالنون، عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، وتقدم هذا الإسناد بتمَامِه في باب الاستجمار وترًا [خ¦162] ، ورجاله ما بين تنيسي ومدني، وكلهم أئمة أجلاء، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه في الطهارة أيضًا، وأخرجه الترمذي فيه أيضًا وقال حديث حسن صحيح.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ) كذا هو في (( الموطأ ) )، والمشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه من رواية جمهور أصحابه عنه «إذا ولغ» وهو المعروف في اللغة، يقال ولَغ يلَغ بالفتح فيهما إذا شرب بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه وقد مر تفصيله.
وادعى ابن عبد البر أن لفظ شَرِبَ لَمْ يَرْوِه إلا مالك، وأن غيره رواه بلفظ (وَلَغَ) وليس كذلك، فقد رواه ابن خُزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ «إذا شرب» لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ «إذا ولغ» ، كذا أخرجه مسلم وغيره من طرق عنه، وقد رواه عن أبي الزناد شيخِ مالك بلفظ «إذا شرب» وَرْقاء بن عمر، أخرجه الجَوْزَقي، والمغيرة بن عبد الرحمن، أخرجه أبو يعلى.
ورُوِيَ أيضًا عن مالك بلفظ «إذا وَلَغ» ، أخرجه أبو عبيد في كتاب (( الطهور ) )له عن إسماعيل بن عمر، عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيلي، وكذا أخرجه الدارقطني في (( الموطآت ) )له من طريق أبي علي الحنفي عن مالك وهو في نسخة صحيحة من سنن ابن ماجه من رواية رَوْح بن عُبادة، عن مالك أيضًا، وكأنَّ أبا الزِّناد حدَّث به باللفظين؛ لتقاربهما في المعنى، ثمَّ المراد من الكلب أعم من أن يكون مأذونًا في اتخاذه ككلب الحراسة أو غير مأذون فيه.
(فِي) وفي رواية
ج 2 ص 139
(إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) وإضافة الإناء إلى أحدكم ملغي اعتبارها هنا؛ لأن الطهارة لا يتوقف على ملكه، وكذا قوله (فَلْيَغْسِلْهُ) لا يتوقف على أن يكون هو الغاسل، ثمَّ إنه يقتضي الفور، لكن حَمَله جمهور العلماء على الاستحباب إلا لمن أراد أن يستعمل ذلك الإناء فورًا (سَبْعًا) أي سبع مرات، والظاهر أنه لنجاسته المغلظة، ففي الحديث دلالة على نجاسة الكلب؛ لأن الطهارة لا تكون إلا عن حَدَث أو نَجَس؛ فالأول مُنْتَفٍ فتعيَّن الثاني.
قيل فإن قلت استدل البخاري رحمه الله في هذا الباب على طهارة سؤر الكلب بالأثر الذي رواه عن الزهري والثوري، ثمَّ استدل بهذا الحديث المرفوع عليها وهو يدل على خلافها.
فالجواب عن طرفه [1] أن الأمر بغسل الإناء سبعًا من ولوغه أمر تعبدي لا أنه لنجاسته، وأنت خبير بأن هذا الجواب بعيد جدًا؛ لأن ظاهر الحديث خلاف ذلك، ولئن سلَّمنا أنه يحتمل أن يكون الأمر بالغسل للتعبد، وأن يكون للنجاسة، لكن يُرجِّح الثاني ما رواه مسلم «طُهُورُ إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أُولاهن بالتراب» ، وروايته أيضًا «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُرِقه ثمَّ ليغسله سبع مرار» ، ولو كان سؤره طاهرًا لما أُمِرَ بإراقته على أن الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله بيان مذاهب الناس في سؤر الكلاب حيث اقتصر في الترجمة على قوله وسؤر الكلاب، ولم يقل وطهارة سؤر الكلاب فلا يرد السؤال ولا يحتاج إلى الجواب، قيل ويستفاد من الحديث أيضًا نجاسة الإناء أيُّ إناءٍ كان، صغيرًا أو كبيرًا، ومفهومه عدم تَنَجُّس الماء المُستَنقع إذا ولغ فيه الكلب ولو كان قليلًا، وبه قال الأوزاعي.
لكن إذا كان الغسل للتنجس فالظاهر أن عدم التنجس إنما هو إذا كان الماء المستنقع كثيرًا؛ بخلاف ما إذا كان قليلًا، وكذا إذا كان الإناء كبيرًا، بحيث يسع القلتين، فالظاهر أنه لا ينجس عند الشافعية، إلا أن يقال إنَّ الغالب
ج 2 ص 140
في أوانيهم أنها ما كانت تسع القلتين فبلفظ الإناء خرج عن هذا الحكم القلتان وما فوقه، فتأمل. ثمَّ إنه لا فرق في ذلك بين الكلب المأذون في اتخاذه وغيره، ولا بين الكلب البدوي والحضري لعموم اللفظ، وللمالكية فيه أربعة أقوال طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اقتنائه واتخاذه دون غيره، والفرق بين الحضري والبدوي.
وقال الرافعي في (( شرحه الكبير ) )وعند مالك لا يغسل من غير الولوغ؛ لأن الكلب طاهر عنده، والغسل من الولوغ تعبدي.
وقال الخطابي إذا ثبت أن لسانه الذي يتناول به الماء نجس عُلِم أن سائر أجزائه في النجاسة بمثابة لسانه فأي جزء من بدنه ماسَّه وجب تطهيره، وفي الحديث أيضًا أن الماء النجس يجب تطهير الإناء منه، وفيه أيضًا تحريم بيع الكلب إذا كان نَجِسَ الذات فصار كسائر النجاسات، كذا قال الخطابي.
وقال أصحابنا الحنفية يجوز بيعه لأنه مُنَتَفعٌ به حراسة واصطيادًا، قال الله تعالى {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة 4] ، فإن قلت نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغيِّ وحلوان الكاهن؟.
فالجواب أن هذا في زمنٍ كان النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بقتل الكلاب، وكان الانتفاع بها يومئذ مُحرَّمًا، ثمَّ بعد ذلك رَخَّص في الانتفاع بها، وروى الطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كلب ماشية بكبش» ، وعنه عن عطاء لا بأس بثمن الكلب، فهذا قول عطاء. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن ثمن الكلب من السُّحت» ، وعنه عن ابن شهاب أنه إذا قُتِل الكلب المُعلَّم فإنه تُقَوَّم قيمته فيَغْرَمه الذي قتله، فهذا الزهري يقول هذا، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ثمن الكلب من السُّحت، وعنه عن المغيرة عن إبراهيم قالا لا بأس بثمن كلب الصيد.
وروي عن مالك إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية، ولا خلاف عنه أن من قَتَل كلب صيد أو ماشية فإنه يجب عليه قيمتُه، وعن عثمان رضي الله عنه أنه أجاز الكلب الضَّاري في المَهْر،
ج 2 ص 141
وجعل على قاتله عشرين من الإبل، ذكره أبو عمر في (( التمهيد ) ).
وفيه أيضًا ما قاله الشافعية من وجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، وهذا إذا كان ما فيه مائعًا، وأما إذا كان جامدًا فالواجب حينئذ إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء إلا إذا أصابه فم الكلب مع الرطوبة، فيجب غسل ما أصابه فقط سبعًا، يدل على ذلك تعبير الشارع صلى الله عليه وسلم بالشرب وبالولوغ؛ فإنه إذا كان ما فيه جامدًا لا يسمى أخذ الكلب منه شربًا ولا ولوغًا كما لا يخفى، ولا فرق عندهم بين ولوغه وغيره وبين بوله وروثه ودمه وعَرَقِه ونحو ذلك، ولو ولغ كلاب أو كلب واحد مرات في إناء ففيه ثلاثة أوجه الصحيح يكفي للجميع سبع مرات.
والثاني أنه لكل واحد سبع.
والثالث أنه يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع، ولو وقعت نجاسة أخرى فيما ولغ فيه كلب كفى عن الجميع سبع، ولو كانت نجاسة الكلب دمه فلم تَزُل عينه إلا بست غسلات مثلًا فهل يُحْسَب ذلك ست غسلات أم غسلة واحدة أم لا يُحْسَب من السبع أصلًا، فيه أيضًا ثلاثة أوجه أصحها واحدة، وفيه أيضًا أنه ورد فيه سبعًا؛ أي سبع مرات، وفي رواية ، وفي رواية ، وفي رواية [2] ، وفي رواية .
وطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال إحداهن مُبهمة وأولاهن مُعيِّنة، و (أو) إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير، فمقتضى حمل المطلق على المقيَّد أن يحمل على إحداهن؛ لأن فيه زيادة على الرواية المعينة، وهو الذي نص عليه الشَّافعي في (( الأم ) )والبويطي، وصرح به المرعشي وغيره. وذكره ابن دقيق العيد والسبكي، وهو منصوص كما ذكرنا، وإن كانت شكًا من الراوي فرواية مَن عَيَّن ولم يشك أولى من رواية مَن أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية (أولاهن) ورواية (السابعة) ، ورواية (أولاهن) أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه، وقد نص الشَّافعي على أن الأولى أولى.
وقال النووي ورواية «وعفِّروه الثامنة بالتراب» محمولة على أن المراد اغسلوه سبعًا، واحدة منهن تراب مع الماء، فكان التراب قائمًا مقام غسله، فسُمِّيت ثامنة.
وخالف ظاهرَ الحديث المالكيةُ والحنفية، فأما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلًا مع إيجابهم السبع على المشهور عندهم؛ لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، وعنه رواية أن الأمرَ بالتسبيع للندب لكون الكلب طاهرًا، فإن عورض بالروايه التي رُوِيَتْ عنه أنه نجس، يجاب بأن قاعدته أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد، فإن عورض بما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه «طهور إناء أحدكم» يجاب بأن الطهارة تطلق على غير ذلك أيضًا كما في قوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة 103] ، والسواك مَطْهَرة للفم، فإن قيل إن اللفظ الشرعي إذا دار بين الحقيقة اللغوية والشرعية حُمِلت على الشرعية إلا إذا قام دليل. يجاب بأن ذلك عند عدم الدليل كما اعترف به ذلك القائل، وهنا دليل وهو قوله صلى الله عليه وسلم «التيمم طهور المسلم»
ج 2 ص 142
فإن التيمم لا يرفع الحَدَث، وقد قيل له طهور المسلم، فليكن ما رواه مسلم أيضًا كذلك، وفيه أن التيمم ناشئ عن حدث، فلما قام مقام ما يُطَهِّر الحدث سمي طهورًا، وأما من قال إنه يرفع الحدث فلا دلالة له عليه أصلًا، كذا قال العيني والحافظ العسقلاني، فتأمل.
ثمَّ إن بعض المالكية قالوا إنَّ المأمور بالغسل من ولوغه هو الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه، فإن قوبل قولهم ذلك بأنه يحتاج إلى قرينة، فإن الظاهر من الكلب المُعرَّف باللام هو جنس الكلب، فحمْلُه على العهد يحتاج إلى قرينة، فما القرينة هنا؟ يقال إنَّ الإذن في مواضع جواز الاتخاذ قرينة، فافهم، وبعضهم قالوا إنه مخصوص بالكلب البدوي دون الحَضَري وفيه ما فيه أيضًا، وبعضهم قالوا إن ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب [3] .
والحكمة في الأمر بغسله سبعًا من جهة الطب أن الشارع اعتبر السبع في مواضع منها قوله عليه السلام «صبُّوا عليَّ من سبع قِرَب» ، ومنها قوله عليه السلام «من تَصَبَّح بسبع تمرات» ، وتُعُقِّبَ ذلك بأن الكلب الكَلِب لا يَقْرَب الماء فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه؟.
وأجاب عنه حفيد ابن رشد بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَبِ منه، أما في ابتدائه فلا يمتنع، هذا، وقال الحافظ العسقلاني وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل، والتعليلُ وبالتنجيس أولى؛ لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه [4] رجس، رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه.
وفيه أنه يُحتمل أن يكون هذا الإطلاق مثل إطلاق الرجس على الميسر والأنصاب، وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب مستدلين بأن أبا هريرة الذي روى السبع روي عنه غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا فعلًا وقولًا مرفوعًا وموقوفًا من طريقين
الأول أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «إذا ولغ الكلب في الإناء فأَهْرِقه ثمَّ اغسله ثلاث مرات» ، قال الشيخ تقي الدين في (( الإلمام ) )هذا إسناد صحيح.
الطريق الثاني أخرجه ابن عَدِي في (( الكامل ) )عن الحسين بن علي الكَرَابيسي قال حدَّثنا إسحاق الأزرق حدَّثنا عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليُهرِقه وليغسله ثلاث مرات» ، ثمَّ أخرجه عن عمر
ج 2 ص 143
بن شيبة حدَّثنا إسحاق الأزرق به موقوفًا، ولم يرفعه غير الكرابيسي.
فإن قلت قال البيهقي تفرَّد به عبد الملك من أصحاب عطاء، ثمَّ أصحاب عطاء، ثمَّ أصحاب أبي هريرة، والحُفَّاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يَروونه سبع مرات، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يُقْبَل منه ما يخالف الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شُعْبة بن الحجاج، ولم يحتج به البخاري في (( صحيحه ) ).
فالجواب أن عبد الملك أخرج له مسلم في (( صحيحه ) )، وقال أحمد والثوري هو من الحفاظ، وعن الثوري هو ثقة فقيه متقن، وقال أحمد بن عبد الله ثقة ثبت في الحديث، ويقال كان الثوري يسمِّيه الميزان، وأما الكرابيسي فقد قال ابن عدي قال لنا أحمد بن الحسن [كان] [5] الكرابيسيُّ يُسأل عنه والكرابيسي له كتب مُصنَّفة، ذَكَر فيها اختلافَ الناس في المسائل، وذكر فيها أخبارًا كثيرة، وكان حافظًا لها، ولم أجد له حديثًا منكرًا، والذي قيل فيه فإنما هو من جهة القرآن، وأما في الحديث فلم أَرَ به بأسًا.
ثمَّ إن الطحاويَّ قال بعد أن روى الموقوف عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه فثَبَت بذلك نَسخُ السبع؛ لأن أبا هريرة هو راوي السبع، والراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها لا يبقى حجة؛ لأن الصحابي لا يحل له أن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ويفتي أو يعمل بخلافه؛ إذ تسقط به عدالته ولا تقبل روايته، والصحابة كلهم عدول ثقات لا يجوز إساءة الظن بهم فدل ذلك على نسخ ما رواه من السبع.
وأما ما قاله الحافظ العسقلاني من أنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده نَدْبِيَّة السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، فرده محمود العيني بأن هذا إساءة الظنِّ بأبي هريرة رضي الله عنه، وأن الاحتمال الناشئ من غير دليل لا يلتفت إليه، وادعاء الطحاوي النَّسخ مبرهن بما رواه بإسناده عن ابن سيرين أنه كان إذا حدَّث عن أبي هريرة فقيل له عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال كل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ج 2 ص 144
ثمَّ قال الطحاوي ولو وجب العمل برواية السبع ولم يُجعل منسوخًا لكان ما روي عن عبد الله بن مُغَفَّل الذي أخرجه مسلم ولفظه «فاغسلوه سبع مرات وعفِّروه الثامنة في التراب» وفي رواية أحمد «بالتراب» أولى مما رواه أبو هريرة رضي الله عنه؛ لأنه زاد عليه قوله «وعفِّروه الثامنة بالتراب» ، والزائد أولى من الناقص، وكان ينبغي لمن أوجب السبع أن يقول لا يطهر إلا بأن يغسل ثمان مرات، الثامنة بالتراب ليَأخُذَ بالحديثين جميعًا، فإن تَرَكَ حديث ابن مغفل فقد لزِمَه ما لَزِمَ خصمه في ترك السبع، ومع هذا لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح، لا يُقال إنَّ أبا هريرة أحفظُ من روى في دهره، فروايته أولى؛ لأنا نقول بل رواية ابن المغفل أولى؛ لأنه أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب يُفَقِّهون الناس وهو من أصحاب الشجرة، وهو أفقه من أبي هريرة، والأخذ بروايته أحوط.
وحديثه هذا أخرجه ابن مَنده من طريق شعبة، وقال إسناده مُجْمَعٌ على صحته، ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه أيضًا، وقد عرفت أنه أخرجه مسلم أيضًا، هذا وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه «إذا ولغ السِّنَّوْر في الإناء يغسل سبع مرات» ، ولم يعملوا به، فكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث.
فإن قيل من طرق الشافعية أنه ثبت أن أبا هريرة أفتى بالغسل سبعًا، ورواية مَنْ رَوَى عنه موافقةَ فتياه لروايته أرجحُ مِنْ رِواية من رَوَى عنه مخالفتها من حيث الإسنادُ ومن حيث النظر، أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير.
فالجواب أن إفتاء أبي هريرة بالغسل سبعًا ثبوته يحتاج إلى البيان، ولئن سلَّمنا ذلك فقد يحتمل أن تكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، فلما ظهر أفتى بالثلاث، وأما دعوى الرجحان فغير صحيحة لا من حيث النظر، ولا من حيث قوةُ الإسناد؛ لأن رجال كلٍّ منهما رجال الصحيح،
ج 2 ص 145
وأما من حيث النظر فإن العُذْرَة أشد في النجاسة من سؤر الكلب، ولم يُقيَّد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى، وقيل إنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون أشد منها في تغليظ الحكم، فإن تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما تعبدي وإما محمول على من غَلَب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وإمَّا أنهم نُهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغُلِّظ عليهم بذلك، وأيضًا إنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار.
وقال بعض أصحابنا الحنفية كان الأمر بالسبع عند الأمر بقتل الكلاب، فلما نُهي عن قتلها نُسخ الأمر بالغسل سبعًا، وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة، والأمر بالغسل متأخر جدًا؛ لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مُغَفَّل، وكان إسلامهما سنة سبع، بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب.
ودَفَعَه محمود العيني بأن كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى دليل، ومع الدليل ألا يمكن أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه قد سمع ذلك من صحابي يروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن قتل الكلاب نَسَخَ الأمرَ بالغسل سبعًا من غير تأخير، فرواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لاعتماده على صدق المروي عنه، فإن الصحابة كلهم عدول، وكذلك عبد الله بن المغفل، وفيه تأمل، فافهم.
وقال بعض أصحابنا الحنفية قد عَمِلت الشافعية بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وتركوا العمل بحديث ابن مغفل، وكان يلزمهم العمل بذلك بأن يوجبوا ثمان غسلات، وتعقَّبه أيضًا الحافظ العسقلاني بأنه لا يلزم من كون الشافعية لا يقولون بحديث ابن مغفل أن يتركوا العمل بالحديث أصلًا ورأسًا؛ لأن اعتذار الشافعية عن ذلك إن كان متجهًا فذاك، وإلا فكلٌّ من الفريقين مَلُومٌ في ترك العمل به؛ كما قاله ابن دقيق العيد.
وأجاب عنه محمود العيني
ج 2 ص 146
بأن زيادةَ الثقة مقبولةٌ، ولا سيما من صحابي فقيه وتركها لا وجه له، فالحديثان في نفس الأمر كالواحد والعمل ببعض الحديث وترك بعضه لا يجوز، واعتذارهم غير مُتَّجِه كذلك، ولا يُلام الحنفية في ذلك؛ لأنهم عملوا بالحديث الناسخ وتركوا العمل بالمنسوخ، وقد اعتذر بعض الحنفية عن العمل به بالإجماع على خلافه، ونظر فيه الحافظ العسقلاني بأنه ثبت القول بذلك عن الحسن البصري، وقال به أحمد بن حنبل في رواية حرب الكِرماني عنه.
وقال محمود العيني إن مخالفةَ الأقلِّ لا تمنعُ انعقاد الإجماع، وهو مذهب كثير من الأصوليين، وقد نُقِل عن الشافعي أنه قال حديث ابن المغفل لم أقف على صحته، ولكن هذا ليس بعذر، وقد وقفت جماعة كثيرون على صحته، ولا يلزم من عدم ثبوته عند الشافعي تركُ العمل به عند غيره، وبالجملة الكلام على هذا الحديث كثير منتشر جدًا بحيث يمكن أن يُفْرَد بالتصنيف، ولكن في هذا المقدار كفاية لمن له من الله عناية.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور بن بَهْرام الكَوْسَج، أبو يعقوب التَّمِيمي المَرْوَزيُّ الحافظ، نزيل نيسابور، قال مسلم ثقة مأمون أَحَدُ الأئمة، مات في جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين، روى عنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه على ما جَزَم به أبو نعيم في (( المستخرج ) )، وليس هو إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل أبو يعقوب المروزي، ولا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء أبو يعقوب الحمصي، ولا إسحاق بن إبراهيم البَغَوي لُؤلْؤ ابن عم أحمد بن مَنِيع، ولا إسحاق بن إبراهيم البغوي بن مَخْلَد بن إبراهيم الإمام أبو يعقوب الحَنْظَليُّ النيسابوري الدار المَرْوَزي الأصل المعروف بابن راهُويه.
(قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، وقد تقدَّم في باب من أعاد الحديث ثلاثًا [خ¦94] (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) المدني العَدَوي، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد تكلَّموا فيه، لكنه صدوق، وهو من أفراد البخاري عن مسلم، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي (قَالَ سَمِعْتُ أَبِي) عبد الله بن دينار التابعي، مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وليس في الكتب الستة سواه، نعم في (( سنن ابن ماجه ) )عبد الله بن دينار الحمصي، وليس بقوي. (( عَنْ أَبِي صَالِحٍ ) )ذَكوان الزيات، وقد تقدَّما في باب أمور
ج 2 ص 147
الإيمان [خ¦9] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وبصري ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد أخرج متنه المؤلِّف في عدة مواضع في الشرب [خ¦2363] ، والمظالم [خ¦2466] ، والأدب [خ¦6009] .
وأخرجه أيضًا من طريق ابن سيرين «بينما كلب يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كاد يقتله العطش إذ رأته بَغِيٌّ فنَزَعَت مُوقَهَا فسَقَتْه فغُفِر لها» ، أخرجه في ذكر بني إسرائيل [خ¦3467] ، وأخرجه مسلم في الحيوان، وأبو داود في الجهاد أيضًا.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا) من بني إسرائيل ولم يسمَّ هذا الرجل (رَأَى) أي أبصر (كَلْبًا يَأْكُلُ) صفة لقوله كلبًا وليس بحالٍ لنكَارَةِ قوله كلبًا، كذا قيل، فتأمل؛ أي يَلْعَقُ (الثَّرَى) بفتح الثاء المثلثة والراء مقصورًا، وهو التراب النَّدي، قاله الجوهري وصاحب (( الغَرِيبين ) ).
وفي (( المُحْكَم ) )الثرى التراب، وقيل التراب الذي إذا بُلَّ يصير طينًا [6] لازِبًا، والجمع أثْراءٌ، وفي (( مجمع الغرائب ) )أصل الثرى الندى، ولذلك قيل للعرق ثرى.
(مِنَ الْعَطَشِ) أي من أجله (فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ) أي فطَفِقَ (يَغْرِفُ) بكسر الراء (بِهِ) أي بخفِّه (لَهُ حَتَّى أَرْوَاهُ) أي جعله رَيانًا [7] ، وفي رواية .
(فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) أي فأثنى عليه أو قَبِلَ عَمَله وجَازَاه، والشكر هو الثناء على المُحْسِن بما أولاه من المعروف، يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح، لكن المراد هنا إما مجرد الثناء أو الجزاء (فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ) هو من باب عطف الخاص على العام، أو الفاء تفسيرية كما في قوله تعالى {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة 54] على ما فُسِّر من أن القتل نفس توبتهم، وفي الرواية الأخرى .
وفي الحديث جواز الإحسان إلى كل حيوان بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أُمرنا بقتله أو أبيح قتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العَقُور، فإن ذلك إنما شُرِعَ لمصلحة راجحة ومع
ج 2 ص 148
ذلك فقد أُمِرنا بإحسان القتلة، وفيه أيضًا حرمة الإساءة إليه وإثم فاعله فإنه ضد الإحسان، وقد دخَلَتِ المرأةُ النارَ في هِرَةٍ حبستها حتى ماتت، وفيه أيضًا وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها وهو بالإجماع.
وقال بعض المالكية أراد البخاري بإيراد هذا الحديث طَهَارةَ سُؤر الكلب؛ لأن الرجل ملأ خُفَّه وسقاه به، ولا شك أن سؤره بقي فيه واستباح لبسه في الصلاة من غير غسله إذ لم يذكر الغسل في الحديث، وأجيب عنه بأنه ليس فيه أن الكلب شرب الماء من الخف إذ قد يجوز أنه غرفه به ثمَّ صبَّه [8] في مكانٍ غَيْره، وعلى تقدير سقيه فيه يجوز أن لا يلبسه، وعلى تقدير لبسه يجوز أن يغسله ثمَّ يلبسه، وعلى تقدير لبسه من غير غسل لا يلزمنا هذا؛ لأن هذا كان في شريعة غيرنا على ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو منسوخ في شرعنا.
[1] في عمدة القاري أجاب عنه مَن ينصره.
[2] (( وفي رواية سبع مرات السابعة بالتراب ) )ليست في (خ) .
[3] (( وبعضهم قالوا إن ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب ) )ليست في (خ) .
[4] قوله (( في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه ) )ليس في (خ) .
[5] ما بين معقوفين زيادة من الكامل لابن عدي.
[6] في المحكم إذا بل لم يصر طينًا.
[7] في هامش الأصل قوله ريانًا والصواب ريان لأنه غير منصرف بالوصفية، والألف والنون المزيدتين.
[8] في (خ) (( حبسه ) ).