فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 11127

174 - (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح المعجمة وكسر الموحدة، ابن سعيد التميمي البصري شيخ البخاري ولم يُخْرِج له غيره، أصله من البصرة ونزل مكة، مات سنة تسع وعشرين ومائتين (حَدَّثَنَا أَبِي) شبيب المذكور، وكان من أصحاب يونس، وكان يختلف في التجارة إلى مصر، وكتابه كتابٌ صحيح، وهو صدوق، أخرج له النسائي.

(عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيْلِي، وقد تقدم ذكره في الوحي [خ¦6] (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ) بالحاء المهملة والزاي (بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أبو عمارة القرشي، العدوي، المدني، التابعي، الثقة كان قليل الحديث، روى له الجماعة (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وأيليٍّ ومدني، وفيه رواية تابعي عن تابعي.

وقد أخرج متنه أبو داود قال حدَّثنا أحمد بن صالح حدَّثنا عبد الله بن وهب، قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر قال قال ابن عمر رضي الله عنهما «كنت أبِيتُ في المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت فتى شابًا عَزْبًا، وكانت الكلاب تبول وتُقْبِلُ وتُدْبِر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون شيئًا من ذلك» ، وأخرجه أبو داود، والإسماعيلي، وأبو نعيم، والبيهقي أيضًا.

(قَالَ) أي إنَّه قال (كَانَتِ الْكِلاَبُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ) في محل النصب على الخبرية إن كان (كانت) ناقصة، وعلى الحالية إن كانت تامة، وفي رواية أبي نعيم والبيهقي من رواية أحمد بن شبيب المذكور، وكذا في رواية أبي داود والإسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر» ، بزيادة

ج 2 ص 149

(تبول) قبل قوله (وتقبل وتدبر) ، وستقف على معنى هذه الرواية.

(فِي الْمَسْجِدِ) أي حال كونها في المسجد النبوي المدني (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ) من رش الماء، وحكى ابن التِّين عن الداودي أنه أبدل قوله (يرشون) بلفظ (يرْتَقِبون) بإسكان الراء وفتح المثناة الفوقية وكسر القاف، وفسَّره بأن معناه لا يخشون فصَحَّفَ اللفظ وأَبْعَدَ في التفسير؛ لأن معنى الارتقاب الانتظار، وأما نفي الخوف من نفي الارتقاب فهو تفسير ببعض لوازمه (شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي من ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن أفهام الناس.

قيل واحتج به البخاري عن طهارة سؤر الكلب، فإن هذا الترتيب يُشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ (في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم) دالٌّ على عموم الأزمنة إذ [1] اسم الجنس المضاف من الألفاظ العامة، وفي قوله (فلم يكونوا يرشُّون) من المبالغة ما ليس في قوله (فلم يرشوا) بدون لفظ الكون كما في قوله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال 33] حيث لم يقل وما يعذبهم الله، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على لفظ الغسل؛ لأن الرش ليس فيه جريان الماء؛ بخلاف الغسل فإنه يشترط فيه الجريان فنفيُ الرشِّ يكون أبلغ من نفي الغسل، ولفظ (شيئًا) أيضًا عام؛ لأنه نكرة وقعت في سياق النفي، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرَّر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يَأْمُر بغَسْلِه قَطُّ، عُلِمَ أنه طاهر.

والجواب أن يقول لا دلالة على ذلك الذي ذكر؛ لأن طهارة المسجد متيقنة غير مشكوك فيها، واليقين لا يُرفع بالظن فضلًا عن الشك، وعلى تقدير دلالته فدلالته لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحًا بإيجاب الغسل حيث قال (وليغسله سبعًا) ، وأما على رواية من روى (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر) فلا حجة فيه لمن استدل به على طهارة الكلاب للاتفاق على نجاسة بولها، فالذي في روايته (تبول) يذهب إلى طهارة بولها، وكأن المسجد لم يكن يُغْلَق وكانت الكلاب تتردَّد إليه [2] وعساها كانت تبول، إلا أنَّ عِلْمَ بولها لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 150

ولا عند أصحابه، ولا عند الراوي عِلْمٌ أيُّ موضع هو ولو كان عَلِمَ لأَمَرَ بما أمر في بول الأعرابي، فدل ذلك أن بول ما سواه في حكم النجاسة سواء.

وقال الخطابي يُتأول على أنها كانت لا تبول في المسجد بل في مواطنها خارج المسجد، ثمَّ تقبل وتدبر في المسجد إذ لم يكن عليه في ذلك الوقت غَلَقَ، وقال ويَبْعُد أن تُتْرك الكلاب تنتاب المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه.

وقال محمود العيني إنما تَأَوَّلَ الخطَّابي بهذا التأويل حتى لا يكون الحديث حجة للحنفية، فإنهم استدلوا به على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء فذهب أثرها تَطْهُر في حق الصلاة؛ خلافًا للشافعي وأحمد وزُفَر، والدليل على ذلك أن أبا داود وضع لهذا الحديث بابُ طَهُور الأرض إذا يَبِست، وأيضًا عدم الرش يدل على جفاف الأرض وطهارتها، ومن أكبر موانع تأويله أن قوله (في المسجد) ليس ظرفًا لقوله (تُقْبِل وتُدْبر) فقط، بل الظاهر أنه ظرف لقوله (تبول) وما بعده كلها، فافهم.

وقيل الأقرب أن يقال كان ذلك في ابتداء الإسلام على أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، ويشير إلى ذلك ما زاده الإسماعيلي في روايته من طريق ابن وهب في هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان عمر رضي الله عنه يقول بأعلى صوته «اجتنبوا اللغو في المسجد» ، قال ابن عمر رضي الله عنهما «وقد كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الكلاب ... » إلى آخره، فأشار إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المسجد حتى من لغو الكلام.

وبهذا يندفع أيضًا ما قاله ابن بطال من أن الكلب طاهر؛ لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب يكون بأن تَجُرَّ فيه أنوفها وتَلْحَسَ الماء وفُتَات الطعام؛ لأنه كان مبيت الغرباء والوفود، وكانوا يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفَّة، ولو كان الكلب نجسًا لمُنِعَ من دخول المسجد لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تُجَنَّبُ المساجد. هذا، والله أعلم.

[1] في (خ) (( إلى ) ).

[2] (( إليه ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت