2003 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب الحارثي القعنبي (عَنْ مَالِكٍ) بن أنس الأصبحي الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، وقد مرَّ في كتاب الإيمان [خ¦37] ، كذا رواه مالك عنه، وتابعه يونس وصالح بن كيسان وابن عُيينة وغيرهم، وقال الأوزاعيُّ عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وقال النُّعمان بن راشد عن الزُّهري عن السَّائب بن يزيد كلاهما عن معاوية، والمحفوظ رواية الزُّهري عن حميد بن عبد الرَّحمن، قاله النَّسائي وغيره.
(أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أميَّة الأموي، وهو وأبوه من مسلمة الفتح، وقيل أسلم هو في عمرة القضاء، وكتم إسلامه، وكان أميرًا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة، وكان يقول أنا أوَّل الملوك.
(يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ) قال الطَّبري إنَّ أوَّل حجَّة حجَّها معاوية رضي الله عنه بعد أن استخلف كانت سنة أربع وأربعين، وآخر حجَّة حجَّها سنة سبع وخمسين.
قال الحافظ العسقلاني والذي يظهر أنَّ المراد بها في هذا الحديث الحجَّة الأخيرة. وتعقَّبه العيني بأنَّه يحتمل هذه الحجَّة وتلك الحجَّة، ولا دليل على ظهور أنَّ حجته التي قال فيها ما قال كانت هي الأخيرة.
(عَلَى الْمِنْبَرِ) أي حال كونه على المنبر، وصرَّح يونس في روايته بالمدينة، ولفظه عن ابن شهاب
ج 9 ص 558
قال أخبرني حميد بن عبد الرَّحمن أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبًا بالمدينة، يعني في قدمة قدمها، خطبهم يوم عاشوراء، رواه مسلم عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس (يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) قال النَّووي الظَّاهر أنَّ معاوية رضي الله عنه قاله لمَّا سمع من يوجبه أو يحرِّمه أو يكرهه، فأراد إعلامهم بأنَّه ليس بواجب ولا محرَّم ولا مكروه، ويحتمل أنَّه لم ير لهم اهتمامًا بصيام يوم عاشوراء فسأل عن علمائهم استدعاءَ موافقتهم له في هذا الحكم، واستعانة بما عندهم على ما عنده.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ) أي ولم يكتب الله (عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر ببناء يكتب على الفاعل، وإظهار الفاعل وهو من كلامه صلى الله عليه وسلم كما بيَّنه النَّسائي في روايته، وقد استدلَّ به الشَّافعية والحنابلة على أنَّه لم يكن فرضًا قط، ولا دَلالة فيه؛ لاحتمال أن يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدَّوام كصيام رمضان.
وغايته أنَّه عامٌّ خص بالأدلَّة الدالَّة على تقدُّم وجوبه، أو المراد أنَّه لم يدخل في قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة 183] فقد فسَّره بأنَّه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر السَّابق بصيامه الذي صار منسوخًا.
ويؤيِّد ذلك أنَّ معاوية رضي الله عنه إنَّما صحب النَّبي صلى الله عليه وسلم من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء والنِّداء بذلك شهدوه في السَّنة الأولى أوَّل العام الثَّاني، والله أعلم.
(وَأَنَا صَائِمٌ) وفيه دَلالة على فضل صوم يوم عاشوراء؛ لأنه لم يخصَّه بقوله وأنا صائم إلَّا لفضل فيه، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة (فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ) وفي رواية ابن عساكر في نسخة بضمير المفعول (وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ) بحذف ضمير المفعول، ويؤخذُ من مجموع الأحاديث أنَّه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثمَّ تأكَّد الأمر بذلك، ثمَّ زاد التَّأكيد بالنِّداء العام، ثمَّ زاد التَّأكيد بأمر من أكل بالإمساك، ثمَّ زاد بأمر الأمَّهات أن لا يرضعن فيه الأطفال.
ج 9 ص 559
وبقول ابن مسعود رضي الله عنه الثَّابت في «صحيح مسلم» لمَّا فرض رمضان ترك عاشوراء، مع العلم بأنَّه ما ترك استحبابه، بل هو باقٍ، فدلَّ على أنَّ المتروك وجوبه.
وأمَّا قول بعضهم المتروك تأكُّد استحبابه والباقي أصل استحبابه؛ فلا يخفى ضعفه، بل تأكُّد استحبابه باقٍ لا سيَّما مع استمرار الاهتمام به حتَّى في عام وفاته صلى الله عليه وسلم حيث قال (( لئن عشت لأصومنَّ التَّاسع ) )، ولترغيبه في صومه وأنَّه يكفِّر سنة، فأيُّ تأكيد أبلغ من هذا، وهذا الحديث أخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا النَّسائي.