فهرس الكتاب

الصفحة 3134 من 11127

2004 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبدُ الله بن عمرو المنقري المقعد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي ابن سعيد، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن جبير الأسديِّ الكوفي، ووقع في رواية ابن ماجه من وجه آخر عن أيُّوب، عن سعيد بن جبير. والمحفوظ أنَّه عند أيُّوب بواسطة، وكذلك أخرجه مسلم.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ) في ربيع الأوَّل، فأقام إلى يوم عاشوراء من السَّنة الثانية (فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ) وفي رواية مسلم (( فوجد اليهود يصومون ) )، وفي رواية له (( فوجد اليهود صيامًا ) ) (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم؛ أي لهم كما في رواية مسلم (مَا هَذَا) الصَّوم؟ وفي لفظ للبخاري في تفسير طه [خ¦4737] (( فسألهم ) )، وفي رواية لمسلم (( فسألوا عن ذلك ) ).

(قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ) وعند ابن عساكر مرَّتين، وقولهم هذا إشارة إلى نوع اليوم لا إلى شخصه، ومثله قوله تعالى {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [الأعراف 19] فيما ذكره فخر الدِّين الرَّازي في «تفسيره» (هَذَا يَوْمُ نَجَّى اللَّهُ) بغير تنوين يوم في اليونينية مصحَّحًا عليه، وفي غيره بالتنوين.

(بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ) فرعون، حيث أُغرِق في اليمِّ. وفي رواية مسلم (( قالوا هذا يوم عظيمٌ أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعونَ وقومه ) ). وفي رواية له (( فقالوا هذا اليوم الذي أظهرَ الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له ) ).

(فَصَامَهُ مُوسَى) زاد مسلم في روايته (( شكرًا لله تعالى فنحن نصومه ) )، وللبخاري في الهجرة [خ¦3943] من رواية أبي بشر (( ونحن نصومه تعظيمًا له ) ). ولأحمد من طريق ابن عوف، عن أبي هريرة رضي الله عنه نحوه وزاد فيه (( وهو اليوم الذي استوت فيه السَّفينة على الجودي، فصامَه نوح شكرًا ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم(فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى

ج 9 ص 560

مِنْكُمْ)وذلك باعتبار الاشتراك في الرِّسالة والأخوَّة في الدِّين، والقرابة الظَّاهرة دونهم، ولأنَّه صلى الله عليه وسلم أطوع وأتبع للحقِّ منهم (فَصَامَهُ) صلى الله عليه وسلم كما كان يصومه قبل ذلك (وَأَمَرَ) النَّاس (بِصِيَامِهِ) وللبخاري في تفسير يونس، من طريق أبي بشر [خ¦4680] (( فقال لأصحابه أنتم أحقُّ بموسى منهم فصوموا ) )وليس معناه أنَّه صامه ابتداء؛ لأنَّه قد علم في حديث آخر أنَّه كان يصومه قبل قدومه المدينة [خ¦2002] .

فعلى هذا معناه أنَّه ثبت على صيام، وداوم على ما كان عليه كما أشرنا إليه [خ¦2002] . وقيل يحتمل أنَّه كان يصومه بمكَّة، ثمَّ ترك صومه، ثمَّ لمَّا علم ما عند أهل الكتاب فيه صامه.

واستشكل ظاهر الخبر بأنَّه يقتضي أنَّه صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، والحال أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأوَّل.

وأُجيب عن ذلك بما أشرنا إليه أيضًا في أثناء التَّقرير وهو أنَّ في الكلام حذفًا تقديره قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صيامًا. وقيل يحتمل أنَّ أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السِّنين الشَّمسيَّة فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه المدينة.

وهذا التَّأويل ممَّا يترجَّح به أولويَّة المسلمين وأحقيَّتهم بموسى عليه السَّلام لإضلالهم اليوم المذكور، وهداية الله للمسلمين له، ولكن سياق الأحاديث يدفع هذا التَّأويل، فالتَّعويل على التَّأويل الأوَّل.

فإن قيل إنَّ خبر اليهود غير مقبول، فكيف اعتمد صلى الله عليه وسلم عليه وعمل بخبرهم؟

فالجواب أنَّه قال الماوردي أنَّه لا يلزم منه الاعتماد على خبرهم؛ لاحتمال أن يكون أوحى إليه بصدقهم، وعلى وفق ما حكوا من قصَّة هذا اليوم، أو تواتر عنده الخبر بذلك، ولا يشترط في التَّواتر الإسلام. وقيل إنَّما صامه باجتهاده.

وقال القاضي عياض أو أخبره من أسلم منهم كعبد الله بن سلام رضي الله عنه، ثمَّ قال القاضي عياض ليس في الخبر أنَّه ابتدأ بصيامه، بل في حديث عائشة رضي الله عنه التَّصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك [خ¦2002] ، فغاية ما في القصَّة أنَّه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم يحتاج إلى التكلُّم عليه، وإنَّما هي صفةُ حال، وجواب سؤال، ولم تختلف الرِّوايات عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في ذلك، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يصومونه

ج 9 ص 561

كما تقدَّم [خ¦2002] ؛ إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السَّبب في ذلك.

قال القرطبي لعلَّ قريشًا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بحكم الموافقة لهم كما في الحجِّ، أو أذن الله له في صيامه على أنَّه فعل خير، فلمَّا هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه احتمل أن يكون ذلك استئلافًا لليهود، كما استألفهم باستقبال قبلتهم، ويحتمل غير ذلك، وعلى كلِّ حالٍ فلم يصمْه اقتداء بهم، فإنَّه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحبُّ فيه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينْه عنه.

ولأحمد من وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( صومُوا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعدَه ) )وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيَّما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلمَّا فتحت مكَّة واشتهر أمر الإسلام أحبَّ مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في «الصَّحيح» فهذا من ذلك فوافقهم أوَّلًا، وقال (( نحن أحقُّ بموسى منكم ) )ثمَّ أحبَّ مخالفتهم فأمر بأن يضافَ إليه يوم قبله ويوم بعده خلافًا لهم، ويؤيِّده رواية التِّرمذي من طريق أخرى بلفظ (( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامِ عاشوراء يوم العاشر ) ).

وقال بعضُ أهل العلم وقد تقدَّم أيضًا أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» (( لئن عشت إلى قابل لأصومنَّ التَّاسع ) )يحتمل أمرين أحدهما أنَّه أراد نقل العاشر إلى التَّاسع. والثَّاني أراد أن يضيفه إليه في الصَّوم، فلمَّا توفِّي صلى الله عليه وسلم قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين. وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التَّاسع معه، وفوقه أن يُصام التَّاسع والحادي عشر معه، والله الموفق.

ورجال إسناد هذا الحديث الثَّلاثة الأُول بصريُّون، والثَّلاثة الأُخر كوفيُّون. وقد أخرجه المؤلِّف في أحاديث الأنبياء أيضًا [خ¦3397] . وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنَّسائي في الصوم.

وأمَّا مطابقته للتَّرجمة فمن حيث إنَّها في مطلق صوم يوم عاشوراء، وهو يتناول

ج 9 ص 562

كلَّ صوم يوم عاشوراء، وعلى أيِّ وصف كان من الوجوب والاستحباب والكراهة، وظاهر حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦2004] يدلُّ على الوجوب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه، ولكن نسخ الوجوب وبقي الاستحباب، كما مرَّ [خ¦2003] .

وقال الطَّحاوي بعد أن روى الحديث ففي هذا الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّما صامه شكرًا لله عزَّ وجلَّ في إظهار موسى عليه السَّلام على فرعون، فذلك على الاختيار لا على الفرض. انتهى.

وقال العيني فيه بحث؛ لأنَّ لقائل أن يقول لا نسلِّم أنَّ ذلك على الاختيار دون الفرض؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بصومه، والأمر المجرَّد عن القرائن يدلُّ على الوجوب، وكونه صامه شكرًا لا ينافي كونه للوجوب كما في سجدة (ص) ، فإنَّ أصلها للشُّكر مع أنَّها واجبة. انتهى. فليتأمَّل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت